أرجع خبراء واقتصاديون تردي الوضع القائم في الدول المنتجة للنفط، جراء استمرار انخفاض أسعار النفط العالمية، إلى إغفال الحكومات للتخطيط الإستراتيجي المبني على ضرورة التنويع الاقتصادي خلال فترات الرخاء، حيث كانت الإيرادات مرتفعة نظرا لأسعار النفط العالية، الأمر الذي دفع تلك الدول إلى التوسع بالإنفاق الجاري والرأسمالي دون الالتفات إلى تحفيز القطاع الخاص ليكون شريكا أساسيا في عملية التنمية الشاملة التي تعتمد على التنويع الاقتصادي.
وشارك متحدثون، خلال فعاليات أمس من مؤتمر إثراء المستقبل الاقتصادي للشرق الأوسط، في جلسة تحت عنوان تداعيات هبوط أسعار النفط على اقتصادات المنطقة، فرص النمو الممكن تحقيقها عبر التعامل بصورة إيجابية مع هذه الأزمة والتوجه نحو الاقتصاد المتنوع غير المعتمد على النفط والغاز وذلك بمشاركة عدد من الخبراء الاقتصاديين.
وقال الدكتور عامر رواس، من شركة تانسيا لتكنولوجيا النفط والغاز، خلال الجلسة إن على الدول النفطية التي تتبنى نهج الرعاية من خلال توفير الدعم لمواطنيها لكثير من السلع والخدمات، أن تتخلى عن هذا النهج ولكن بشكل تدريجي.
وشدد على أن انخفاض أسعار النفط وضع دول مجلس التعاون الخليجي أمام تحديات صعبة، في مقدمتها محاولة الانتقال من نموذج اقتصادي تقود فيه الدولة النمو من خلال إقامة المشاريع المختلفة، إلى اقتصاد يلعب فيه القطاع الخاص دورا رئيسيا في عملية التنويع الاقتصادي.
وبين رواس أن فتح المجال أمام القطاع الخاص كي يلعب دورا مهما في دعم الاقتصاد المحلي لأي دولة، يتطلب وضع جملة من الآليات والسياسات الهادفة لتشجيع القطاع الخاص على ممارسة الأعمال وضبط خطط متوسطة المدى، بالإضافة إلى تحقيق تقدم في مسيرة الاندماج بين دول التعاون وما يترتب عليه من بناء للمؤسسات الخليجية.
وعلق على الإشكاليات التي يواجهها نموذج التنمية الذي اعتمدته دول مجلس التعاون والقائم على موازنات توسعية وبإطارات مختلفة في حال تراجع أسعار النفط، بأن هذه الوضعية تجعلها تبحث باستمرار عن التوازن وهو ما يتسبب في غياب الرؤية، وعدم اعتماد سياسات نقدية ومالية تساهم في تقوية نسيج القطاع الخاص.
وعن أهمية التنويع الاقتصادي، قال رواس إن هذا الأمر كان محط نقاش كبير بمنطقة الشرق الأوسط، وأن كثيرا من الدول لاسيما المصدرة للنفط، قد مرت بعملية الانتقال من اقتصاد معتمد على الدولة إلى اقتصاد متنوع معتمد على القطاع الخاص، كما قامت هذه الدول باتخاذ تدابير مهمة في هذا الإطار.
وأكد ضرورة اتخاذ قرارات الإصلاح الاقتصادي حتى وإن كانت في مرحلة متأخرة، مشددا في الوقت ذاته على أهمية أن تكون هذه الإصلاحات معتمدة على مجموعة من القرارات والتدابير التي تخدم نجاح التنويع الاقتصادي بالدولة خاصة أن التدابير تختلف من دولة إلى أخرى.
وأشار إلى أهمية البحث في التداعيات المتوسطة وبعيدة المدى لهبوط أسعار النفط، موضحا أن الصين على سبيل المثال بدأت بتبني معايير جديدة في اقتصادها، وأصبحت أقل اعتمادا على الموارد التقليدية بالاستناد على التنافسية العالية في الأسواق العالمية.
الدكتور هاني فندقلي الرئيس التنفيذي لشركة بوتوماك كابيتال، أوضح أن تطور التكنولوجيا البديلة، يجعل من ارتفاع الأسعار إلى مستوياتها السابقة غير ممكن، لافتا إلى أنه على المدى البعيد سيقل معدل استهلاك النفط التقليدي بسبب استخدام بدائل الطاقة التي أصبحت تهدد المصادر الكربونية.
