العروسي: عِناد الأطفال سببه فقدان حب الأبوين

alarab
محليات 28 نوفمبر 2015 , 12:28ص
الوكرة - العرب
وصف محمد علي العروسي تربية الأبناء في عهود الانفتاح «كالإبحار في المحيطات بقارب متواضع، بينما الأخبار تنقل إلينا أن الملاحين المهرة المدربين هم فقط من ينجحون في هذه المهمة».

وذكر في محاضرة مهمة وثرية بعنوان «في بيتنا مكار» ألقاها في فرع الوكرة النسائي لمؤسسة عيد الخيرية، أن سلوك الأبناء له جذور كامنة مستترة تدفعه وتوجهه نحو أغراضه. وأشار إلى أن سلوك (خالف تعرف) هو سلوك سلبي للفت الانتباه يطوِّره الطفل عندما لا يُشبِع الوالدان حاجته للانتماء إليهما وحبهما وتلقي الحب منهما بالطرق السوية الصحيحة. ونبَّه على أن التمرد على النظام والعناد ووضع العقبات في طريق قرارات الوالدين هو سلوكيات يطورها الطفل عندما لا تشبع حاجته لتقدير قوته، والاحتفال بإنجازه والاعتراف بجميله بطرق سوية صحيحة. وقال إن سلوكيات الانتقام والتخريب للممتلكات، هي سلوكيات يطورها الأبناء عندما لا تشبع حاجاتهم للحرية، وعندما تفشل البيئة في إشراكهم في صناعة القرارات التي تخصهم.

ولفت إلى أنه عندما تكون البيئة جافة غير مشجعة، وعندما يركز الوالدان على النقد وعلى أخطاء الطفل، فإن الطفل سيكون حاضراً معهما بجسمه لكنه سيكون منسحباً بعقله وفؤاده، وسيتحين الطفل الفرص مع هذا الجو الناقد للانسحاب من الأنشطة الأسرية بسبب ما يجلبه له نقد الوالدين وسلبيتهما له من أكدار وضيق.

وأوضح أن السلوك الإنساني هادف ومتجه نحو إشباع حاجات الفرد، وتقوم الثقافات المختلفة بتزويد الأفراد بالوسائل والأنشطة المشروعة لإشباع حاجاتهم، وتعزيزها عن طريق اعتمادها والاعتراف بها وسيلة للحصول على الحاجات وقد يكون من تلك الوسائل والأنشطة ما لا يليق بالأسر الرصينة المحترمة مثل الصراخ أو الاعتداء البدني أو السخف أو أخذ الأشياء غصباً أو غير ذلك من الأشياء.

وحذَّر من خطورة أن تجبر البيئة الأسرية الطفل على سلوك بعض الطرق الملتوية لإشباع حاجاته، بسبب عدم إشباعه لحاجاته بالطرق السوية، وطالب بوعي الوالدين بحاجات الصغير وتلمسهم لها، وتيسير الطريق أمامه للإفصاح عنها، كما أن المطلوب من البيئة الأسرية هو تنويع وسائل إشباع الحاجات، واقتراح صور جديدة للإشباع أو الإيحاء بها للأبناء.

ونبَّه على أن ذات الطفل الضخمة غير المهذبة (بشكل طبيعي فطري) ستبحث عن مخرج عندما تضغط، والطفل سيكون في سعي دائب لإيجاد حلول ذكية للمشكلات التي تسببها ضغوط الكبار.
واعترف العروسي بأن السلوك السوي لا يكافأ في بيئاتنا بدرجة كافية ومشبعة لحاجات الأبناء الأمر الذي يجعله يضمر ويتنحى وتحل محله سلوكيات أقل سواء لكنها أكثر لفتاً لانتباه الكبار.

أهمية حب الأبناء
وأكد العروسي أن الحب سلوك وليس مجرد مشاعر وهو المغذي لمعظم الحاجات، لافتاً إلى أن أبرز نتائج الحب السلوكي: الانتماء للنظام والولاء له، والانصياع الطوعي لقوانينه.

وشدد على أهمية حب الأبناء للآباء، مبيناً أنه عندما يحبنا أطفالنا فإنهم سيحرصون على محاكاة نماذجنا وتقليد سلوكياتنا، وسنضمن انتقال ثقافتنا التي ارتضيناها إلى أجيالنا، ذلك لأن المحب لمن يحب مطيع.

وذكر أن في محبة أبنائنا لنا وإعجابهم بنماذجنا ضمان لانتمائهم لنا وانخفاض مستوى التوتر في بيئاتنا الأسرية، وانضباطهم بالنظام بل وتبنيهم له وتحقيق السعادة للجميع.
وحذَّر من انسحاب الشاب أو الفتاة من جو الأسرة عندما لا يجدان جواً مريحاً أي عندما يغلب على الكبار من حولهما النقد والتجريح والتركيز على الأخطاء.

عواقب سوء الظن
وأوضح أن أخطر ما يضعف مجتمعاتنا هو سوء ظن الكبار في الصغار وسوء توقعات الصغار من الكبار، ولردم الهوة على يد الكبار أن يغيروا نظرتهم للجيل الجديد، ويستبدلوا النقد والتركيز على الأخطاء بالتشجيع والتقدير، والتركيز على الحسنات، والمشاركة في الرأي على اتخاذ القرارات.

وحذَّر من الرسائل السلبية التي يبثها الآباء، موضحاً أنها قد تكون مدمرة وقد تحدث في شخصيات أبنائهم قروحاً لا تندمل وآثاراً يصعب على المدى زوالها.

