صندوق النقد الدولي يؤكد تراجع التضخم العالمي خلال الأعوام المقبلة وصمود النمو الاقتصادي

لوسيل

قنا

يشكل الاقتصاد العالمي المحرك الأساسي للنمو، من حيث مساهمته في فتح أسواق جديدة أمام المنتجات المحلية وتوفير سلع متنوعة بأسعار تنافسية للمستهلكين وتعزيز التجارة الدولية ونقل التكنولوجيا وربط الأسواق ببعضها، وهذا يتيح للبلدان المختلفة تنويع مصادر دخلها وتوسيع فرصها الاقتصادية ورفع مستويات المعيشة والحد من الفقر، من خلال تحفيز الاستثمار والابتكار في مختلف القطاعات والحصول على نمو مستقر رغم التحديات الجيوسياسية.
وبددت توقعات مسؤولي الاقتصاد العالمي في الأسابيع الأخيرة المخاوف التي كانت رائجة طيلة عام 2025 من استمرار التضخم وتمدد مستويات الركود، مدفوعة بالنزاعات الدولية مثل استمرار الحرب بين روسيا وأوكرانيا والحرب في قطاع غزة، فضلا عن الرسوم الجمركية الأمريكية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب، ناهيك عن المتغيرات المناخية وتداعياتها على الموسم الزراعي ومشكلات الأمطار والجفاف.
وجاءت توقعات مديرة صندوق النقد الدولي كريستينا جورجيفا خلال حديثها في منتدى مالي عربي، بتراجع التضخم العالمي خلال الأعوام المقبلة، مع تأكيد صمود النمو ودعوة لتعزيز التكامل التجاري رغم التحديات الدولية، ليضفي مزيدا من الإيجابية على أسواق الاقتصاد العالمي.
وبلغة الأرقام، توقعت مديرة صندوق النقد الدولي انخفاض التضخم العالمي إلى 3.8 بالمئة هذا العام وإلى 3.4 بالمئة في عام 2027 مع تراجع الطلب وانخفاض أسعار الطاقة، مشددة على أن النمو العالمي صمد بشكل ملحوظ رغم التحولات العميقة في الأوضاع الجيوسياسية والسياسات التجارية والتكنولوجيا والتركيبة السكانية.
ولم تفوت المسؤولة الدولية الفرصة، لتدعو مجددا إلى مزيد من التكامل التجاري وقالت إنه في عالم يتسم بتفتت التجارة، فإن تعزيز التكامل التجاري يشكل أمرا بالغ الأهمية وأضافت أن ما شهدناه هذا العام هو أن التجارة لم تتراجع كما كنا نخشى، إنها في الواقع تنمو بوتيرة أبطأ قليلا من النمو العالمي ، وكررت ما ذكرته من توقعات قبل ثلاثة أسابيع في فعالية اقتصادية بمعهد ميلكن في العاصمة الأمريكية واشنطن، بأن الاقتصاد العالمي أثبت مرونة أكثر مما كان متوقعا على الرغم من الضغوط الحادة الناجمة عن الصدمات المتعددة، لكنها توقعت تباطؤا طفيفا فقط في النمو العالمي خلال عام 2026.
وركزت مديرة صندوق النقد الدولي حينها على أكبر اقتصاد في العالم منوهة بأن الاقتصاد الأمريكي تفادى الركود الذي كان يخشاه العديد من الخبراء قبل 6 أشهر فقط، مشيرة إلى أن العديد من الاقتصادات صمدت في ظل سياسات أفضل، وقطاع خاص أكثر قدرة على التكيف، وتعريفات استيراد أقل حدة مما كان يخشى على الأقل في الوقت الحالي، وظروف مالية داعمة.
لكن جورجيفا أشارت إلى أن البيانات الاقتصادية الأخيرة تشير إلى بعض التراجع في الاقتصاد الأمريكي، مشددة على ضرورة أن تعمل الولايات المتحدة على خفض عجزها الاتحادي الكبير. وأضافت أنه في ظل عدم اليقين الاقتصادي الكبير تحتاج البلدان في كل مكان إلى مرونة القطاع الخاص والبيانات الحكومية الجيدة والمؤسسات القوية لضمان تكافؤ الفرص.
وتتسق هذه التوقعات مع مثيلاتها في الصين، حيث ظلت توقعات التضخم الكلي مستقرة، بينما ارتفعت التوقعات للتضخم الأساسي إلى 0.5% و0.8% في 2025 و2026 على الترتيب. ويتوقع أن يحافظ الاقتصاد الصيني في عام 2026 على نمو مستقر (حوالي 4.5% - 4.8%)، ممثلا مرساة استقرار ومركزا عالميا للإنتاج، رغم التباطؤ الهيكلي والضغوط الداخلية والخارجية. وتلعب الصين دورا محوريا كأكبر مساهم في النمو العالمي (40% تقريبا)، مع تركيز استراتيجي على الصادرات والتكنولوجيا لتعويض ضعف الطلب المحلي.
وتتزامن تصريحات جورجيفا الأخيرة مع حديث العضو الفرنسي في المفوضية الأوروبية ستيفان سيجورنيه في مقال نشرته صحف أوروبية ووقع عليه أكثر من 1100 من المسؤولين التنفيذيين وغيرهم من قادة الأعمال إن أوروبا بحاجة إلى حماية صناعاتها من خلال استراتيجية صنع في أوروبا لتحظى بموقع مهم في الأسواق العالمية وحصة من النمو الاقتصادي الدولي، وأضاف سيجورنيه في المقال، أنه بدون سياسة صناعية طموحة وفعالة وواقعية، لن يكون الاقتصاد الأوروبي سوى مرتع لأنشطة المنافسين مشددا على ضرورة أن نكرس مرة واحدة وإلى الأبد لتفضيل حقيقي لكل ما هو أوروبي في قطاعاتنا الأكثر استراتيجية .
وكان الاتحاد الأوروبي قد وقع اتفاقيتين تجاريتين خلال الأسبوعين الأخيرين مع مجموعة ميركوسور التي تضم أربع دول لاتينية هي البرازيل والأرجنتين وأوروغواي وباراغواي، ثم أتبعها باتفاقية ضخمة مع الهند رابع اقتصاد في العالم، تتضمن كلاهما فرصا لفتح الأسواق أمام المنتجات الأوروبية وتخفيض هائل للرسوم الجمركية بين الطرفين بما يساهم في إنعاش الاستثمارات والصادرات وعكس مستويات الركود إلى نمو اقتصادي كبير خلال الأعوام المقبلة.

