الناقد والمترجم الجزائري د. بلقاسم عيساني لـ «العرب»: جائزة كتارا أسهمت في تطوير الرؤية النقدية العربية

alarab
المزيد 26 ديسمبر 2025 , 01:25ص
محمد عابد

الرواية العربية أصبحت مرآة لمآسي الإنسان
النقد العربي المعاصر ليس تابعا بل منفتح وفاعل
الرواية تواكب قضية فلسطين باعتبارها مركزية

 

الناقد والمترجم الجزائري الدكتور بلقاسم عيساني يعد من أبرز الأصوات النقدية العربية المعاصرة، ومن المهتمين بتطوير المناهج النقدية الحديثة وقراءتها في سياقها العربي. وفاز بجائزة كتارا للرواية العربية عن فئة الدراسات النقدية عن كتابه «الفكر الروائي»، وذلك في دورتها 2024 وقامت كتارا بطباعة هذه الدراسة هذا العام، حيث يتناول فيها علاقة الرواية بالتحولات الإنسانية والفكرية في العالم العربي. ويتحدث الدكتور بلقاسم عيساني في حوار لـ»العرب « عن واقع الدراسات الأدبية والنقدية، وعن تطور الرواية العربية، ومكامن قوتها، ودور الجوائز الأدبية في دعمها، مؤكدا أن جائزة كتارا للرواية العربية قد أسهمت في تطور الدراسات النقدية التي تواكب الرواية العربية. وإلى تفاصيل الحوار..

بدايةً، أين تقف الدراسات الأدبية حالياً في عالم النقد العالمي؟
في الحقيقة، النقد العربي المعاصر منفتح بشكل جيد على التيارات النقدية الحديثة، ففي الستينيات، كان هناك نوع من الاستقطاب النقدي، خاصة في فرنسا، وشيء ما في أمريكا، أما اليوم، بفعل وسائل التواصل الاجتماعي وآليات الاتصال السريعة، فقد أصبحت التيارات النقدية تتقاطع من كل الجهات، مما خلق نوعاً من التفاعل والتكامل بين المناهج.
هذا الانفتاح جعل النقد المعاصر خليطاً من مناهج وطروحات متنوعة، وهو ما أراه يصنع نوعاً من الفراغ في المشهد النقدي العربي من جهة، لكنه في المقابل يثريه من جهة أخرى.
في الماضي، كانت الفرنسية والإنجليزية هما اللغتان الأساسيتان للترجمة، أما اليوم فقد تنوعت مصادر الخبر الأدبي والنقدي، وتعددت منظورات التأسيس الفكري تبعاً للموقع الثقافي العالمي.
وبالتالي، أعتقد أن النقد العربي منفتح على هذا التنوع، مستفيداً من التطور المعرفي العالمي، ومن مجالات علم النفس، والاجتماع، والفلسفة.
وفي هذا الإطار، حينما تعكس الرواية عمق الفكر الإنساني، كتبتُ كتابي من منظور يُظهر أن الروائي لا يتعامل فقط مع الحدث أو الشخصيات، بل أيضاً مع آليات التفكير وطرائق الوعي.

ماذا عن النقد التطبيقي عربياً؟ هل يواكب هذا التطور النظري؟
الرواية العربية اليوم ليست رواية قطرية أو محلية، بل تأسيس محلي يتحرك في إطار تنوع جغرافي عربي واسع.
فالمغرب العربي منفتح على المشرق، والمشرق منفتح على المغرب، والرواية تُقرأ اليوم في كل مكان، تصل إلى القارئ العربي عبر المعارض الدولية ووسائل التواصل الاجتماعي.
القارئ العربي يتفاعل مع الرواية أينما كانت ومهما كان كاتبها، وهذا جعل الرواية العربية تتجاوز الحدود.
أما الناقد فهو قارئ أولاً، وإذا امتلك خلفية منهجية وأكاديمية علمية، فإنه يقارب هذه الروايات من منظور معرفي قبلي يُؤسس رؤية نقدية خاصة.
ومن هنا يأتي الإثراء، لأن القراءة النقدية الحقيقية تبحث عن الجِدّة في النص، وهذه الجدة هي مناط البحث النقدي العربي اليوم.

