

حذر استشاريون وخبراء مختصون، من خطورة سمنة الأطفال على صحتهم، في ظل ارتفاع معدلات السمنة في المجتمع القطري، ولا سيما بين طلبة المدارس من القطريين، التي بلغت 45.9%. وأكدوا في تصريحات لـ «العرب» أن زيادة الوزن في مرحلة الطفولة تمثل بداية طريق المشكلات الصحية، مثل السكري وأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم، فضلًا عن آثارها النفسية والاجتماعية، وهو ما يستدعي وقفة جادة لمعالجة الأسباب وإرادة قوية من الأسر والجهات الصحية والتربوية والاجتماعية، لما تمثله هذه الظاهرة من تهديد مباشر لصحة الأجيال القادمة.
وأرجع الخبراء انتشار السمنة في مجتمعنا إلى جملة عوامل متداخلة، من أبرزها أنماط الحياة الحديثة، وقلة النشاط البدني، والاعتماد المتزايد على الوجبات السريعة والمشروبات عالية السكر، إلى جانب التغيرات في العادات الغذائية داخل الأسرة وضعف الوعي الغذائي لدى بعض أولياء الأمور.ونوهوا بضرورة رفع وعي أولياء الأمور بأهمية التغذية السليمة، وتشجيعهم على اتباع أنظمة غذائية صحية ومتوازنة لأبنائهم منذ الصغر.
وتشير الاحصائيات الى تنامي معدلات السمنة خاصة بين الأطفال والمراهقين خلال السنوات الأخيرة، وقد تجاوزت هذه المعدلات الحدود الطبيعية، مما جعل هذه القضية تتصدر اهتمامات الجهات المختصة بما فيها مجلس الشورى باعتبارها إحدى القضايا التي تمس صحة المجتمع وهو ما يعكس إدراكًا رسميًا لضرورة معالجتها بوصفها أولوية وطنية «تتطلب تكاملًا بين القطاعات الصحية والتعليمية والإعلامية والتشريعية».

د. رضا الشيخ: «الحماية» مسؤولية أسرية
أرجع الدكتور رضا الشيخ، رئيس قسم التغذية العلاجية بمستشفى العمادي، انتشار السمنة في المجتمع القطري إلى قلة ممارسة النشاط الرياضي، إضافة إلى الممارسات الغذائية غير الصحية، مثل تناول الوجبات السريعة والحلويات، فضلا عن سهولة طلب الوجبات السريعة الأمر الذي يزيد من تناولها.
وقال د. الشيخ: من أسباب انتشار السمنة أيضاً تناول الطعام في ساعات متأخرة من الليل، والوجبات السريعة والحلويات في أي وقت، وغيرها من الأسباب التي تتسبب في انتشار السمنة.
وأضاف: تناول الوجبات السريعة أو الحلويات يمكن أن يصل لمرحلة أشبه بالإدمان، فالشخص يكون غير مدرك كمية السعرات الحرارية في الوجبات التي يتناولها، فعلى سبيل المثال القطعة الواحدة من «الدونتس» يمكن أن يحوي أكثر من 400 سعر حراري، فيمكن أن يتناول الشخص منها قطعتين أو ثلاثا دون إدراك خطورة ذلك، فلا ينتبه للحقائق الغذائية المرتبطة بالطعام، فيتناول وجبة واحدة بها 2000 أو 2500 سعر حراري فقط في المساء، فضلاً عما تناوله على مدار اليوم.
وتابع: يمكن أن تصل الحلويات بالفعل إلى درجة الإدمان، والأمر كذلك بالنسبة للوجبات السريعة والمياه الغازية. وأوضح أنه في فصل الصيف يقل النشاط البدني خارج المنازل، ولكن البعض لديهم الأجهزة الرياضية بالمنازل، فيمكن أن يمارسوا الرياضة، حتى لو على أوقات متقطعة خلال اليوم، فيمكن أن تكون 15 دقيقة على فترات متعددة باليوم، أو أن ينضم الشخص للنوادي الرياضية أو ممارسة الرياضة في الأماكن المغلقة والمكيفة مثل المسابح، منوهاً إلى أن الأمر أصبح أيسر. وقال د. الشيخ: بالطبع ننصح بالتقليل من الخروج في درجات الحرارة المرتفعة، ولكن يمكن ممارسة الرياضة بعدة سبل دون الخروج في الأجواء ذات الحرارة المرتفعة.
