تحت عنوان حالة الأغذية والزراعة لعام 2020 ، التغلّب على تحديات المياه في الزراعة، صدر في الآونة الأخيرة تقرير منظمة الأغذية والزراعة العالمية الفاو التابعة للأمم المتحدة، ووفق هذا التقرير يعيش اليوم 3.2 مليار نسمة في مناطق زراعية ذات مستويات عالية إلى عالية جدًا من النقص في المياه أو ندرتها، فيما يعيش 1.2 مليار نسمة من بينهم في مناطق تعاني من قيود حادة للغاية متصلة بالمياه. ويعيش نصف هؤلاء الأشخاص البالغ عددهم 1.2 مليار نسمة تقريبًا في آسيا الجنوبية، فيما يعيش حوالي 460 مليونًا منهم في شرق وجنوب شرق آسيا. وسوف يتأثر عدد كبير آخر ما لم تُتخذ إجراءات فورية.
وفي قطر من أهم أحواض المياه الجوفية الطبيعية الرئيسية، الشمالي، والجنوبي، والدوحة، والعائلات، حيث تعمل الدولة منذ سنوات على حمايتها من الاستغلال الجائر. وفي ذات السياق كشف تقرير رسمي أن الحد الآمن لاستغلال المياه الجوفية في دولة قطر يقدر بـ 55.8 مليون م3 سنويا، بينما يصل معدل سحب المياه الجوفية سنويا الآن إلى 250.8% مليون م3، وهو الأمر الذي تسبب في استنفاد الأحواض الجوفية وانخفاض منسوب المياه فيها مع ارتفاع درجة ملوحتها.
وخلال مؤتمر الإعداد للقمة العالمية لنظم الأغذية المستدامة فيما يتعلق بالتغلب على تحديات المياه واستثمارها في الإنتاج، أكد سعادة الدكتور عبدالله بن عبدالعزيز بن تركي السبيعي وزير البلدية والبيئة والقائم بأعمال وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء أنه تم تنفيذ مشاريع الاستزراع السمكي المستدامة لتخفيف الضغط على المخزون السمكي المحلي وإدارته بطريقة مستدامة وتحسين مستويات الصيد، وكذلك الحد من استنزاف المياه الجوفية من خلال التحول الكلي لإنتاج الأعلاف الخضراء بواسطة مياه الصرف الصحي المعالجة، كما تم تنفيذ برنامج دعم المزارعين لتحسين وتعزيز جدوى الإنتاج المحلي. ونعمل أيضاً على إعداد وتنفيذ سياسات تقليل الهدر والفاقد من الغذاء، بما يتماشى مع أحد أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة والذي يرمي لتقليل هدر الغذاء بنسبة 50% بحلول العام 2030 .
وعلى الرغم من ذلك وفق تقرير رسمي يتعلق بما أنجزته دولة قطر لتحقيق الأهداف الـ 17 للأمم المتحدة المتعلقة بالتنمية المستدامة فإن الدولة نجحت في تحقيق الاكتفاء الذاتي للسكان من المياه النقية بنسبة 100 % ووجود خزانات إستراتيجية وفائض منها.
ووفق تقرير رسمي، ارتفعت كمية إنتاج المياه من مصادرها الثلاثية محلاة، طبيعية، معالجة من 220 مليون م 3 عام 1990 إلى أكثر من مليار م3 الآن. بينما تقدر كميات المياه التي يتم حقنها بالخزان الجوفي سنويا بـ 60 مليون م3. وتصل كمية المياه المستخدمة بالقطاع الزراعي إذا ما أضفنا إليها كميات المياه المعالجة إلى 292 مليون متر مكعب.
ووفق ما ورد بالخطة العمرانية تخطط دولة قطر لإقامة منطقة محمية لخزان المياه الجوفي الشمالي تغطي 29% من إجمالي المساحة اليابسة في دولة قطر، وتستهدف تلك المنطقة حماية خزان المياه الجوفي الشمالي والحفاظ على جودة مياهه، وذلك من خلال الحفاظ على مناطق الروض والوديان التي تعمل طبيعيا على إمداد الخزان الجوفي بالمياه في حال حدوث أي أعطال في محطات تحلية المياه أو حدوث كارثة وطنية، يتعين تأمين مصدر بديل لإمداد البلاد بالمياه الصالحة للشرب.
