قانون العقوبات كفيل بتعويض الدولة عن الإهمال والتقصير

alarab
تحقيقات 27 نوفمبر 2015 , 07:16ص
حامد سليمان
«ذاب الثلج وبان المرج».. حال الكثير من المواطنين أمس الذين عانوا من مياه الأمطار، سواء بتجمعها أمام منازلهم أو عدم قدرتهم على التحرك في الكثير من المناطق بسبب برك المياه، أما «المرج» فكانت المحاسبة، فغالبية المنشآت التي غرقت ما زالت بفترة الضمان، وحتى إن كانت خارجها كيف لمبنى أنفق عليه مئات الملايين أو عشرات من المليارات أن يغرق في ساعتين من الأمطار؟ أين التشريعات وحماية الحقوق؟

ويؤكد قانونيون في حديثهم لـ «العرب» أن التشريعات القطرية كفلت حقوق الدولة في حال وقوع أي تقصير أو إهمال من الجهات المنفذة، منوهين بأن التعويض يكون على قدر الضرر الحاصل، ويكون بمبالغ كبيرة تتناسب مع حجم المشكلة وليس إسكاتا للأصوات أو طمأنة للنفوس.

ولفتوا إلى أهمية أن تكون التحقيقات على أقصى درجة ممكنة من الشفافية، وأن تكون المحاكمة معلنة، بحيث يتعرف القطريون على مجريات الأمور في هذا الشأن المتعلق بصورة مباشرة بالمال العام، وأن تشمل التحقيقات كافة المستويات التي يمكن مساءلتها، خاصة أن بعض المهندسين والمشرفين والمكاتب الاستشارية يمكن أن تكون ضالعة في الإهمال، فالمحاسبة لا يمكن أن تكون على رأس الشركات المخطئة فحسب، بل يجب أن تشمل الجميع من أجل الوقوف على سبب الأخطاء وتفاديها مستقبلا.

الإهمال مجرم
في البداية قال المحامي الدكتور سعود العذبة: «قانون العقوبات القطري جرم أي سلوك يظهر من خلاله الغش أو الإهمال الجسيم أو الإخلال بالتعاقد والالتزامات، فلا هوادة في تشريعاتنا بهذا الشأن، فهي الضامن الأول لحقوق الدولة في المشروعات التي تنفذها جهات أجنبية، وفي تعاملات الأفراد مع المقاولين».

وأضاف: «لا شك أن التقصير كان واضحا في التأثيرات التي ظهرت على مختلف المباني في إثر الأمطار التي هطلت على البلاد الأربعاء، فقد تأثر الكثير من المنشآت التي أنفق عليها مليارات الريالات، والمسؤولية هنا مشتركة بين كل من خطط وأشرف ونفذ وأدار، فهي سلسلة مشتركة في حلقاتها ولا يمكن الفصل، وكل هؤلاء مسؤولون أمام رب العالمين عن تقصيرهم في حق المال العام، قبل سؤالهم أمام القضاء القطري».

وأردف: «لا يمكننا توجيه الاتهام بصورة مباشرة لجهة أو لشخص بعينه، ولكن الأمر يحتاج إلى المزيد من الوقت من أجل التحري واكتشاف نقاط الخلل، ومن ثم نبني عليها ما هو آت من اتهام يؤسس عليه حجم التعويض الممكن والمتناسب مع الضرر الواقع في المنشآت المتضررة».

وأوضح العذبة أن الخلل حتى الآن لم يعلن إن كان من المهندسين المشرفين عن العمل، أو المؤسسات التي أخطأت في وضع المواصفات أو المكاتب الاستشارية أو غيرها من المراحل التي يمر العمل عليها، فالعمل يمر بعدة مراحل ولا بد لنا من أن نعلم جيدا ماهية الخلل الذي وقع وأدى إلى هذه المشكلة.
وأكد على أن النيابة العامة ستحرك بناء على التوجيه من رئاسة الوزراء الدعوى ضد الجهات المتسببة في الضرر، سواء كان المقاول أو المهندسين أو غيرهم، وإن ثبتت المسؤولية التقصيرية فقانون العقوبات رادع بهذا الشأن ولن يكون هناك تهاون في المحاسبة.

وأشار العذبة إلى أن من بين العقوبات التي تفرض على المقصرين: إغلاق الشركات أو إلغاء عقودها، إضافة إلى العقوبة التي يحكم بها القانون من تعويضات أو غيرها من الأمور، على حسب سير القضية.
ونوه بأن التعويضات التي يفرضها القضاء القطري دائما ما تكون موازية لحجم الضرر الواقع على المباني والمؤسسات، سواء المبالغ المالية المباشرة التي تعوض بها الدولة بسبب الإهمال، أو التعويض الأدبي الخاص باسم الدولة أو غيرها من الأمور التي يفرضها القضاء.

وأكد على أن العقود أحيانا تكون مفصلة بهذا الشأن فتوضح العقوبة التي تقع على الشركة أو المقاول في حال وقع أمر بعينه، وهذا وارد في الكثير من العقود، إضافة إلى الضمانات والعقوبات المالية المباشرة وغيرها.

