

البروفيسور غوران بتروفسكي: البحث طوّر آلية بسيطة بتكلفة مناسبة
البروفيسور خالد قراقع: تثبيت التطبيق على ساعة «أبل» الخاصة بكل مشترك لجمع البيانات
طوّر فريق من الباحثين من قطر وجامعة تكساس إيه أند أم بالولايات المتحدة الأميركية نموذجاً قائماً على الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون بمثابة أداة غير مكلفة وغير جراحية للكشف عن نقص السكر في الدم لدى مرضى السكري من النوع الأول.
وتعدّ رجفة اليدين من أحد أعراض نقص السكر في الدم، إضافة إلى التعرق، والشعور بالتعب، والدوخة. وقد شكّل ذلك محور المشروع البحثي الممول من الصندوق القطري لرعاية البحث العلمي، عضو مؤسسة قطر، بقيادة البروفيسور خالد قراقع، أستاذ برنامج الهندسة الكهربائية وهندسة الحاسبات في جامعة تكساس إيه أند أم في قطر، وهي جامعة شريكة لمؤسسة قطر.

في هذا السياق، قال البروفيسور غوران بتروفسكي، استشاري مرض السكري في مركز سدرة للطب، عضو مؤسسة قطر لـ «العرب»: يحدث نقص السكر في الدم عندما ينخفض مستوى الجلوكوز (سكر الدم) بشكل كبير بحيث لا يمكن الحفاظ على الأداء الطبيعي -أقل من 70 ملليغرام لكل ديسيلتر- ومن الشائع لدى الأشخاص المصابين بداء السكري من النوع الأول أن يختبروا على الأقل نوبة أو نوبتين من النقص الخفيف في سكر الدم في الأسبوع.
وأضاف البروفيسور بتروفسكي، الذي عمل مستشاراً في المشروع، أنه بمجرد حدوث نقص السكر في الدم، قد تتدهور حالة مريض السكري بسرعة إذا لم يستهلك السكر على الفور لزيادة مستوى الجلوكوز بالدم، وفي بعض الأحيان، في الحالات الشديدة، يمكن أن يؤدي ذلك إلى الغيبوبة وحتى الموت.
وتابع: يمكن للحلول الحالية المتوفرة لمراقبة الجلوكوز مثل أجهزة مراقبة الجلوكوز المستمرة منع ذلك، لكنها مكلفة للغاية؛ لذا بدأ هذا البحث انطلاقاً من الحاجة إلى التوصل إلى حل بسيط، بتكلفة مناسبة.