وللوقوف على الجهود التي تقوم بها إدارة الشؤون الزراعية بوزارة البلدية والبيئة للحد من استهلاك المياه، يقول يوسف بن خالد الخليفي مدير إدارة الشؤون الزراعية: إن وزارة البلدية والبيئة تعتمد دوما معايير منظمة الأغذية والزراعة العالمية وتطبقها، وفي ذات السياق تحرص كل الحرص على ترشيد المياه وتوفير كل قطرة مياه واستثمارها في مشروعات تدعم الأمن الغذائي للدولة، ولذلك فإن البلدية والبيئة تلزم المستثمرين الإستراتيجيين الراغبين في الفوز بالمزايدات على المشاريع الزراعية الجديدة بالخطة الراهنة باستخدام أحدث نظم البيوت المحمية المبردة دائمة الإنتاج، وهي بيوت مزودة بأنظمة ري تستهلك كميات قليلة من المياه المفترض أن تستهلكها الزراعات التقليدية، وتضاعف في الإنتاج على مساحات أقل من الأراضي .
ويستطرد يوسف الخليفي: كما أن الوزارة تكفل قنوات تمويل لأصحاب المزارع الجادة المنتجة والمسوقة من أجل التوسع بتحديث النظم الزراعية سواء كانت نظم ري أو بيوتا محمية لأجل تطوير الزراعة المحلية، وتعمل خلال الخطة الخمسية الراهنة على تزويد المزارع الجادة بأكثر من 3500 من البيوت المحمية متعددة الأنواع، وتشجعهم في تحديث النظم الزراعية والانتقال من الزراعة التقليدية إلى الزراعة الحديثة التي تدر عائدا أكبر وتوفر المياه والأراضي .
وتشير الإحصائيات إلى أن إجمالي المياه المتجددة التي تغذي الخزان الجوفي القطري سنويا تصل إلى 73.8 مليون م3 من مياه الأمطار. ووفق بيانات البلدية والبيئة توجد عدة مشاريع قائمة تعمل على رفع معدل تغذية الأحواض الجوفية صناعيا من خلال آبار التغذية والحقن الصناعي لمياه الصرف المعالجة والمياه المقطرة وتلعب عائدلات المياه دورا مهما في التوازن المائي الكلي.
ويكشف تقرير لجهاز التخطيط أن المشروعات الزراعية القطرية المقامة تستهلك في الوقت الراهن 92% من كمية المياه الجوفية المستخرجة خلال السنوات الأخيرة. ويؤكد نفس التقرير أن العجز المائي السنوي الناجم بشكل رئيسي عن سحب المياه الجوفية يتراوح بين ما يقرب من 97 مليون م 3 سنويا إلى 158 مليون م 3 سنويا.
ويشير التقرير إلى أن التغذية من مياه الري المحلاة تعتبر المصدر الرئيسي للمخزون الوطني للمياه الجوفية حيث تصل إلى 54.6% من الإضافات السنوية لمخزونات المياه الجوفية، 43.4% من هطول الأمطار، وقرابة 2% من التدفق من المنطقة المجاورة.
ويؤكد التقرير أن سعة القدرة التصميمية لمحطات معالجة مياه الصرف الصحي ارتفعت من 54 ألف متر مكعب عام 2004 إلى 85 ألف متر مكعب يوميا الآن، حيث توجد 24 محطة معالجة لمياه الصرف الصحي.