وفي مطلع العام الجاري وفي الـ19 من يناير 2026، حذر صندوق النقد الدولي من أن التوترات التجارية وتراجع طفرة الذكاء الاصطناعي من بين المخاطر الرئيسية التي تهدد النمو الاقتصادي العالمي. وقالت الهيئة الرقابية الاقتصادية للصندوق: إنه من المتوقع أن يصل النمو العالمي إلى 3.3% هذا العام - بزيادة عن توقعاتها السابقة البالغة 3.1% - قبل أن يتباطأ قليلاً إلى 3.2% في عام 2027. وفي يوليو الماضي رفع صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو العالمي 0.2% إلى 3% لعام 2025 وبنسبة 0.1% إلى 3.1% لعام 2026.
وهذا يعني أن الاقتصاد العالمي بدأ يتخلص من الاضطرابات التجارية التي حدثت في عام 2025، وهو يخرج من الأزمة بشكل أفضل مما كنا نتوقعه. بحسب لقاء كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي بيير أوليفييه غورينشاس مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في الـ19 من يناير 2026، حيث قال: لدينا صورة لاقتصاد عالمي ينمو بمعدلات نمو ليست ضخمة، ولكنه يتمتع بمرونة وقوة كبيرتين .
وحذر غورينشاس من أن أي تصحيح طفيف نسبي في السوق قد يكون له تأثير، نظرًا لمساهمة ارتفاع أسعار الأسهم في زيادة الثروة خلال السنوات الأخيرة. وتبرز مخاطر أخرى مع لجوء الشركات بشكل متزايد إلى الاقتراض لتمويل استثماراتها في مجال الذكاء الاصطناعي، وهو ما ذكره تقرير صندوق النقد بشأن أن المخاطر التي تهدد التوقعات العالمية لا تزال تميل نحو الجانب السلبي ، محذراً من أنه إذا تبين أن التوقعات بشأن نمو الذكاء الاصطناعي متفائلة للغاية، فقد يحدث تصحيح مفاجئ في السوق.
وفي هذا السياق، لا تغفل توقعات صندوق النقد الدولي الإشارة إلى أن الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة كبيرة للنمو الاقتصادي العالمي، إذا ما أدت زيادة الاستثمارات إلى التبني السريع لهذه التكنولوجيا، والتي تحقق زيادة في الإنتاجية وتعزيز آليات الأعمال والابتكار. ورغم أن المخاطر الاقتصادية تميل إلى التراجع، إلا أن هناك عدة عوامل قد تضعف آفاق النمو، من بينها احتمال تصحيح مفاجئ في الاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وخلال مؤتمر دافوس الأخير في الشهر الماضي، قال الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت Microsoft ، ساتيا ناديلا، إن على المجتمع العالمي أن يصل إلى مرحلة يتم فيها توظيف الذكاء الاصطناعي في تحقيق قيمة حقيقية وملموسة، تُحدث فرقاً فعلياً في حياة الأفراد والمجتمعات، وفي أداء الدول والقطاعات الاقتصادية المختلفة.
وأضاف ناديلا أن الذكاء الاصطناعي، إذا لم يُترجم إلى تحسينات واضحة في النتائج الصحية والتعليمية، ورفع كفاءة القطاع العام، وتعزيز تنافسية القطاع الخاص على اختلاف أحجامه، فلن يكون لهذا التطور أي معنى حقيقي، بل قد يؤدي سريعاً إلى فقدان القبول الاجتماعي لهذه التكنولوجيا، مشيراً إلى أن من أهداف الذكاء الاصطناعي هو تحسين منحنى الإنتاجية، وخلق فائض اقتصادي محلي، ودعم النمو الاقتصادي في مختلف أنحاء العالم، وليس فقط النمو القائم على الإنفاق الرأسمالي.
ويتخوف خبراء المال والاقتصاد من أن هذه النظرة الإيجابية مرهونة بعدم حصول متغيرات واسعة، قد تقض ضجع الاستقرار الاقتصادي مثل حرب كبيرة أو نزاعات سياسية داخلية أو توترات جيوسياسية قد تطيل أمد حالة عدم اليقين وتعطل الأنشطة التجارية، من خلال تأثيرها على الأسواق المالية وسلاسل التوريد وأسعار السلع الأساسية.