

نظم المركز القطري للصحافة جلسة جديدة من جلسات «مجلس الصحافة»، بعنوان: «صحافة العراق.. النشأة والتطوّر»، تناول فيها الكاتب د. محمد مظفر الأدهمي، مسيرة الصحافة العراقية منذ نشأتها في العهد العثماني مروراً بالاحتلال البريطاني، ثم العهد الملكي الذي شهد أولى مظاهر تطور الصحافة الورقية، ثم العهد الجمهوري الذي شهدت فيه الصحافة الورقية تطورا جديدا من حيث الشكل والمضمون، وشهدت الجلسة فتح باب النقاش مع الحضور الذين أبدوا وجهات النظر المختلفة، وطرحوا العديد من الملاحظات التي أثرت الجلسة بمزيد من المعلومات حول الجذور التاريخيَّة للصحافة العراقية. وأكد الأدهمي أن الصحافة العراقية نشأت في عهد الوالي العثماني، مدحت باشا، عندما جلب مطبعة آلية من باريس سماها مطبعة الولاية، وأمر بإصدار جريدة «زوراء» الرسمية في بغداد في 15 يونيو عام 1869، وكانت لسان حال الولاية لنشر الأخبار والأوامر والبلاغات.
وأوضح الدكتور الأدهمي أن «زوراء» كانت تحرر باللغتين العربية والتركية، وتنشر في أعدادها المختلفة أخبار شؤون الولاية، والأنباء الرسمية، والإنجازات، والمعاهدات ورسائل من مختلف أنحاء العراق، وصدرت في ثماني صفحات بالحجم المتوسط مقاس (43×27)، وهي جريدة أسبوعية كانت تصدر كل ثلاثاء، وبعد عام 1870 صدرت مرتين في الأسبوع (السبت والثلاثاء) ابتداءً بالعدد (126)، وفي عام 1911 عادت للصدور مرة واحدة في الأسبوع.
واستمرت «زوراء» في الصدور بعد الوالي العثماني مدحت باشا سبعة وأربعين عاماً، حتى الاحتلال البريطاني عام 1917.
وأوضح د. الأدهمي أن فترة الاحتلال البريطاني للعراق طوت مرحلة التأسيس الأولى للصحافة العراقية، التي أنشأتها السلطات العثمانية، وحكمتها بقوانينها وأنظمتها ووسمتها بسماتها، وأنشأت بدلها صحافة خضعت لتوجيه السياسة البريطانية ومصالحها في المنطقة، حيث توقفت جريدة الزوراء الشهيرة، وحين احتل البريطانيون الموصل، أصدروا جريدة (موصل) في 15 نوفمبر 1918. وكتبت في عددها الأول أنها جريدة رسمية تصدر في الأسبوع مرتين الجمعة والإثنين.
ثم كان من أوائل الأعمال التي قام بها البريطانيون عند احتلالهم البصرة، أن صادروا مطبعة الولاية الرسمية لولاية البصرة وابتياع المطابع الأهلية لكي ينفردوا باستخدام الصحافة وهي الوسيلة الاتصالية الأساسية في العراق في تلك الفترة. وكان هدفهم كسب الرأي العام العراقي بالاتجاه الذي ينسجم مع احتلالهم فاصدروا نشرة يومية باللغتين العربية والإنجليزية تضمنت أخبار المعارك في جبهات القتال من وجهة النظر البريطانية وتحولت هذه النشرة فيما بعد إلى جريدة أطلق عليها اسم (الأوقات البصرية) وهي أول جريدة أصدرتها قوات الاحتلال البريطاني ولم تقتصر هيمنة البريطانيين على الطباعة والصحافة فقط بل قاموا بتأسيس دور للسينما وتزويدها بالأشرطة السينمائية والإخبارية التي تبث الدعاية لبريطانيا.
