

أكد الدكتور رضوان بن حمادو، مدير الأبحاث وتطوير السياسات في «إرثنا: مركز لمستقبل مستدام»، عضو مؤسسة قطر أن الدراسات التي أُجريت على مدار العقد الماضي كشفت أن منصات النفط القديمة باتت تحتضن تنوعًا أكبر من الكائنات البحرية مقارنةً بالعديد من المواقع الطبيعية.
وقال الدكتور بن حمادو، الذي يقود مشروع «المنصات إلى الشعاب»، وهي مبادرة تهدف إلى تحويل المنصّات البحرية المتقادمة إلى مواطن دائمة للكائنات البحرية: «قد يبدو الأمر غريبًا، لكن أكثر المناطق غنى بالتنوّع البيولوجي البحري في الخليج العربي توجد حول منصّات النفط، حيث لن تجد عددًا أكبر من أنواع الأسماك – إضافةً إلى كائنات أخرى مثل الإسفنج والمرجان الناعم، أكثر مما قد نجده في أي مكان آخر في المنطقة».
ويُبرز المشروع كيف يمكن إعادة توظيف البنية التحتية الصناعية بطريقة مبتكرة تخدم البيئة والاقتصاد معًا، من خلال توفير مواطن طبيعية جديدة للكائنات البحرية، وتعزيز استدامة النظم البيئية الساحلية، وفتح آفاق لمشاريع الاقتصاد الأزرق التي تقوم على البحث العلمي والحفاظ على الطبيعة، بما ينسجم مع رؤية مؤسسة قطر في تحقيق تنمية مستدامة قائمة على المعرفة.
ويوجد أكثر من 800 منصة نفط بحرية حاليًا في الخليج العربي، ما يبرز حجم الفرص المتاحة لإعادة توظيف هذه المنشآت كموائل للحياة البحرية.
يمكن لعمليات إيقاف التشغيل، مثل قطع المنصة بأدوات ثقيلة ورفعها من البحر، وفي بعض السياقات، استخدام المتفجرات والآلات الضخمة، ما قد يسبب اضطرابًا لقاع البحر والمواطن المحيطة به، مما يُحرّك الرواسب ويجعل الماء عكرًا، وقد يُطلق مواد ملوثة كانت محتجزة ويزيد الانبعاثات.
وأوضح الدكتور بن حمادو: «قد تتطلب الإزالة الكاملة للمنصات عمليات قطع ورفع شاقة، وفي بعض الحالات، استخدام المتفجرات، مما قد يُلحق ضررًا بقاع البحر ويزيد من انبعاثات الغازات الضارّة، وبهذا نفقد الموطن البحري الذي تكوّن، ونزيد من التلوث.
وتابع: «للعثور على حل، يقوم فريقنا بدراسة كل حالة على حدة، والنظر إلى الفوائد التي تقدمها للنظم البيئية، مثل كونها مكانا لتكاثر الأسماك، وجذب السياحة البيئية، وتخزين الكربون، كما نقوم بالموازنة بين المخاطر والفوائد في جميع الخيارات. وقد وجدنا، في كل الحالات تقريبًا، أن فوائد الاحتفاظ بالمنصة، بأكملها أو جزء منها، تفوق المخاطر بشكل كبير، شريطة اتباع قواعد السلامة البيئية».
وأضاف: «في قطر، كانت ممارسات إخراج المنصات من الخدمة تميل تقليديًا إلى الإزالة الكاملة؛ ويستكشف المشروع ما هي الشروط السياسية والتقنية اللازمة لاعتماد خيارات بديلة قائمة على العلم، بحيث تتيح حلولًا أكثر توازنًا بين البيئة والصناعة».
وعلى الصعيد العالمي، تشمل ممارسات «المنصات إلى الشعاب» نماذج متعددة، من بينها إزالة الجزء العلوي من المنصّة مع الإبقاء على الجزء السفلي كموائل، أو إمالة هيكل المنصة ووضعه أفقيًا على قاع البحر، أو نقله وإعادة تثبيته في موقع آخر ليعمل كشعاب صناعية.
وقد انطلقت الأبحاث المرتبطة بالمشروع في قطر عام 2015، بدعم من شركاء وطنيين ودوليين، من بينهم جامعة قطر، جامعة ولاية كاليفورنيا في لونغ بيتش، وجامعة كوبنهاغن، وبتمويل من جهات وطنية وشراكات صناعية، بما في ذلك توتال إنرجيز.
ومع تركيز قطر على مستقبل بنيتها التحتية البحرية، يقدّم مشروع «المنصات إلى الشعاب» نموذجًا عمليًا يوازن بين متطلبات الصناعة وحماية البيئة ودعم الاقتصاد. فمن خلال تحويل المنصّات المتقادمة إلى موائل بحرية دائمة، لا يساهم المشروع في الحفاظ على التنوع البيولوجي فحسب، بل يفتح آفاقًا جديدة لصيد الأسماك، والسياحة البيئية، وتخزين الكربون.
وبصفتها شريكًا صناعيًا، دعمت شركة توتال إنرجيز للاستكشاف والإنتاج في قطر المشروع من خلال إتاحة الوصول الميداني، وتقديم الدعم الفني، والبحثي، والمادي. ويقول يوسف الجابر، نائب الرئيس لشؤون الابتكار وإدارة التغيير في توتال إنرجيز للاستكشاف والإنتاج في قطر: «يُبيّن هذا المشروع كيف يمكن للبحث التطبيقي والابتكار أن يدعما الأهداف البيئية في بيئات بحرية معقدة. ونحن في «توتال إنرجيز» نفتخر بتسخير قدراتنا البحثية لدعم هذا المشروع التجريبي، بالتعاون مع مؤسسة قطر وجامعة قطر، بهدف استكشاف مسارات جديدة لتعزيز التنوع البيولوجي البحري».
وقال الدكتور بن حمادو «إذا اتخذنا الخيارات الصحيحة الآن، يمكن لمنصّات النفط اليوم أن تتحول إلى شعاب المستقبل».