دخلت الطبقة السياسية في اليابان سباقاً مع الزمن، لاختيار خلف لرئيس الوزراء المستقيل شينزو آبي، في الانتخابات المقرر إجراؤها يوم الرابع عشر من سبتمبر الجاري بأصوات يدلي بها فقط نواب البرلمان ومندوبون من الفروع المحلية للحزب الليبرالي الديمقراطي الحاكم، واستبعاد الأعضاء العاديين.
ومن المتوقع أن يضع الحزب خلال اليوم المذكور اللمسات الأخيرة على جدول وشكل الانتخابات، وسيصبح الفائز فيها رئيس وزراء اليابان الجديد لأن الحزب يسيطر على مجلس النواب، وسيبقى في هذا المنصب بقية فترة ولاية آبي التي تستمر حتى سبتمبر 2021، وعندها يجرى تصويت آخر لتحديد رئيس الحزب الحاكم للسنوات الثلاث التالية.
ويتنافس كثير من كبار الساسة اليابانيين على المنصب من أبرزهم، فوميو كيشيدا وهو وزير خارجية سابق، ومسؤول السياسات بالحزب الحاكم، ويوصف كثيرا بأنه الخلف المفضل لآبي، وينسب له الإسهام في التوصل لاتفاق بين اليابان وكوريا الجنوبية عام 2015 بهدف إنهاء أطول نزاع بين البلدين.
وتضم قائمة أسماء المتنافسين، شيغيرو إيشيبا البالغ من العمر ثلاثة وستين عاما وهو وزير دفاع ومصرفي سابق، ومن الصقور الساعين لتقوية دور قوات الدفاع الذاتي اليابانية في الدستور الذي يحرّم الحرب، وأظهر استطلاع للرأي العام الياباني قبل أيام أن إيشيبا هو الخيار الأكثر شعبية ليصبح الزعيم القادم لليابان، لكنه يتخلف عن المنافسين الآخرين في دعم المشرعين وستضعف فرص فوزه بشكل كبير من استبعاد الأعضاء العاديين من التصويت، وقد كان المنافس الوحيد لآبي أثناء انتخابات قيادة الحزب عام 2018، ومني حينها بهزيمة قاسية.
أما المرشح الثالث الذي يعتبره المراقبون الحصان الأسود لهذا السباق فهو كبير أمناء مجلس الوزراء الياباني يوشيهيدي سوغا البالغ من العمر واحدا وسبعين عاما والذي خدم آبي طوال سبع سنوات وثمانية أشهر كاملة، وقد حصل على دعم جماعي واسع من قبل أعضاء الكتل البرلمانية، وبرز على الساحة الوطنية كمستشار موثوق لرئيس الوزراء المستقيل، وكان من أكبر الداعمين لمساعيه لتولي رئاسة الحكومة بعد ولاية أولى كارثية. وبعد عودة آبي لرئاسة الحكومة عام 2012، عين سوغا أمينا لشؤون مجلس الوزراء، وهو منصب له دور قوي في تنسيق جهود الوزارات والحزب الحاكم.
وحتى وقت قريب جدًا، كان سوغا شخصية غامضة نسبياً وذات شعبية منخفضة للغاية، لكن الوضع تغير خلال أبريل من العام الماضي، عندما شاهده ملايين اليابانيين وهو يكشف عن اسم الحقبة الإمبراطورية الجديدة عبر مؤتمر صحفي بثه التلفزيون الياباني، الأمر الذي رفع أسهمه وجعل أعضاء مجلس النواب ينظرون إليه كمرشح صالح لخلافة آبي.
ويرى محللون يابانيون أن سوغا يتميز بتجنب الزلات أو إثارة الجدل خلال المؤتمرات الصحفية واللقاءات الإعلامية، وأن من نقاط القوة الأخرى التي يتمتع بها، قدرته على مواجهة البيروقراطية من خلال جمع المعلومات بشكل مستقل بدلاً من قبول استنتاجات الوزارات كما هي. ومن الواضح أن السنوات التي أمضاها بمنصب كبير أمناء مجلس الوزراء، تجعله السياسي الأكثر دراية وحنكة بأروقة السياسة اليابانية.