وعن دور الأسرة في التقليل من إصابات الأطفال بالسمنة، أضاف: على الأسرة أن تقلل من تناول الحلويات، وأن تقلل من توافرها في المنزل، والتقليل من عمليات طلب الوجبات السريعة، وهذا لا يعني عدم طلب الوجبات من الخارج أو الخروج للمطاعم، ولكن تناول الوجبات الصحية التي تسهم في المحافظة على صحتهم.
وأردف: على الاسرة أيضاً أن تشجع الأطفال على تناول الفواكه بدلاً من الحلويات، وأن تكافئ الطفل على تناول الطعام الصحي، ويجب أن يرى الطفل أفراد أسرته وهم يمارسون الرياضة، ليكونوا قدوة بالنسبة له، فإن كان الأهل غير ملتزمين بنظام غذائي صحي، فمن الطبيعي أن يخرج الطفل معتاداً على نفس السلوكيات.
ونوه إلى أن المدرسة يجب أن يكون لها دور في مواجهة السمنة، فيمكن أن يتم تخصيص حصص أو برامج للأطفال الذين يعانون من السمنة، حتى وإن كان لهم حصة إضافية في المدرسة، نظراً لضرورة ذلك لصحتهم.

د. سارة راشد: افتقار الدعم الأسري أكبر معوقات العلاج
قالت الباحثة العلمية الدكتورة سارة راشد موسى، استشارية طب المجتمع ومسؤولة مركز المعافاة في مركز روضة الخيل الصحي بمؤسسة الرعاية الصحية الأولية، إن السمنة لدى الأطفال أصبحت قضية صحية عامة بارزة، فقد صنّفتها منظمة الصحة العالمية وباءً عالميًا، منوهة بارتفاع نسبة انتشار زيادة الوزن والسمنة بين الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 5 إلى 19 عامًا على المستوى العالمي من 8 % في عام 1990 إلى 20 % في عام 2022.
وأشارت إلى أن العوامل التي تؤدي إلى السمنة متعددة، وتشمل الاستعداد الوراثي، وأنماط السلوك مثل نمط الحياة الخامل، والعوامل البيئية مثل توافر الأماكن الترفيهية وخيارات الغذاء المختلفة.
وأوضحت أن السمنة لدى الأطفال تزيد من خطر الإصابة بالأمراض المزمنة مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري وأمراض القلب والأوعية الدموية، بالإضافة إلى التحديات التي تهدد صحتهم النفسية مثل الاكتئاب والقلق والعزلة الاجتماعية.
وحسب الدراسة التي شاركت بها الدكتورة سارة موسى، ونشرت مراجعة عنه في مجلة «Diabetes, Metabolic Syndrome and Obesity»، فإن الآباء الذين لديهم أطفال يعانون من زيادة الوزن أو السمنة، أقروا بأن مشاركتهم في تعزيز العادات الغذائية الصحية، والتحكم في حجم الحصص الغذائية، وتنظيم وقت الشاشة، والتشجيع على ممارسة الأنشطة البدنية، والمشاركة في الفعاليات المدرسية، والتعاون مع المتخصصين في الرعاية الصحية، بما في ذلك خبراء التغذية، يُعد من العوامل المهمة في إدارة السمنة. وتضمنت العوائق المحددة عوامل تتعلق بالطفل نفسه مثل العناد وتفضيل الوجبات السريعة والانتقائية في الأكل وانعدام الحافز الداخلي والكسل وتأثير أقرانه عليه. أما العوامل المؤثرة المتعلقة بالأسرة، فشملت عدم القدرة على تحديد حالة السمنة لدى الطفل أو وضع خطة لإدارتها بسبب إنكار الوالدين أو خوفهم من التشخيص، وكذلك غياب دور الوالدين كقدوة يُحتذى بها وافتقارهم إلى المهارات اللازمة لإدارة السلوكيات الحياتية بفعالية، وضيق الوقت، وندرة الموارد، إلى جانب مستوى اهتمام الوالدين أو مدى إشرافهما على أطفالهما.
وسلطت الدكتورة سارة راشد في بحثها الضوء على العوامل الرئيسية التي تدفع الوالدين لإلحاق أطفالهما في برامج إدارة الوزن، ووجدت أن الآباء يميلون إلى المشاركة في هذه البرامج عندما يدركون فوائدها، مثل وجود طاقم مؤهل، وبيئة غير انتقادية، ونهج مريح ومرن، وإستراتيجيات عملية موجهة للأسرة، وأهداف واضحة. كما ركزت على أهمية أن تكون هذه البرامج ميسورة التكلفة وسهلة الوصول.