اكتشاف مستوى هذه الرعشات
يقول البروفيسور خالد قراقع: كانت الفكرة هي اكتشاف وتيرة ومستوى هذه الرعشات. للقيام بذلك، قمنا بتطوير تطبيق من شأنه أن يساعدنا في جمع البيانات ذات الصلة عبر ساعة ذكية. ثم قمنا بتأليف مجموعتين من 77 مشاركاً ممن لديهم السكري، النوع الأول. تتكون المجموعة الأولى من 45 راشداً، ومقرها الولايات المتحدة الأميركية، وتتكون المجموعة الثانية من 32 طفلاً، تتراوح أعمارهم بين 10 و17 عاماً، ومقرها قطر. وكان أعضاء كلا المجموعتين من مستخدمي ساعة «أبل» ومستخدمي أجهزة مراقبة الجلوكوز المستمرة. لقد كان ذلك مطلوباً، لأن مستشعر الحركة المدمج في ساعة «أبل» وبيانات السكر في الدم التي تم جمعها من أجهزة مراقبة الجلوكوز المستمرة كانت حاسمة بالنسبة للدراسة.
وأضاف: لجمع البيانات، تم تثبيت التطبيق على ساعة «أبل» الخاصة بكل مشترك، ومن خلال مستشعر الحركة المدمج في الساعة والتطبيق، تمكنت المجموعة من تحديد معدل حدوث الرجفة لدى المشاركين.
وتابع: بالنسبة لمرضى السكري، يمكن أن تكون الرجفة من أعراض انخفاض مستويات السكر في الدم، وتكرارها يعني مدى «سرعة» اهتزاز اليد عند حدوث الرجفة. قد لا يبدو ذلك مختلفاً تماماً عن حركة الأطراف الطبيعية بالعين المجردة، إلا أنه يتم التقاطه بمستشعر التقاط الحركة. وبعد الحصول على البيانات ذات الصلة، استخدم الفريق الذكاء الاصطناعي لتطوير خوارزمية التعلم الآلي للربط بين تكرار الرجفة ونقص السكر في الدم.
ويوضح البروفيسور قراقي: «عندما تكتشف الخوارزمية هزة في النطاق الترددي الذي يشير إلى نقص السكر في الدم، فإنها سترسل رسالة إلى مستخدم التطبيق –أي الوالدين، في حالة الأطفال- لتنبيههم من احتمال حدوث نقص السكر في الدم، «وبالإضافة إلى اكتشاف بداية نقص السكر في الدم، خطا الفريق خطوة إلى الأمام وطوروا خوارزمية أخرى للتعلم الآلي، بهدف التنبؤ بنقص السكر في الدم، والتي يمكن أن تُنبه المستخدم من نقص السكر في الدم مسبقاً، مما يسمح له بمنع حدوثه بدلاً من الاضطرار إلى إدارته. هذه الخوارزمية قادرة أيضاً على التنبؤ بمستوى السكر وتقديره بناءً على بيانات الرجفة، وسيكون هذا مفيداً بشكل خاص في حالة عدم وجود جهاز المراقبة المستمرة للسكري.
ويشير البروفيسور قراقع إلى أن هذا المشروع كان مجرد دليل على المفهوم القائم على إثبات العلاقة بين تكرار الرعاش ونقص السكر في الدم. قائلاً: «ما نريد القيام به الآن هو إنشاء جهاز على شكل سوار تنبيه طبي أو حلقة، يستخدم مقاييس تسارع مدمجة عالية الدقة لالتقاط الرجفات الفسيولوجية منخفضة التردد والتنبؤ بمستوى السكر في الدم».
وتعليقاً على سبب رغبة الفريق في الابتعاد عن الساعات الذكية المتطورة، يقول البروفيسور بتروفسكي: «الإجابة بسيطة جداً وشاملة! نعم، الساعات الذكية الحالية المتطورة تأتي مع مستشعر مدمج ويمكن أن تخدم نفس الغرض. ولكن عندما تنظر إليها من منظور التكلفة، فهي متاحة فقط للعائلات ذات الدخل المرتفع. سيكون الجهاز الذي نتخيله جهازاً منخفض التكلفة للغاية، ولا يتطلب شاشة مما يجعله قليل الصيانة، ولن يحتاج إلى شحنه يومياً».
ووفقاً للبروفيسور قراقي، فإن معدل دقة التكنولوجيا المطورة يبلغ ما بين 85 - 89 %، و»نطاق دقة تقنيتنا يشبه في الواقع نطاق الأجهزة الطبية المتاحة تجارياً».
إن التصرف بسرعة هو أهم شيء في إدارة نقص السكر في الدم. إذن كيف تعمل هذه التكنولوجيا عندما يتعلق الأمر بالوقت؟
يجيب البروفيسور قراقي: «تعتمد تقنيتنا على السحابة، مما يعني أن وقت الاستجابة منخفض، وهذا يعني أنها تعالج البيانات بأقل تأخير ممكن حدوثه. اعتباراً من الآن، يبلغ إجمالي الوقت بين حدوث الرجفة، وإرسال البيانات إلى الذكاء الاصطناعي المستند إلى السحابة، وإجراء الحساب في السحابة، واستعادتها ما بين 60-90 ثانية، وهو أمر جيد، لكننا نعمل على تقليل هذا بشكل أكبر».
في حين أن التكنولوجيا المطورة مفيدة لأي شخص لديه السكري من النوع الأول، إلا أنها ستكون مفيدة بشكل خاص للأطفال والمراهقين. وفقاً للاتحاد الدولي للسكري يتعايش أكثر من 1.1 مليون طفل ومراهق في العالم مع مرض السكري من النوع الأول.
العبء المالي
من جهتها، تقول إيمان محمد، والدة طفل يعاني من السكري، النوع الأول: «إن انخفاض السكر في الدم مصدر قلق دائم لكل والد لديه طفل يعاني من السكري، النوع الأول، بالإضافة إلى الضغوطات العاطفية والنفسية التي يتعرض لها الوالدان، هناك أيضاً العبء المالي الذي يصاحب ذلك، فالسكري من النوع الأول مكلف جداً، والجهاز القابل للوضع باليد الذي يعمل فريق البروفيسور قراقي على ابتكاره وبتكلفة مناسبة لن يقلل فقط من خطر نقص السكر في الدم، ولكنه سيكون حلاً اقتصادياً ومُرحّباً به للغاية».
وبينما يركز هذا المشروع على نقص السكر في الدم والسكري، يرى الباحثون أن التكنولوجيا المتقدمة تمتلك القدرة على تقديم مساهمات كبيرة في الطب عن بُعد، والرعاية الصحية عن بُعد، وجمع البيانات الضخمة وتحليلها، والخوارزميات التنبوئية، والتقنيات القابلة للارتداء التي يمكن الاستفادة منها في تطبيقات مراقبة الصحة الأخرى.