ونوه بأن فترة الضمان في غالبية عقود المقاولات تكون 400 يوم، ما يعني قرابة 13 شهرا، وهذا يتعلق بحسن الأداء فحسب، أما الخلل في البنية التحتية أو غيرها من الأمور، فيمكن أن تصل من خمس إلى عشر سنوات في بعض الأحيان، وحسن الأداء يتعلق بالعمل العام للمنشأة، كالكهرباء والكاميرات وغيرها من الأمور، أما البنى التحتية فتعني الضمان على الأساسات وتسرب المياه وغيرها، فهي تمتد لفترة طويلة. ولفت العذبة إلى أن فترة عشرة سنوات ضمان هي كافية بالفعل، فكل منشأة تتأثر بالعوامل الطبيعية من حرارة وأمطار وغيرها من الأمور، وبعض الأشياء تضعف أو تتحلل بفعل هذه العوامل.

وشدد على أن الشفافية مكفولة في كافة التحقيقات المتعلقة بالقضايا العامة في قطر، ولكن بعض الأمور تتطلب السرية بما يصب في صالح القضية، والمحاكمة تكون علنية لأنها تتعلق بالمال العام، وتخص كافة أبناء قطر.

ونوه بأن مقاطعة الشركات المتورطة في هذه المشكلات تأتي في مرحلة متقدمة من التحقيقات والحكم عليها، وبعد أن يثبت أنها أهملت بالفعل، فيكون للمحكمة وللدولة أن تعاقبها أو تنهي أعمالها في البلاد.

مواجهة الإهمال
من جانبه قال المحامي محمد التميمي: «أي مبنى لا بد أن تجرى عليه مجموعة من الاختبارات التي تبين مدى أهليته لتحدي المشكلات، وما حدث الأربعاء الماضي مثل اختبار رباني من المولى عز وجل، فالأمطار كشفت زيف وإهمال الاستشاريين والمشرفين والشركات، التي ظن الجميع فيها أنها عالمية ولها سمعتها التي تسعى للمحافظة عليها، فقد تبين أن كل هذا مجرد فقاعة».

وأضاف: «آن الأوان لمحاسبة المقصرين ومعاقبتهم على كل خطأ وقعوا فيه، ناهيك من إجراء التحقيقات بكل شفافية وإعلان النتائج بصورة مستمرة، ليعلم كل أبناء قطر أنه تمت محاسبة من قصروا في حقهم، ومن أهدروا المال العام، وأن يتم إعلان العقوبات التي وقعت على الشركات التي ثبت تورطها في هذه المشكلات».

وأعرب التميمي عن أمله أن تتخذ التحقيقات مسارا جديا وتحاسب كافة المسؤولين، فلا يمكن التهاون هذه المرة مع حجم الإهمال الكبير الذي ظهر بالكثير من المباني، أو أن تحفظ التحقيقات في الأدراج لتكون من باب غلق الملفات فقط، فالأمر بات جديا وتحدي الفساد الإداري في المؤسسات بات توجه الدولة.

وأردف: «غالبية المباني التي وقعت فيها المشكلات حديثة سواء كان مطار حمد أو الشيراتون الذي انتهي من ترميمه وتحديثه قريبا، وكبد الدولة مئات الملايين، فلم يمض ثلاث سنوات على أغلبها، لذا فلا بد من طلب التعويضات التي تتناسب مع حجم الضرر، خاصة أن المسؤولية التقصيرية بارزة في هذا الشأن بصورة واضحة».

وأكد على أن العقود تتضمن الإشارة إلى جودة العمل في المنشأة، فأين جودة العمل في مبنى يغرق مع أول اختبار للأمطار، فالأمر ينم عن إهمال يحتاج إلى محاسبة جدية بكل السبل القانونية التي تحفظ حق القطريين.

وأشار المحامي محمد التميمي إلى أن تحديث التشريعات القائمة يعد طريقة أفضل في مواجهة مثل هذه الحالات من الإهمال، إضافة إلى مطالبة الشركات التي تقدم على العمل في قطر أن تعمل على إخراج المنتج على الطريقة المتفق عليها، لأن أعين الرقابة ستكون عليها، حتى لا تقوم الشركات الكبرى بالتعاقد مع مقاولين من الباطن، وفي النهاية يكون الضحية هو المواطن.

ونوه بخطورة استمرار إهمال بعض المؤسسات، مشيرا إلى احتمالية أن تكون الأمطار في المرات المقبلة أشد، وهذا ينذر بمشكلات أوسع مستقبلا، ما يهدد مشروعات البنى التحتية التي تحرص عليها الدولة من أجل استمرار مسيرة التنمية، فلا بد من وضع لوائح تنظم تعامل المؤسسات القطرية مع الشركات الأجنبية، وحتى تضع أسس لتنظيم عمل الأخيرة داخل الدولة.

