المريخي: محبة النبي صلى الله عليه وسلم في اتباع سنته

alarab
محليات 27 مايو 2016 , 06:55م
الدوحة - العرب
في خطبته بجامع عثمان بن عفان بمدينة الخور اليوم، تناول الداعية الشيخ الدكتور محمد بن حسن المريخي محبة النبي صلى الله عليه وسلم، مذكّرا بما تحمله عليه الصلاة والسلام من مشاق وصعوبات وتضحيات جسام من أجل أمته التي لم يترك أمرا يقربها من الله ومن الجنة إلا بينه لها وحثها عليه، وما ترك أمرا يقربها من النار ويباعدها من الله إلا بينه وحذّر منه، وهو ما يقتضي من جميع أمته محبته صلى الله عليه وسلم.

وأضاف المريخي أنه ما بذل أحد نفسه وجهده وما يملك ولا ضحى بالغالي والنفيس ولا تحمل من المشاق والبلاء ولا تعرض لمكدرات ومحزنات مثل محمد رسول الله عليه الصلاة والسلام، من أجل سعادة أمته ونجاتها وسلامتها وعافيتها صلى الله عليه صلاة وسلاماً ما بقيت الدنيا وتعاقب الليل والنهار وجزاه الله عن أمته خير ما جزى نبياً عن أمته، فإنه لو تتبعت الأمة فضل الله تعالى عليها به صلى الله عليه وسلم ما التفتت بعد الله إلى أحد غيره، ولا أذنت لألسنتها أن تذكر أحداً بعد الله تعالى وتثني عليه بعد رسولها ونبيها.

روى مسلم في صحيحه من حديث عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن رسول الله تلا قول الله عز وجل في إبراهيم: (رب أنهنّ أضللن كثيراً من الناس فمن تبعني فإنه مني)، وقول عيسى عليه السلام (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم)، فرفع يديه وقال: اللهم أمتي أمتي وبكى، فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب إلى محمد، وربك أعلم فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله فأخبره رسول الله بما قال، وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمدٍ فقل: إنّا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك.

ويصف صلى الله عليه وسلم فضله على أمته في الآخرة على الصراط، يصف الناس وهم يمرون كالبرق وكالريح حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً، يقول عليه الصلاة والسلام (وفي حافتي الصراط كلاليب معلقةٌ مأمورة بأخذ من أمرت به، فمخدوش ناجٍ ومكدوسٌ في النار)، يقول (ونبيكم قائمٌ على الصراط يقول: يا رب سلم سلم) رواه البخاري ومسلم.

ويدخل فئام من الأمة النار كما في حديث الشفاعة، يقول رسول الله (فَأَنْطَلِقُ فَأَسْتَأْذِنُ عَلَى رَبِّي، فَيُؤْذَنُ لِي، فَأَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَأَحْمَدُهُ بِمَحَامِدَ لَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ الآنَ يُلْهِمُنِيهِ اللَّهُ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَك، وَقُلْ: يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: رَبِّ أُمَّتِي، أُمَّتِي، فَيُقَالُ: انْطَلِقْ، فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ بُرَّةٍ أَوْ شَعِيرَةٍ مِنَ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا، فَأَنْطَلِقُ، فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: أُمَّتِي، أُمَّتِي، فَيُقَالُ لِي: انْطَلِقْ، فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنَ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنْهَا، فَأَنْطَلِقُ، فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ إِلَى رَبِّي، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ الْمَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ لِي: يَا مُحَمَّدُ، ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي، أُمَّتِي، فَيُقَالُ لِي: انْطَلِقْ، فَمَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِنْ مِثْقَالِ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنَ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ) رواه البخاري ومسلم. وقال أيضاً في رواية بعدما يسأل ربه يقال له: (يا محمد أدخل الجنة من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاءُ الناس فيما سوى ذلك من الأبواب) رواه البخاري ومسلم.