وقد ولد سوغا عام 1948 لعائلة زراعية بجنوب شرق محافظة /أكيتا/، وبصفته الابن الأكبر، كان من المتوقع أن يمارس مهنة العائلة، لكنه رحل إلى طوكيو، حيث شق طريقه عبر جامعة هوسي وتخرج فيها عام 1973، وبعد عامين تمكّن من تأمين مدخل إلى السياسة كسكرتير لعضو بالحزب الليبرالي الديمقراطي.
وبعد أكثر من عقد من الزمان كمساعد سياسي، تم انتخاب سوغا لعضوية مجلس مدينة /يوكوهاما/، حيث عمل لمدة تسع سنوات، وبدأ مسيرته نحو مجلس النواب عام 1996، عندما خاض بنجاح انتخابات المجلس من محافظة /كاناغاوا/، وعلى عكس العديد من سياسيي النخبة من الحزب الليبرالي الديمقراطي، مضى في طريقه وتغلب على العقبات واحدة تلو الأخرى للوصول إلى ما هو عليه اليوم.
ولأن آبي ترك منصبه يوم /الجمعة/ الماضي لأسباب صحية بصورة مفاجئة وغير متوقعة، فإن من المؤكد أن الحزب الحاكم يحتاج إلى شخص يواصل قيادة سفينته ويبدو سوغا بلا شك الخيار الأفضل للانتقال السلس والتقدم المستمر على طول المسار الحالي للسياسة اليابانية.
ويرى المحللون في طوكيو أن قرار استقالة آبي أخذ اليابان على حين غرة في لحظة يسودها قدر كبير من عدم اليقين نتيجة جائحة فيروس كورونا /كوفيد - 19/، وقد كانت اليابان بقيادته أكثر قدرة على متابعة وحماية مصالحها الوطنية حتى في مواجهة القوى العظمى مثل الصين والولايات المتحدة وروسيا، وشهدت بلاده سنوات من الاستقرار السياسي، وبات وجها مألوفا بين زعماء العالم وفي مقدمتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي التقاه آبي سبعا وعشرين مرة وجها لوجه، ولكن الأشهر الأخيرة كانت ثقيلة بالنسبة لآبي بعد تعرضه لانتقادات حادة بسبب تعامله مع تفشي فيروس كورونا.
ومن المرجح أن يستمر خليفة رئيس الوزراء المستقيل بنفس السياسات الخارجية، التي يقول مؤيدو آبي إنها عززت الاعتراف العالمي باليابان على الرغم من أن العديد من أهدافها لم تتحقق، وفقا لبعض النقاد.
ومن المتوقع أن يتمسك الزعيم القادم لليابان بخطوط السياسة الخارجية لآبي، مثل تعزيز التحالف بين طوكيو وواشنطن وتعزيز منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة لمواجهة صعود الصين.
وبالإضافة إلى السياسة الخارجية العامة، سيرث خليفة آبي نفس التحديات الدبلوماسية، بدءا من تمسك الصين المتزايد بالمياه الإقليمية والعلاقات المتوترة مع كوريا الجنوبية بشأن القضايا التاريخية إلى المفاوضات مع واشنطن حول كيفية تقاسم تكاليف استضافة القوات الأمريكية في اليابان، فضلا عن النزاع الإقليمي الطويل الأمد مع روسيا حول مجموعة من الجزر قبالة /هوكايدو/.
ويواجه خليفة رئيس الوزراء الياباني المستقيل، قائمة واسعة من القضايا الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية، وعلى الرغم من أن اليابان لم تشهد تفشي فيروس كورونا لكن الحالات آخذة في الارتفاع ويجب على الحكومة أن توازن بين احتوائها وإعادة تشغيل الاقتصاد، بعد أن أدى الوباء إلى أكبر ركود اقتصادي باليابان على الإطلاق.
وتكافح اليابان أيضا مع معدل المواليد المتدني، وتقلص القوى العاملة، وتدني الترتيب العالمي في تمكين المرأة، وفيما تخوض الصين مواجهة مع الولايات المتحدة بشأن الحقوق والتجارة والأمن، فقد تضغط واشنطن على طوكيو للانحياز إلى جانبها، ومع أن اليابان تشارك الولايات المتحدة مخاوفها بشأن الصين، فإن اقتصادات الدول الآسيوية المجاورة متشابكة بشدة، لذا يتعين على القائد الياباني التالي أن يوازن بين الأولويات الأمنية والاقتصادية.