

صدر حديثا رواية سفرطاس للكاتب والأديب القطري الدكتور خالد الجابر عن دار النخبة للطباعة والنشر والتوزيع. وتتعمق الرواية التي تتألف من 211 صفحة، في أعماق النفس البشرية عبر طرح أسئلة وجودية حول الهوية، والصراع الداخلي، وقدرة الإنسان على التكيف مع المتغيرات التي تطرأ على المجتمعات، وتطرح أسئلة وجودية حول الهُوية، والصراع الداخلي، والقدرة على التكيُّف مع المتغيرات التي تطرأ على المجتمعات.
تمتد أحداث الرواية عبر مسار زمني طويل، يشمل تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية كبرى شهدتها منطقة الخليج والعالم العربي، على مدى قرن من الزمن.
في «سَفَرطاس» يأخذ الدكتور خالد الجابر القارئ في رحلة عميقة لاستكشاف العلاقة المُعقدة بين الذات والآخر، وبين الهُوية الفردية والتراث والحداثة، كذلك نجد أن هذه الرواية ليست مجرد سرد لقصة حياة شخصية؛ بل هي دراسة عميقة لجدلية الهُوية وما ينتج عن الصراعات النفسية والمجتمعية التي تواجه الفرد في العالم الحديث. يتناول الجابر كيف أثَّرت التحولات البنيوية في التاريخ والجغرافيا على سُلوك الإنسان، ويُقدم رؤية نقدية لكيفية تداخل الهُوية الفردية والجماعية مع الواقع الاجتماعي والسياسي المحيط.
تُلامس الرواية تحولات كبرى شهدتها منطقة الخليج والعالم العربي على مدى قرن من الزمن، في ظل هذه التحولات، تُبرز الرواية العلاقة المعقدة بين الفرد والمجتمع، وبين الهُوية والتراث، وبين الحداثة والتقاليد.
«السَّفَرْطاس» كرمز
واختيار كلمة «سَفَرطاس» كعنوان يحمل دلالة مهمة، فـ «سَفرطاس» تتكون من قسمين: «سفر» الذي يشير إلى الرحلة والترحال، و»طاس» التي يعني الوعاء، وهكذا تُصبح الحياة ذاتها رحلة التجارب الإنسانية المستمرة.
تستعرض الرواية التحولات الكبيرة التي شهدتها منطقة الخليج والعالم العربي، بدءًا من قبل اكتشاف النفط إلى حقبة ما بعد الاستعمار، وصولًا إلى الزمن الراهن، مرورًا بالنزاعات والحروب التي مزَّقت المنطقة، يعكس الدكتور خالد الجابر هذه التحولات عبر شخصية جابر، الذي يمثل جِيلًا عاش تلك التغيرات وعانى من تأثيراتها العميقة، ومِن خلال استرجاع جابر لذكرياته وتجارب حياته، ترسم الرواية صورة دقيقة لكيفية تأثير التغيرات الاقتصادية والسياسية على البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع.
التحولات الاجتماعية
تدور الرواية بشكل أساسي حول حياة بطل الرواية، الذي يمثل جيلًا عاش تحولات كبيرة في منطقة الخليج والعالم العربي، عاش طفولته في قرية بسيطة على شاطئ الخليج، يروي ذكريات تلك الأيام التي كانوا يعتمدون على القليل من الموارد؛ مثل صيد الأسماك والعمل اليدوي، ومع وفاة أبيه الذي كان يغوص في أعماق البحر بحثًا عن اللؤلؤ، تتبدَّل حياة الأسرة بشكل جذري، وتبدأ معاناة جابر وأسرته في مواجهة الفقر.
ثم أخذت لكن حياة جابر منعطفًا كبيرًا، عندما بدأ العمل في شركة نفط أجنبية، فقد مثَّلَ العمل في الشركة بالنسبة له الأملَ في الهروب مِن الفقر، لكنَّه سرعان ما أدرك أنه جزء من نظام استغلالي، يستفيد من ثروات بلاده، دون أن يحقق العدالة الاجتماعية. فرأى الأجانب الذين يعملون في الشركة يعيشون حياة مرفهة في مجتمعات مُغلقة، بينما يعيش العمال العرب في فقر وتهميش؛ هذا التناقض بين ما كان يأمله وبين ما وجده في الواقع قد خلق صراعًا داخليًّا عانى منه طوال حياته.
البناء الفني
يُعَدُّ البناء الفني لرواية «سَفَرطاس» من أبرز العناصر التي تُميزها، حيث نجح الدكتور خالد الجابر في تقديم حبكة محكمة تدمج بين الزمان والمكان بمهارة فائقة، مما يجعل كلَّ عنصر جزءًا لا يتجزأ من نسيج السرد، كذلك تعتمد الرواية بشكل مُتقن على عناصر التشويق والتوتر، فتنجح في إبقاء القارئ مشدودًا إلى الأحداث ومُهتمًا بتتبع تطورات القصة والشخصيات. وفي ختام الرواية يقدم الكاتب تحولًا مدهشًا يُعيد ترتيب كلِّ ما ظن القارئ أنه يَعرفه عن الشخصيات والأحداث. أتقن الجابر استخدام عنصر «الالتباس المقصود» كأداة روائية قوية، هذا الالتباس لا يكشف عن نفسه إلا في اللحظات الأخيرة، ليأخذ القارئ في رحلة جديدة من إعادة التفكير والتفسير للأحداث السابقة.