وبيّن فضيلته أن الأمة لن تبلغ مكافأته ورد جميله مهما بذلت من جهد ولن تبلغ ذلك أبداً، إلا أن تسأل ربها أن يجزيه عنها خير ما جزى أنبياءه ورسله عن أممهم وأقوامهم، لكن هذا يدعوها لمحبته ومودته، فتجعله أحب حبيب لها بعد الخالق جل وعلا، فإنه لم ولن يبذل لها أحد كما بذل لها رسولها ونبيها صلى الله عليه وسلم، ولن تتشرف بمثله أبداً، فهو حبيبها الأول الرؤوف الرحيم بها، والحريص عليها، فمحبة رسول الله أصلٌ عظيم من أصول الدين، فرضها الله تعالى على عبيده، ثم أراهم الله تعالى كيف استحقت محبته عليهم وفرضت. هل رأيتم مخلوقاً يبذل نفسه لمخلوق إلى هذه الدرجة؟ بل يبذل نفسه ويرهقها حرصاً منه عليهم مع كفار هذه الأمة حتى ناداه ربه أن يرحم نفسه ويهون عليه فيقول له (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا)، وفي آية الشعراء (لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين)، أي تكاد تقتل نفسك وتهلكها من أجل هؤلاء المعاندين من شدة حرصه وجهده الذي يبذله لإقناعهم ونجاتهم، ويقول لنا وهو يصور حاله مع الأمة الشاردة عن هديه ومنهجه (إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبهن عنها) يعني يدفعن ويمنعهن حتى لا يقعن في النار، ثم يقول (وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي)، وفي رواية (أنا آخذ بحجزكم عن النار هلّم عن النار هلّم عن النار فتغلبوني تقحمون فيها) رواه مسلم.
وأشار الخطيب إلى أن محبة رسول الله معناها تقديم شرعه على كل شرع وتقديم أمره بعد أمر الله على كل أمر، فأمر الله وأمر رسوله ليسا محل نقاش واختيار، (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهما الخيرة من أمرهم)، (وربك يخلق ويختار ما كان لهم الخيرة)، كما تقتضي محبته صلى الله عليه وسلم التأسي به وتحقيق الاقتداء بسنته في أخلاقه وآدابه في نوافله وتطوعه في أكله وشربه ولباسه، في جميع آدابه الكاملة وأخلاقه الطاهرة، كما تقتضي محبته تعظيمه وتوقيره والأدب معه وفق المأذون وحسب المشروع.

ومن مظاهر محبته تذكره دائماً وتمني رؤيته وسؤال الله تعالى شفاعته وورود حوضه ومرافقته في الجنة والحشر تحت لوائه، وسؤال الله تعالى له الوسيلة بعد كل أذان كما أمر بذلك صلى الله عليه وسلم (ثم سلوا الله لي الوسيلة فمن سأل الله لي الوسيلة حلت له شفاعتي) رواه البخاري ومسلم.

وناداكم الرسول يا معشر المسلمين يا أهل القرون المتأخرة من أمته، وأثنى عليكم ثناءً كبيراً وأنكم من أشد أمته حباً له، اسمعوا ما يقول نبيكم عليه الصلاة والسلام (من أشد أمتي لي حباً ناسٌ يكونون بعدي يودّ أحدهم لو رآني بأهله وماله) رواه مسلم.

والحديث معناه أن ناساً من الأمة يحبون رسول الله حباً شديداً في آخر الأمة من شدة حبهم له يتمنى الواحد رؤية رسول الله ولو على حساب أهله وماله، ولو أن يكون الأهل والمال ثمناً لرؤيته صلى الله عليه وسلم.
كما أن من علامات حب رسول الله محبة قرابته وآل بيته وأزواجه ومحبة جميع صحابته وتوقيرهم ومعرفة فضلهم وحفظ حرماتهم ومعرفة مكانتهم، يقول رسول الله (أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي) رواه مسلم.

وقال (لا تسبوا أصحابي، لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أُحد ذهباً ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه) رواه البخاري ومسلم.

ونبّه المريخي على أن من أكبر علامات محبة الرسول متابعة شريعته والعمل بها وتقبل نصيحته عامة، خاصة في التمسك بالدين والشريعة كما قال صلى الله عليه وسلم "إنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة" رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. فالاهتمام بالشريعة والعمل بها والمحافظة عليها ومتابعة السنّة والهدي الصحيح كل ذلك من محبة صاحب الشريعة صلى الله عليه وسلم الناصح الأمين.

إن المسلمين وقعوا في الخذلان القاتل المميت والتأخر المقيت والعذاب المهين والاحتقار من الأمم عندما اتخذوا محمداً صلى الله عليه وسلم ودينه وشريعته مجرد تمتمات وشعارات وطقوس يرجعون إليها في أوقات متباعدة قليلة، ورضوا بأن تلصق التهم بالدين ويوصف دين الله بأوصاف الدناءة والوضعية والمهانة، وأعطى المسلمون صورة مغايرة لما ينبغي أن يكون عليه أتباع ملة الإسلام من الانحرافات العقدية والسلوكيات والتصرفات الأخلاقية، وأسهم بعض ضعاف المسلمين مساهمة كبيرة في إعطاء الأمم الأخرى فكرة مظلمة عن الإسلام والقرآن بسبب جهلهم وضحالة ثقافتهم الشرعية الأصلية.

أ.س/س.س