وقال التميمي: «الأمر جد خطير، أليس من الغريب أن تصل مياه الأمطار إلى داخل منشآت كمطار حمد وشيراتون الدوحة وغيرها من المؤسسات التابعة للدولة، في حين أن ملاحق تابعة لمنازل ومخصصة للخدم لا تصلها المياه من الداخل، فالمواد المستخدمة في هذه الملاحق أبسط بكثير من المستخدمة في منشآت الدولة، وهذا يشير إلى إهمال واضح يستوجب عقاب قوي».

وأضاف: «لا بد من أن تكون التحقيقات على أعلى مستوى من الشفافية، وأن تعلن أسماء الشركات المتورطة في هذا الأمر، وتحصل الدولة على التعويضات التي تتناسب مع حجم الضرر، وإعلان أسماء الشركات سيشكل مقاطعة حقيقة لها على كافة المستويات سواء حكوميا أو في أعمال المواطنين الخاصة، أو أن تشطب وتبعد من الدولة، إن ارتأت المحكمة ضرورة لذلك».

وأشار إلى أن الأمطار التي تهطل على الدوحة محدودة إن قورنت بدول شرق آسيا وغيرها من البلدان التي لا تنقطع فيها الأمطار لأيام وليس لسويعات معدودة، فكيف لمبانيهم على بساطتها أن تصمد في الأمطار. ونوه التميمي بأن التحقيقات هي التي ستحدد قيمة التعويضات التي تحصل عليها الدولة عن المؤسسات التي تضررت مبانيها، فالتعويض يأتي بعد ثبوت الضرر ومعرفة المتسبب بدقة.

محاسبة على كافة المستويات
ومن جانبه قال علي الحميدي: «المحاسبة ما زالت غائبة بصورة أو بأخرى عن معجم مؤسساتنا، فالمحاسبة يجب أن تبدأ من أول السلسلة، أي المشرف أو المهندس القائم على المشروع، ثم الشركة المنفذة ثم الاستشاري، وصولا للمؤسسة التي يتبعها المبنى أو المنشأة».

وأضاف: «الاستشاريون يتقاضون مبالغ ضخمة شهريا، ونفاجئ جميعا في النهاية بمخرجات دون المستوى المأمول، وكذلك دور مؤسسات الدولة في اختيار الجهة التي يتعاقدون معها ويراقبون أعمالها بصورة دقيقة وقريبة، فسلسلة المحاسبة يجب أن تشمل الجميع».

وأردف الحميدي: «الشركات الموجودة في قطر وعمالتها خارج نطاق الرقابة الدقيقة، فلا بد من العلم بمؤهلات العاملين في هذه الشركات، لأن الشخص الذي نهمل التأكد من مؤهلاته ربما يعمل في شركة خاصة ومن ثم تتعاقد الدولة معها لنفاجأ بأن من ينفذ لنا مشروعاتنا هم أشخاص غير أكفاء، وبعض الشركات الأجنبية تقبل على هذه الخطوة من أجل توفير بعض المال، فالتعاقد مع الكفاءات من شتى أنحاء العالم سيكبدهم مبالغ كبيرة، لذا يتعين على مؤسسات الدولة أن تكون على دراية بمؤهلات الأشخاص العاملين بالشركات المتعاملين معها».

وأشار إلى أن المحاسبة دائما تتخذ مثلثا مقلوبا، فاللائمة تلقى دائما على صاحب الشركة أو مسؤول المؤسسة قبل معرفة الأسباب، في حين أن الإهمال يكون في أحيان كثيرة من القاعدة المتمثلة في المهندسين والمشرفين، فلا بد من أن تشمل التحقيقات كافة المستويات، من أجل الوقوف على الأسباب التي أدت إلى مختلف المشكلات التي وقعت بسبب إهمال بأعمال المقاولات.

وأكد الحميدي على أهمية أن تكون العقوبات مشددة على الشركات التي وقعت في إهمال جسيم سواء في مطار حمد أو غيره من المنشآت بعد أمطار الأربعاء، لافتا إلى أهمية أن تكون العقوبات الموضوعة على الشركات مصحوبة بالمزيد من التسهيلات التي طالما نادى بها رجال الأعمال، من أجل المزيد من التطوير في العمل.

وأشاد الحميدي بتوجيهات معالي الشيخ عبدالله بن ناصر بن خليفة آل ثاني رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية إحالة جميع الجهات المعنية والشركات المنفذة للمشاريع التي كشفت عيوبها الأمطار والأحوال الجوية التي تعرضت لها البلاد، مؤكدا على أهمية أن تطول المحاسبة كافة مستويات العمل.

وأشار إلى أهمية مد فترات الضمان على كافة المنشآت بالصورة التي تضمن حق الدولة، فالعيوب تظهر في بعض الأحيان بالمنشآت بعد انتهاء فترة الضمان بأشهر معدودة، في حين أن بعض المنتجات في الخارج يكون لها ضمان فوق العشر سنوات، فلما لا تمد فترات الضمان على المشروعات التي تنفذها شركات أجنبية، وتحصل على مبالغ ضخمة على هذه الأعمال.