وحسب تقرير الفاو حول التغلب على تحديات المياه: تراجعت الكمية السنوية الإجمالية من موارد المياه العذبة المتاحة للشخص الواحد بأكثر من 20 % في العقدين الأخيرين. وهذه مسألة خطيرة بصورة خاصة في أفريقيا الشمالية وآسيا الغربية، حيث تراجعت المياه العذبة للفرد الواحد بأكثر من 30 %، وحيث بالكاد يبلغ متوسط الحجم السنوي للمياه للفرد الواحد 000 1 م3 وهي كمية تُعتبر تقليديًا عتبة الندرة الحادة في المياه. ويؤدي ارتفاع المداخيل والتوسع الحضري إلى ازدياد الطلب على المياه من قطاعات الصناعة والطاقة والخدمات، وإلى تغييرات في الأنماط الغذائية تنطوي بدورها على مزيد من الطلب على أغذية تستخدم المياه بكثافة (على غرار اللحوم ومنتجات الألبان).
يقول د. مغاوري سلامة خبير المياه إن تقريرا دوليا عن الدول المهددة بالجفاف والفقر المائي نشره موقع معهد الموارد العالمية دبليو آر أي أكد أن أطلس قنوات المياه التابع لمعهد الموارد العالمية، يكشف أن حوالي ربع سكان العالم يواجهون نقصا وشيكا في المياه الصالحة للشرب. وبحسب الموقع فإن 17 دولة تعتبر موطنا لأكثر من ربع سكان العالم، مشيرا إلى أنها تعاني من مستويات مرتفعة للغاية مما وصفه بـ الإجهاد المائي ، مشيرا إلى أن المياه قد تنضب في هذه المناطق قريبا. وأوضح التقرير أن الكويت جاءت ضمن الدول الأولى، التي تعاني خطرا محدقا متعلقا بشح المياه.
ووفق مغاوري: بحسب التقرير، فإن قائمة الدول، التي تعاني من خطر وشيك في نضوب المياه في مقدمتها قطر، فلسطين، لبنان، إيران، الأردن، ليبيا، الكويت، السعودية، إريتريا، الإمارات العربية المتحدة، سان مارينو، البحرين، الهند، باكستان، تركمانستان، وسلطنة عمان .
واختتم د. مغاوري حديثه بالقول: إن منطقة الشرق الأوسط ستكون الخاسر الأكبر، من ندرة المياه المرتبطة بالمناخ، مشيرا إلى أن الخسائر تقدر بنسبة ستتراوح بين 6 إلى 14 %، من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2050 .
ويقول د. سيف بن علي الحجري رئيس برنامج أصدقاء الطبيعة: مع بقاء 10 سنوات حتى عام 2030 حققت دولة تقدما كبيرا على طريق إنجاز أهداف الأمم المتحدة الـ 17 للتنمية المستدامة، بيد أن التقديرات الأولية تشير لمؤشر هدف التنمية المستدامة 6-4-2 بشأن الإجهاد المائي، إضافة إلى نقص المياه المستمر في الزراعة، وأن ضمان الإدارة المستدامة للمياه لا يزال يشكل أحد التحديات في عدد كبير من دول الشح المائي، نظرًا إلى ارتباط المياه بشكل وثيق بعدد من أهداف التنمية المستدامة الأخرى، وليس أقلّه هدف القضاء على الجوع، سوف تشكل إدارة الموارد المائية النادرة عاملًا حاسمًا لتحقيق هذه الأهداف بشكل كامل .
ويحدد تقرير الفاو 8 أساليب تستخدم للتغلّب على تحديات المياه في الزراعة وخصوصا بالنسبة إلى الأراضي الزراعية المروية بالري التقليدي في العالم - تبلغ نسبة هذا النوع من الري التقليدي بقطر الآن 85 % - وتبلغ مساحة الأراضي المروية تقليديا في العالم 171 مليون هكتار (أو 62 % من المساحة الزراعية بالعالم) وهي تشهد إجهادًا مائيًا عاليًا أو عاليًا جدًا.