مها العاكوم: مقاربة متعددة القطاعات والسياسات لمعالجة «الظاهرة»
قالت الأستاذة مها العاكوم، مدير المحتوى والسياسة في (ويش)، إن السمنة لدى الأطفال في قطر تؤثر على ما يعادل 27.7 % من نسبة السكان، منوهة بضرورة اتخاذ مقاربة متعددة القطاعات والسياسات لمعالجة هذه الظاهرة.
وأوضحت أن التقرير الصادر عن مؤتمر القمة العالمي للابتكار في الرعاية الصحية (ويش) 2023، بالتعاون مع وزارة الصحة العامة، يقدم عدة توصيات لصانعي السياسات في جميع القطاعات، من أجل اتخاذ الإجراءات اللازمة لتقليل السمنة لدى الأطفال بشكل ملموس في قطر.
وأشارت إلى أن بعض الأمثلة على السياسات التي يوصي بها التقرير عن السمنة في مرحلة الطفولة، تشمل التدخلات المستندة الى الأدلة على المستوى الحكومي، مثل تقييد التسويق الموجه للأطفال المتعلق بالأطعمة والمشروبات الغنية بالدهون والسكر والملح، وفرض ضرائب على الأطعمة والمشروبات غير الصحية، وتوفير إمكانية أفضل للحصول على أطعمة صحية بأسعار معقولة.
كما تشمل تخصيص مساحات يمكن الوصول إليها في المدن والمناطق الحضرية تكون آمنة تمامًا لممارسة المشي وركوب الدراجات والترفيه، إلى جانب تقديم توصيات للمدارس من أجل مساعدة الأسر على تعليم وتلقين الأطفال عادات الأكل الصحية منذ سن مبكرة.
وقد جرت صياغة التقرير بدعم وإسهام وزارة الصحة العامة وفق نهج شامل وتفكير تقدمي لبناء مجتمع أكثر صحة، مما يعني أن قطر وبحكم موقعها قادرة على مواجهة وتقليل معدلات السمنة بشكل ملحوظ في البلاد.
زينب خشان: العادات الغذائية الخاطئة تتحول إلى إدمان سلوكي
قالت الأستاذة زينب خشان، مستشارة تربوية وأسرية: إن المشكلة الحقيقية هي عند غياب الوعي لدى أولياء الأمور في الكثير من الاحتياجات النفسية والتربوية والصحية للطفل، مبينة أن غياب الوعي، أو الإهمال، يظهر في تقديم الحلويات والمأكولات غير الصحية مما يعزز عادات غذائية خاطئة، تتحول مع الوقت إلى إدمان سلوكي يصعب تغييره.
وأوضحت أن مثل هذه الممارسات قد تؤدي إلى مشكلات صحية طويلة المدى، مثل السمنة أو سوء التغذية، بالإضافة إلى آثار نفسية كالابتزاز العاطفي من الطفل تجاه الوالدين للحصول على ما يريد. وأشارت إلى ضرورة أن يتحلى الوالدان بالوعي بأهمية احتياجات الطفل النفسية، مثل الشعور بالحب غير المشروط، والحرية في التعبير عن مشاعره، والشعور بالأمان، حتى في ظل ظروف تعقيدات الحياة الأسرية.
ولفتت إلى أهمية تعاون الوالدين لتوفير بيئة مستقرة للطفل، تشمل روتينًا يوميًا واضحًا، عادات غذائية صحية، ونشاطًا بدنيًا منتظمًا، مع الحرص على أن تكون العلاقة مع الطفل مبنية على القيم والحدود التربوية، وليس على الترضية بالمغريات.
«الشورى» يفتح مناقشة عامة لبحث المشكلة..ويؤكد: تصاعد مقلق في معدلات زيادة الوزن بين النشء
انتشار السمنة لدى الأطفال كان محور جلسة لمجلس الشورى مؤخراً من خلال طلب المناقشة العامة الذي تقدم به عدد من أصحاب السعادة الأعضاء، والذين أرجعوا انتشار السمنة إلى جملة من العوامل المتداخلة، من أبرزها أنماط الحياة الحديثة، قلة النشاط البدني، الاعتماد المتزايد على الوجبات السريعة والمشروبات عالية السكر، إلى جانب التغيرات في العادات الغذائية داخل الأسرة وضعف الوعي الغذائي لدى بعض أولياء الأمور.
وتطرق الأعضاء إلى أهمية تنظيم الأنشطة الغذائية في المدارس والمراكز التعليمية، وضمان التزام المقاصف المدرسية بالمعايير الصحية المعتمدة، مع تعزيز البرامج التوعوية داخل البيئة التعليمية، وإدماج مفاهيم التغذية السليمة وأهمية النشاط البدني ضمن المناهج والأنشطة المصاحبة.