وأضاف الدكتور فندقلي، أن المصادر البديلة أصبحت أقل كلفة من الطاقة التقليدية نظرا للتطور الكبير في تكنولوجيا الطاقة البديلة نتيجة الأبحاث في هذا المجال، لافتا إلى أن هذا التطور المستمر في تكنولوجيا الطاقة البديلة سيجعل تقلبات الأسعار محدودة.
من جهته قال الدكتور رجاء المرزوقي، من المجلس النقدي الخليجي، إن الفكرة القائمة على قدرة الدول المصدرة للنفط على الاستغناء أو الاستقلال الكامل عن النفط غير واردة، خاصة أن نموذج النمو التقليدي يخضع لتحديات كثيرة، منها الاعتماد الكبير على النفط في تحقيق هذا النمو، وعدم تنامي دور وفعالية القطاع الخاص في الدول التي تسمى بالرعاية (التي تقدم لمواطنيها كل الخدمات)، ولكن يجب تغيير ذلك مع مرور الوقت.
ودعا إلى ضرورة الاستثمار في التعليم وتعزيز مهارات المواطنين وهو الأمر الذي يشكل بحد ذاته تحديات كبيرة، وإذا ما تم النجاح فيه وتحقيقه فإن ذلك سيخدم قضية التنوع الاقتصادي وعدم الاعتماد على النفط والغاز، ويعزز من صادرات هذه الدول للأسواق الخارجية وتحولها إلى اقتصادات كبيرة.
وبين الدكتور المرزوقي أنه لا يوجد إطار للسياسة النقدية في الدول الخليجية، مدللا على ذلك بأن كثيرا من موازنات الدول الخليجية تقوم في بنائها على توقعات أسعار النفط العالمية، دون الأخذ بعين الاعتبار التغيرات في أسعار النقد العالمية خصوصا أن معظم الدول الخليجية عملتها مربوطة بالدولار وليس بسلة عملات.
وأوضح أن أزمة النفط الحالية فرضت ضرورة اتخاذ عدد من التدابير الإصلاحية، ورغم أن أثرها قد يبدو قصير المدى إلا أن أثره الإيجابي سيحدث على المدى الطويل، وتضمنت هذه الإجراءات تقليص عدد الوظائف ومراجعة الامتيازات التي كان يحصل عليها الموظفون، ورغم القيام بهذه الإجراءات إلا أن منطقة الخليج ستظل جاذبة للخبرات والاستثمارات.
وقال المرزوقي إن عددا من دول المنطقة قد قطعت شوطا كبيرا في مجال التنويع الاقتصادي بعدم الاعتماد على النفط والغاز كمصدر للدخل، داعيا لضرورة الاهتمام بالتنويع الاقتصادي واتخاذ تدابير وإجراءات سريعة تخدم النهوض بهذا القطاع، لافتا إلى أهمية التنويع الاقتصادي إلا أنه يحتاج إلى عمليات التمويل وهذه معضلة أخرى خاصة في ظل ضعف السيولة مع انخفاض أسعار النفط، وكان من الضروري اتخاذ هذه الإجراءات في ظل أوقات تحقيق الربح، التي لم تتم الاستفادة منها واستغلالها بصورة أفضل وبالتالي باتت القرارات الحالية أكثر صعوبة.
ولفت إلى أن اتخاذ تدابير إضافية كفرض الضرائب قد يؤثر على استقطاب الاستثمارات الأجنبية، لاسيما وأنه في ظل ظروف معينة يجب عدم اللجوء إلى رفع الضرائب أو تقليص الدعم على السلع الأساسية بصورة كبيرة، بل يجب الوضع في الاعتبار الظروف الحالية للسوق ودراسة إمكانية التعامل معها بتوفير آليات جاذبة للاستثمارات الأجنبية.
وقال الدكتور بيونغ ال شوي، من جامعة إهو للمرأة: إن التوقعات الحالية تشير إلى أن أزمة تراجع أسعار النفط ستستمر وقتا طويلا، لذا على الدول الخليجية المنتجة للنفط أن تعتمد التنويع الاقتصادي في سياساتها من خلال العمل على تطوير الصناعة وتحفيز القطاع الخاص للمشاركة في عملية التنويع، داعيا تلك الدول إلى تخفيض الاعتماد على الإيرادات التقليدية المتأتي من الإيرادات النفطية.