وحول تلك الأساليب يقول التقرير: ينبغي إعطاء الأولوية لتحفيز الممارسات التي تزيد إنتاجية المياه، وإعادة تأهيل البنية التحتية القائمة للريّ وتحديثها، واعتماد تكنولوجيات مبتكرة، وينبغي المزج بين هذه التكنولوجيات والحوكمة المحسّنة للمياه لضمان تخصيص المياه والحصول عليها بصورة منصفة، ولضمان متطلبات التدفقات البيئية الضرورية للمحافظة على النظم الإيكولوجية المتصلة بالمياه .
ومن بين تلك الأساليب: ضرورة الاستثمار في الاستخدامات غير الاستهلاكية للمياه - كما في تربية الأحياء المائية مثلاً -، وفي المصادر غير التقليدية للمياه، مثل إعادة استخدام المياه وتحليتها، يشكل إستراتيجية متزايدة الأهمية من أجل تعويض ندرة المياه؛ ويجب أن تكون الابتكارات كفؤة اقتصاديًا، ومقبولة اجتماعيًا، ومستدامة بيئيًا، وملائمة للسياق. والاستثمار في الاستخدامات غير الاستهلاكية للمياه على غرار الزراعة المائية إستراتيجية تكتسي أهمية متزايدة للتعويض عن ندرة المياه.
وتشير التقديرات إلى أن 41 % من الاستخدام الحالي لمياه الريّ في العالم يحصل على حساب متطلبات التدفقات البيئية.
وتكشف تقارير علمية أن دولة قطر تحتاج لزيادة وتنويع الموارد المائية نتيجة النمو الحضري السريع والزيادة السكانية المستمرة من بين موارد المياه المائية الثلاثة وهي: المياه الجوفية ومياه التحلية ومياه الصرف الصحي المعالجة لري المحاصيل وتنسيق الحدائق.
ولذلك تفرض وزارة البلدية والبيئة قيودا على الاستخدام المستمر لمصادر المياه الجوفية، تلك القيود ستؤدي إلى زيادة الطلب على المياه الصالحة للشرب وللاستخدام في الري لتأمين إنتاج الغذاء الوطني.
وحددت الوزارة 5 أهداف من خلالها تتم حماية مصادر المياه الجوفية وآبار التغذية ومرافق استخراج المياه الجوفية المصرح بها لضمان الأمن المائي وهي: إعداد وتنفيذ إستراتيجية إدارة المياه الجوفية الوطنية، لتحديد وحماية وتعزيز جودة وتوافر المياه الجوفية وإجراء تدقيق حسابي وعمل فحص وفرض برنامج مراقبة على نظم الصرف الصحي داخل المنطقة المحمية المقترحة لخزان المياه الجوفية والارتقاء التدريجي بشبكات الصرف الصحي لكل المناطق الحضرية الواقعة داخل نطاق المنطقة ذاتها وعدم السماح بأنشطة التنمية التي تشمل التدخل أو التفريغ أو التلويث للمنطقة المحمية المقترحة لخزان المياه الجوفية الشمالي، أو مصادر المياه الجوفية، أو في نطاق 300م من آبار التغذية أو مرافق استخراج المياه الجوفية المرخصة دون ترخيص مسبق من وزارة البلدية والبيئة واللجنة الدائمة لمصادر المياه، ويجب أن تتضمن طلبات التطوير التي تقع في خزان المياه الجوفية الشمالي أساليب إعادة تغذية للخزان عن طريق مياه الأمطار.
وتعمل وزارة البلدية والبيئة على عدة بدائل للحد من عمليات ري المزارع بالغمر، وتدعم المزارعين بكل السبل من أجل استخدام منظومات ري حديثة واقتصادية وموفرة من بينها نظم الري بالتنقيط، والري بالرش، والهايدروبونيك والأكوا بونيك، واعتماد أنظمة الصوبات الذكية الموفرة للمياه والأراضي والتي تدر عائدا إنتاجيا أكبر من التي تعتمد على النظم التقليدية، وتلك الأنظمة من أنسب وأحدث طرق الري التي يوصَى بها من قبل خبراء الفاو باستخدامها في المناطق الصحراوية ذات نسبة الملوحة العالية للتربة .