كيف تقيّم عناصر جودة المنتج الروائي العربي حالياً؟
الرواية العربية اليوم مزدهرة ومليئة بالحيوية.
إنها تعكس إشكالات المجتمع ومعاناة الأفراد ومآسيهم وصراعاتهم الاجتماعية والسياسية، وتمتلك قدرة كبيرة على تصوير الواقع بكل طبقاته وتناقضاته.
لكن الإشكالية الكبرى تكمن في اللغة والترجمة؛ فلكي تتخطى الرواية العربية حاجز اللغة لا بد من ترجمتها.
الضعف الحقيقي يكمن في قلة ترجمة الرواية العربية إلى اللغات الأخرى، رغم أن حركة الترجمة العكسية نشطة، بمعنى أن ما يكتبه الكتّاب العالميون يصل إلينا، بينما العكس غير صحيح، وهذه، في نظري، إشكالية حضارية في المقام الأول.

كتابكم الفائز بجائزة كتارا للرواية العربية فئة الدراسات النقدية «الفكر الروائي» حظي باهتمام واسع.. ما الذي يطرحه من رؤى جديدة؟
هذا الكتاب حاول أن يخترق الطروحات التقليدية في النقد، من خلال تناول إشكاليات كتابية وتحضيرية غير تقليدية.
فعلى سبيل المثال، تناولتُ فيه العلاقة بين الرواية والحرب، وكيف تصبح الرواية مرآة لمآسي الإنسان في حالات الصراع.
استعرضت روايات لبنانية وعراقية وخليجية تناولت حرب الخليج الأولى والثانية، وكيف تغيّرت صورة الإنسان الخليجي في ظل الحروب، حين يواجه الخوف والمستقبل والمجهول.
كما تناول الكتاب الرواية التي تعكس حياة المهاجر بين ضفتين، أي حياة الإنسان الذي يعيش بين هنا وهناك، في انقسام الهوية، وهذا الوجود المزدوج هو هوية بحد ذاته.

من هذا المنطلق، كيف ترى تناول الرواية العربية للمشهد الفلسطيني، وخاصة الحرب الأخيرة على غزة؟
بكل تأكيد، الرواية العربية تساير وتواكب الحدث العربي، خصوصاً القضية الفلسطينية باعتبارها قضية مركزية في الوعي العربي.
لكن الرواية تحتاج إلى زمن للتشكل والتشبع بالحدث قبل أن تعيد صياغته أدبياً، ولدينا روايات سورية ولبنانية وعراقية تناولت الحرب بشكل مروّع، وأظهرت معاناة الإنسان في أتون العنف الحربي.
وأعتقد أن ترجمة هذه الروايات إلى لغات أخرى ستعطي صورة صادقة وحقيقية عن الإنسان العربي ومعاناته في زمن الحرب.

ما تقييمكم لدور الجوائز الأدبية، وخاصة جائزة كتارا للرواية العربية، في تطوير الدراسات النقدية؟
حين بدأت جائزة كتارا، كانت تُعنى أساساً بالأعمال الإبداعية، ثم انتبه القائمون عليها إلى أهمية النقد الروائي، لأنه هو الذي يطوّر المتن الروائي ويبشّر برؤى غير تقليدية.
النقد يشخّص مواطن القوة والضعف في الرواية العربية، ويسهم في رسم ملامح جديدة للمشهد الأدبي.
ولذلك، أرى أن جائزة كتارا تلعب دوراً مهماً جداً اليوم باعتبارها جائزة مرموقة ذات صيت واسع في العالم العربي، تقدم رؤى نقدية يمكن أن تُحدث فارقاً حقيقياً في الدراسات الأدبية والنقدية العربية.

وأخيراً، هل يمكن القول إن الدراسات النقدية العربية تخلّصت من التبعية للغرب؟
هناك محاولات جادة ظهرت من مصر ومن دول عربية أخرى وأعتقد أن النقد العربي المعاصر ليس تابعاً، بل منفتح وفاعل، يناقش الطروحات العالمية، ويحاول أن يجد لها تطبيقات خاصة، ويقدّم رؤيته الخاصة في إطار منهجي واضح.
وبالتالي، لا أراه تبعياً، بل أراه مناقشاً ومنافحاً عن رؤيته الخاصة، وهذا دليل على نضج النقد العربي وقدرته على التفاعل مع الفكر العالمي من موقع الندية لا التبعية.