وشدد الأعضاء على ضرورة إلزام المطاعم وشركات الأغذية بالإفصاح الواضح عن السعرات الحرارية ومكونات الوجبات ومصادر الأغذية المستخدمة، بما يعزز وعي المستهلك ويمكّن الأسر من اتخاذ قرارات غذائية صحية لأبنائهم.
كما أشاروا إلى التأثير المتنامي لشركات توصيل الطعام، مما يسهم في تعزيز الأنماط الغذائية السلبية، مؤكدين ضرورة تعزيز الرقابة على هذا القطاع وتنظيم آليات عمله، بما يراعي البعد الصحي ويحمي فئة النشء، إلى جانب تشديد الرقابة على تسويق الأغذية غير الصحية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما المحتوى الموجّه للأطفال واليافعين.
ولفت أعضاء المجلس إلى ما تُظهره الإحصائيات والبيانات الوطنية والدولية من تصاعد مقلق في معدلات زيادة الوزن والسمنة، مؤكدين أهمية الاعتماد على مؤشرات دقيقة ومحدّثة لرصد حجم الظاهرة، وإعداد دراسة وطنية شاملة تُعنى بقياس معدلات السمنة وتحليل أسبابها وتوزيعها العمري والجغرافي، والاستفادة من نتائجها في تطوير السياسات والبرامج الوقائية.
وأكّد الأعضاء أن انتشار السمنة يرتبط، إلى جانب العوامل الصحية المعروفة، بتحولات ملموسة في أنماط الحياة اليومية داخل الأسرة، شملت الاعتماد المتزايد على تطبيقات توصيل الطعام وسهولة وصول الأطفال لها واستخدامها وطلب الأطعمة منها حتى أوقات متأخرة من الليل، في ظل غياب أطر زمنية واضحة تنظّم هذا الاستخدام أو تحدّد أوقاته، إلى جانب تراجع حضور الوجبة المنزلية المشتركة، وقلة الحركة والجلوس المطوّل أمام الأجهزة الذكية. وأشاروا إلى أن هذه الممارسات لم تعد مقتصرة على مراحل عمرية متقدمة، بل تبدأ في سن مبكرة، بما يسهم في ترسيخ أنماط غذائية وسلوكية تمتد آثارها مع نمو الطفل.
ولفت أعضاء المجلس إلى أن الجهود التوعوية القائمة، رغم اتساع نطاقها، لم تُحدث تراجعًا ملموسًا في مؤشرات السمنة، ما يؤكد ضرورة تقييم تلك الجهود. وأشاروا في هذا السياق إلى أن البيئة الغذائية المحيطة، بما فيها وفرة الخيارات غير الصحية وسهولة الوصول إليها، أسهمت في تكريس أنماط استهلاك يصعب فصلها عن السياق الاجتماعي والاقتصادي الأوسع.
وفي السياق ذاته، أشار أعضاء المجلس إلى أن السمنة تُعد ظاهرة متعددة الأبعاد، لا يمكن حصرها في إطار صحي ضيق، إذ تتقاطع فيها عوامل تعليمية واجتماعية وتنظيمية، وتتأثر بأنماط الحياة المعاصرة ووتيرتها المتسارعة. وأكّد الأعضاء أن هذا التداخل في العوامل يجعل السمنة تحديًا مجتمعيًا متناميًا، يتطلب فهمًا شاملًا لمسارات تشكّلها وانتشارها داخل المجتمع.
وأشار الأعضاء إلى أهمية وضع خطة وطنية متكاملة للحد من انتشار السمنة، تشارك في إعدادها وتنفيذها الجهات المعنية بالصحة والتعليم والرياضة والبلديات والتجارة والاقتصاد والإعلام والجهات الرقابية، بما يضمن توحيد الجهود وتحقيق أثر ملموس ومستدام، إلى جانب تنظيم ومراقبة بعض الأنشطة الغذائية، بما في ذلك المشاريع الغذائية المنزلية الموجهة للأطفال، وإخضاعها للمعايير الصحية المعتمدة.
وبعد مناقشات اتسمت بالحرص على تعزيز صحة المجتمع لاسيما الأطفال والشباب، وتحقيق التوازن بين متطلبات الحياة العصرية ومتطلبات الصحة العامة، قرر المجلس إحالة طلب المناقشة العامة إلى لجنة شؤون الصحة والخدمات العامة والبيئة لدراسته بشكل مستفيض، والوقوف على كافة الجوانب الصحية والتنظيمية والتشريعية المرتبطة به، ورفع تقريرها بشأنه إلى المجلس.