تحل اليوم الأربعاء ذكرى استشهاد أيقونة الانتفاضة الفلسطينية الطفل محمد الدرة وسط توقعات بانتفاضة ثالثة بعد الانتهاكات والاقتحامات المتكررة لباحات المسجد الأقصى الشريف، والاعتداء على المرابطين فيه، وانتهاك مقدساته وآثاره.
يوم عصيب بلا شك لن تنساه ذاكرة العالم .. فالرصاص يتطاير دون رحمة.. والطفل يختبئ خلف والده.. والأب يعجز عن فعل أي شيء .. فلذة كبده يموت بين يديه، يوم سيظل متجسدا في ذاكرة الوطن العربي كله.
كان الطفل محمد صاحب الـ 12 عاما، يسير بجوار والده بشارع صلاح الدين بقطاع غزة، ويختبئان خلف برميل إسمنتي بعد وقوعهما وسط تبادل إطلاق النار بين الجنود الإسرائيليين وقوات الأمن الفلسطينية، تلك اللحظات التي رصدتها كاميرا قناة فرانس2.
حاول الأب "جمال" أن يحمي ابنه بكل قواه .. اخترق الرصاص يد الوالد اليمنى .. ثم أصيب محمد بأول طلقة في رجله اليمنى وصرخ: أصابوني الكلاب .. الأب فوجئ بعد ذلك بخروج الرصاص من ظهر نجله.. الطفل يردد: اطمئن يا أبي أنا بخير لا تخف منهم .. رقد الصبي على ساق أبيه .. ومات محمد في مشهد أبكى البشرية.
وحاول الاحتلال التبرؤ من قتل الصبي لكن الصور خير دليل على كذب روايتها.
بعد استشهاده لم ينس "جمال الدرة" طفله يوماً، فبعد أكثر من عامين من دفن الشهيد، رزقه الله بهدية، ولدا آخر عوضا عن فقيده، أطلق عليه "محمد" تيمناً بأخيه، فكان مولده رحمة من الخالق، وكمدا للعائلة بأكملها.
جاء الطفل "محمد" إلى الدنيا، في آخر جمعة من العشر الأواخر من شهر رمضان، التي صادفت "يوم القدس العالمي" لذلك العام، ليأخذ بجانب اسم أخيه، ملامحه أيضاً، تلك التي لم ينسها النظام الإسرائيلي يوما، فموت "الدرة" كان ندبة في وجه إسرائيل ودليلا على وحشيتهم.
عائلة "الدرة" كباقي عائلات فلسطين، بسطاء يعيشون في مخيم البريج للاجئين بقطاع غزة، فالوالد "جمال" كان نجارا، عاش مع زوجته ربة المنزل التي عانت كثيرا في تربية أطفالها العشرة في ظل ظروف البلد العصيبة، لكن بإيمانها وإصرارها، ربت أولادها على رفض الظلم والتصدي له.
مات محمد .. لكن القضية لم تمت يوماً .. مات قبل 15 عاماً وإلى الآن لم يُحاكم قاتلوه .. وما زال أطفال فلسطين يموتون كل يوم دون حسيب أو رقيب بدم بارد من العدو الصهيوني .. وما زال الأقصى يئن وينزف باكياً على نخوة الزمان وأهله .. فهل من مُجيب؟!