الاقتصاد الإيراني...محور صراع أوروبي - أمريكي 3 - 4

أصبحت الصفقات الإيرانية محور نقاش كبير بين الأطراف الأوروبية والأمريكية، فالأوروبيون استثمروا بشكل هام خلال السنوات الأخيرة في الاقتصاد الإيراني خاصة بعد النجاح الدبلوماسي للأوروبيين في التوقيع على الاتفاق النووي، لكن يبدو بعد قرار ترامب الخروج من الاتفاق النووي وعلى الرغم من المقاومة التي أظهرها الأوروبيون في بداية الأمر إلا أن رفضهم يبدو هشا. فالموقف الأوروبي غير مضمون على المستوى المتوسط والبعيد لأنه قابل للاختراق الأمريكي، فالدول الأوروبية الثلاث القوية لها ارتباطات مع الولايات المتحدة الأمريكية ولها هوامش للمناورة جد محدودة، فبريطانيا لها ارتباطات تاريخية، فكرية وثقافية مع الولايات المتحدة الأمريكية أكثر منها مع الأوروبيين، ألمانيا مرتبطة من الناحية الأمنية والعسكرية والاقتصادية مع واشطن بينما فرنسا لا تريد الدخول في صراع مع الولايات المتحدة الأمريكية وتبحث فقط عن دور الوسيط الذي يمكن أن يلعب دورا دبلوماسيا مكملا وليس رديفا عن الدور الأمريكي. وإذا تعمقنا في الموقف الأوروبي من إيران نجده يريد استعمال الورقة الاقتصادية مع إيران كورقة تفاوضية مع الولايات المتحدة الأمريكية في ظل الحرب التجارية بين البلدين بعد فرض واشطن لرسوم وضرائب على المنتجات الأوروبية والصينية القادمة لأمريكيا. وعلى الجانب الآخر، يبدو أن الإيرانيين يدركون أن العلاقات الاقتصادية بينهم وبين الأوروبيين ليست بالمستوى الكافي، فالتبادل التجاري بين الطرفين لا يتجاوز 20 مليار يورو سنويا وأن التعويل سيكون على الصين وروسيا أول شركين تجاريين لإيران، فإيران تصدر %70 من منتجاتها البترولية إلى الصين بينما لا تتجاوز صادراتها من ذات المنتجات إلى الدول الأوروبية جمعاء 20%، كما أبدت الصين استعداداتها لتعويض الاستثمارات الأوروبية وضخ أموال في البنوك الإيرانية لمواجهة العقوبات الجديدة التي قد تتعرض لها خلال الفترة القادمة، فالولايات المتحدة الأمريكية توعدت الشركات الأوروبية العاملة في إيران بعقوبات صارمة ابتداء من نوفمبر القادم، وقد عززت روسيا علاقتها الاقتصادية مع إيران بدعوة الكرملين لضم إيران إلى المجموعة الأورو- أسيوية للتعاون الاقتصادي. وختاما، يبقى الرهان الكبير على مدى قدرة الاقتصاد الإيراني على مواجهة المزيد من العزلة والعقوبات في ظل تضخم مزمن وارتفاع للاسعار والبطالة ومدى قدرة التماسك الاجتماعي في إيران، فالمظاهرات التي شهدتها إيران مؤخرا كانت بمثابة نذير ومؤشر للحالة الاجتماعية الصعبة تحمل في طياتها تذمرا شعبيا من سياسة الانفاق الإيرانية الموجهة للخارج أكثر منها للداخل، هذه السياسة الخارجية التوسعية لإيران خاصة في بؤر التوتر العربي كاليمن، لبنان، العراق وسوريا ستكون محل نقاش كبير بين إيران والغرب فالرفض الأمريكي للاتفاق النووي لم يكن فقط لأسباب تقنية متعلقة بنسب تخصيب اليورانيوم وصناعة الصواريخ الباليستية ولكن أيضا للنفوذ الإيراني المتزايد في المنطقة، وبذلك يبقى التساؤل مطروحا على مدى قدرة الاقتصاد الإيراني على الصمود وقدرة الدبلوماسية الإيرانية على صناعة تحالفات استراتيجية خاصة أنه لطالما كان لإيران القدرة على التوفيق بين الخطاب الراديكالي والسلوك البراغماتي.