واستعرض د. الأدهمي جانبا من مسيرة الصحافة العراقية بعد تأسيس الحكم الملكي، حيث قامت عدة أحزاب وبدأت تصدر صحفاً تعبر عن آرائها ومواقفها، ففي 3 سبتمبر 1922، تأسس (الحزب الحر العراقي) وأصدر جريدة اسمها (العاصمة) في 5 نوفمبر 1922. وقد أدى توقف الحزب عن العمل إلى توقف الجريدة في 24 أغسطس 1923.
وفي 25 يوليو 1925 تأسس حزب الشعب في بغداد وأصدر جريدة (الشعب)، وهذه أول جريدة تنشر ترويستها على أنها (لسان حال حزب الشعب العراقي). وتعطلت هذه الجريدة تلقائياً على إثر اشتراك الحزب في وزارة جعفر العسكري وتعيين غالبية محرريها موظفين في الدولة، وتوقفت كلياً عن الصدور في 6 يوليو1927.
وكانت جريدة (الاستقلال) تعبر عن حال الحزب الوطني الذي تأسس عام 1922، ثم أصبحت جريدة (صدى الاستقلال) هي التي تنطق باسم الحزب وصدرت في 15 سبتمبر 1930. وعموماً فإن الأحزاب التي ظهرت في تلك الفترة ولاحقاً، كان لها صحفها الخاصة بها، ويمكن القول إن بعضها فتح آفاقاً في تطور الصحافة العراقية من حيث المادة الصحفية وجرأة تناول القضايا التي تهم الجمهور.
وقال د. الأدهمي: عندما قامت ثورة 14 يوليو 1958 وأعلن النظام الجمهوري وأصبح عبدالكريم قاسم زعيما للعراق، أغلقت جميع الصحف التي كانت تؤيد النظام الملكي، باستثناء إعادة منح الإجازة لأربعة منها. وقد أبدلت هذه الصحف الأربعة سياساتها وخرجت في اليوم الأول من الثورة بأعمدة كبيرة تؤيد الثورة وتهاجم النظام السابق. أما الصحف التي تم إغلاقها بعد عام 1954 فقد سمح لها بالصدور من جديد. كما ظهرت العديد من الصحف الجديدة ذات الاتجاهات السياسية المختلفة، من الشيوعيين والبعثيين والناصريين والوطنيين التقدميين والإخوان المسلمين والصحف غير السياسية.
وأضاف: خلال أسبوع وصل عدد الصحف والمجلات في بغداد إلى 45 صحيفة ومجلة، كما صدرت في المدن العراقية الرئيسة 20 صحيفة ومجلة. ونشرت الصحف أخبار إطلاق سراح الصحفيين وقادة الأحزاب المعتقلين، في الوقت الذي اعتقل الوزراء والسياسيون والصحفيون المحسوبون على النظام الملكي السابق. وفي عام 1959 عقد أول اجتماع لاتحاد الصحفيين العراقيين برعاية عبدالكريم قاسم الذي قدم منحة مالية للاتحاد الجديد، وراتبا تقاعديا للصحفيين الذين لهم خدمة أكثر من 15 سنة، واستلم كل صحفي من الحكومة قطعة أرض سكنية مجانا في مجمع دعي (حي الصحفيين).
وتابع: بعد استلام حزب البعث للحکم عام 1968 وحتى الاحتلال الأمريکي عام 2003، ومرورًا بالحرب العراقية الإيرانية، وحرب الخليج الثانية (1980- 1991) فإن الصحف بصفة عامة کانت مملوکة للحکومة تعبر عن سياساتها. وبعد عام 2003 ونتيجة الاحتلال الأمريکي للعراق ظهرت مئات الصحف الخاصة والحزبية، بالإضافة إلى الصحف القومية، التي کانت لها توجهات اجتماعية وطائفية، وقد بدأت هذه الصحف بالانحسار والتوقف لأسباب مالية وسياسية إلى أن تقلصت وأصبحت عددا محدودا من الصحف.