وأشار إلى أن خوف الطفل من خسرانه لمحبة والديه وإعجابهما به هو الذي يلجئه للكذب مبكراً، وانفعالات الوالدين وإشاراتهما الغاضبة ستلجئ الطفل إلى حماية نفسه بتغيير الحقيقة، إن الأمر بحاجة إلى أن يراجع الوالدان نفسيهما ويقدرا سلطاتهما وما يمكن أن تحدثه من آثار خطيرة مدمرة على ابنهما.

ولفت إلى أن إشباع حاجة الحرية للأبناء يكون بإيجاد الوالدين لجو مريح محاور يؤسس الولاء للقيم باستخدام صمغ المحبة، وبالتالي يتحدد بهدوء وثقة تعريف الحرية وحدودها ومثل تلك الممارسة تجعل سلطات الوالدين محترمة عند لأبنائهما.

المألوفات سجن
واعتبر المألوفات «سجناً لا قضبان له يحبس الإنسان وهو يظن نفسه حراً طليقاً، وقد لا يكتشف المرء أبداً حقيقة ما يجري حوله بسبب توهيمه نفسه».

وأشار إلى أن الشخص غير المنضبط في انفعاله يسهل التحكم فيه حتى إن أبناءه سيزدادون مناعة ضد انفعاله.

وقال إن سمو قدر النفس يرفعه شعور المرء بتحقق توقعاته وآماله في الواقع الملموس كما يخفض قدر النفس ويحبطها شعور المرء ببعد الشقة بين توقعاته وواقعه.

وأوصى بما أسماه «ثنائية الصبر والذكر»، موضحاً أنهما الآلة التي نرتحل بها إلى الحياة السعيدة، قال تعالى {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (البقرة 45).

واستشهد على ذلك بقول تعالى {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} (الرعد 28)، وقوله سبحانه {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ} (العنكبوت 45)، وقال تعالى {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر 20)، وقوله تعالى {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا} (طه 124).

وخاطب الأب قائلا: تذكَّر أنك والد وأنك مسؤول وأنك سلطة راعية ونموذج يحتذى من قبل أبنائك، مشيراً إلى أن الوالد المتفهم لحاجة الطفل إلى الاحتضان وإشباع الحاجات، يعرف تماماً متى يرقى بالحوار مع أبنائه بما يوّفر لهم الأمن النفسي والاجتماعي كما أنه لا يعرف تماماً متى يأتي بكلمة (لا).
ونبَّه على أن مشكلات أبنائنا هي حلولهم المبتكرة للخروج من مآزق يعيشونها بسبب إغفالنا إشباع حاجاتهم بالطرق الصحيحة.

حاجة الطفل للأمان
وبيَّن أن الطفل كما هو بحاجة إلى الرعاية المادية والإنفاق فهو بحاجة أشد لأن يشعر بالسلام والأمن النفسي مع من حوله وبالذات أمه وأبيه.

وعلَّق المحاضر على مسألة مهمة هي أن كثيراً من أبنائنا قد يظنون أننا لا نحبهم وذلك بسبب ما يستقر في أذهانهم من كثرة توجيهنا لهم أو صرامتنا تجاه بعض سلوكياتهم التي قد تصل أحياناً لحد القسوة.

وقال إن مفهوم العدالة عند الأطفال يختلف تبعاً للمرحلة العمرية التي يمرون بها.


التقبيل والحنان ضروريان
وأكد العروسي على أن التقبيل والضم والحنان وتفهم المشاعر هي أعلى درجات العدالة عند طفل الثالثة في حين يحتاج طفل الثامنة لمزيد من نظرات الحب والتقدير وحسن التوقع، أما المراهق فهو يحتاج منا إلى إظهار الاهتمام لما يطرحه من أفكار ووجهات نظر حتى يشعر بالأمان والعدالة تجاه النظام الأسري الذي ينتمي إليه.

وأوضح أن معركتنا في هذه الحياة تعتمد على كيفية إعداد ذواتنا وقدرتنا على التحكم فيها، وكلما كان الإنسان أكثر ضبطاً لنفسه استشعر الهدوء والاطمئنان النفسي وفي الذكر والصلاة علاج ناجح لهذه المسألة.

وأشار المحاضر إلى أن قدرة الإنسان على الاستماع فيها تهذيب للنفس بضبطها وعدم اتباعها في شهوة التحدث بلا ضابط والتي قد تتسبب في انصراف أبنائنا عنا.

وفي معرض كلامه عن سوء الظن بالابن قال إنه سيعيش عيشة ضنكاً وعنتاً يتلقى إشارات سلبية من والده تدل على سوء ظن، أو توقعات دونية عن قدراته.

ونصح المربي بأن ينظر لمن يقوم بتربيته نظرة رحيمة، فلا ينتظر منه القبيح فيكون أشبه بالذباب بل ينظر بعيني نحلة ترى الرحيق في الزهور وتغفل تماماً عن وجود الأشواك فيها.

تطوير البيئة التعليمية
وطالب بتطوير البيئات التعليمية التي يوضع فيها المتعلم بحيث نحتفظ بأكبر قدر من تركيزه في المادة العلمية التي تقال، مشيراً إلى الصلة الوثيقة بين التركيز والقدرة على التحصيل الدراسي.

وختم العروسي محاضرته بقوله: إن قاعدة احترام النفس تقتضي أن يعرف الأب والأم الحد الفاصل بين ذاتيهما وذوات أبنائهما.

وتستمر سلسلة محاضرات عيد الخيرية نسائي الوكرة يوم الاثنين القادم محاضرة «التميز الشخصي» للأستاذ محمد غالب الحميري.