مع حلول شهر رمضان المبارك، تدخل التحويلات المالية للمقيمين في دولة قطر إلى بلدانهم الأصلية موسمها الأبرز، حيث يتقاطع البعد الاقتصادي مع الروح الاجتماعية في مشهد يتجدد سنويا، وتتحول فيه حركة الأموال إلى مرآة للعلاقات الإنسانية بين المقيمين وأسرهم.
ولا تقاس التحويلات المالية في هذا الشهر الفضيل بالأرقام فحسب، بل باعتبارها رسائل دعم، وامتدادا لقيم التكافل والتراحم التي تتجسد في أفعال ملموسة، فشهر رمضان محطة اقتصادية واجتماعية تعكس ديناميكية مجتمع متنوع الجنسيات والثقافات.فمع تزايد الاحتياجات المعيشية، والاستعداد لعيد الفطر، ودفع الزكوات والصدقات، ترتفع وتيرة التحويلات بشكل ملحوظ، لتتحول فروع شركات الصرافة إلى مراكز حيوية تعكس ذروة الحركة المالية في البلاد.
وقال مسؤولو شركات صرافة في تصريحات خاصة لوكالة الأنباء القطرية /قنا/ إن نسبة التحويلات خلال شهر رمضان وعيد الفطر ترتفع بنحو 25 إلى 30 في المئة مقارنة ببقية أشهر العام، مع تسجيل أعلى مستويات النشاط خلال الأيام العشرة الأخيرة من الشهر، تزامنا مع اقتراب العيد.
ولفت المسؤولون إلى أن التحويلات المالية تشهد تحولات كبيرة نتيجة التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، مع تزايد الاعتماد على تطبيقات الهواتف والدفع الإلكتروني، ما دفع الشركات لتطوير خدمات أسهل وأسرع عبر الإنترنت والتطبيقات المخصصة.
وفي هذا السياق قال بشار الوقفي، الرئيس التنفيذي لإحدى شركات الصرافة، إن شهر رمضان المبارك يشهد نموا ملحوظا في حجم التحويلات المالية مقارنة بالشهور الأخرى، حيث تسجل الحوالات ارتفاعا يقدر بنحو 25 في المئة مقارنة ببقية العام، مرجعا هذا الارتفاع إلى زيادة المصاريف المعيشية ومتطلبات الشهر الكريم، إضافة إلى حرص العملاء على إرسال مبالغ مالية لدعم أسرهم وصلة أرحامهم والاستعداد لعيد الفطر.
وأضاف: لمواكبة هذا الطلب المتزايد، نتخذ مجموعة من الإجراءات الاستباقية، تشمل تعزيز مستويات السيولة لتغطية السحوبات على البنوك والمراسلين الخارجيين بما يتناسب مع حجم الطلب المتوقع، إلى جانب رفع الجاهزية التشغيلية من خلال زيادة عدد الموظفين وتمديد ساعات العمل، لضمان تقديم الخدمة بكفاءة وسلاسة .
وأوضح أن أبرز وجهات التحويلات المالية خلال شهر رمضان المبارك هي مصر والأردن والهند وبنغلاديش.
ولفت إلى أن القنوات الرقمية وتطبيقات التحويل تلعب دورا بالغ الأهمية بالنسبة للعملاء، لما توفره من سهولة ومرونة في تنفيذ الحوالات في أي وقت ومن أي مكان، الأمر الذي يسهم بشكل فعال في استيعاب الضغط الموسمي خلال شهر رمضان، والحد من الاعتماد على الفروع التقليدية، مشيرا إلى العروض والمبادرات التي توفرها الشركة عند استخدام التطبيقات، بما يعزز تجربة العملاء ويمنحهم قيمة مضافة مستمرة.
من جانبه أكد الدكتور محمد أمجد موسى، نائب الرئيس التنفيذي لإحدى شركات الصرافة، أن شهر رمضان يمثل موسما استثنائيا لقطاع التحويلات المالية، حيث يرتفع حجم العمليات سنويا بما بين 20 و 30 في المئة مقارنة بالشهور الأخرى، مع بلوغ الذروة في العشر الأواخر.
وأوضح أن هذا الارتفاع يرتبط بعدة عوامل اجتماعية واقتصادية، أبرزها التحويلات العائلية لتغطية مصروفات رمضان وعيد الفطر، وإرسال الزكوات والمساهمات الخيرية، إلى جانب صرف الرواتب والمكافآت قبل العيد، ما يؤدي إلى كثافة في العمليات خلال فترة زمنية قصيرة.
وأضاف: أن هذا يعكس حرص المقيمين على توفير مظلة دعم إضافية لأسرهم في هذا الموسم ذي الطابع الخاص.. لافتا إلى ارتفاع في متوسط قيمة الحوالة، حيث يميل العديد من العملاء إلى إرسال مبالغ إضافية لمرة واحدة دعما لأسرهم.
وتابع: نستعد مبكرا لهذا الموسم عبر تعزيز السيولة بالعملات الأجنبية الأكثر طلبا، وتكثيف التنسيق مع البنوك المراسلة لضمان سرعة التنفيذ. كما نزيد عدد الموظفين في الفروع ذات الكثافة العالية، ونمدد ساعات العمل في بعض المواقع، إلى جانب مراقبة يومية لحركة التدفقات لضمان استمرارية الخدمة دون تأخير .
وأشار إلى أن التحويلات تتركز عادة نحو الدول التي لها جاليات كبيرة في الدولة، وفي مقدمتها الهند، والفلبين، والنيبال، ومصر، وباكستان، وبنغلاديش. وتختلف النسب حسب طبيعة كل فرع والمنطقة الجغرافية التي يخدمها، إلا أن هذه الدول تمثل الحصة الأكبر من إجمالي التحويلات خلال الشهر الفضيل.
ونوه إلى أن للتكنولوجيا الرقمية دورا أساسيا في تسهيل هذا النشاط، حيث ساهمت القنوات الرقمية والتطبيقات الإلكترونية في استيعاب الضغط الموسمي بشكل ملحوظ، بتقليل الازدحام داخل الفروع وتسريع إنجاز المعاملات على مدار الساعة.
وأشار إلى أن شركته أطلقت خلال شهر رمضان عددا من المبادرات الخاصة، منها تقديم أسعار صرف تنافسية لفترات محددة، وحملات توعوية لتشجيع العملاء على استخدام القنوات الرقمية لما توفره من سرعة وسهولة وأمان، بما يعكس التحول الرقمي كركيزة استراتيجية في تعزيز الكفاءة التشغيلية.
وختم موسى بالقول إن شهر رمضان يمثل موسما مهما لقطاع التحويلات، وهو في الوقت ذاته فرصة لتعزيز رسالته في دعم العملاء وتمكينهم من رعاية أسرهم بكل سهولة وأمان. وجدد التزامهم بالحفاظ على أعلى مستويات الجاهزية التشغيلية والامتثال، لضمان تجربة سلسة وموثوقة خلال هذا الشهر المبارك.
وتشير البيانات إلى أن تحويلات العاملين في قطر ارتفعت بنسبة 10.8% على أساس سنوي خلال الربع الثالث من العام 2025، حيث بلغت 10.768 مليار ريال في الربع الثالث من العام الماضي، مقارنة مع 9.716 مليار ريال خلال ذات الفترة من العام 2024، وفقا لبيانات ميزان المدفوعات الصادرة عن مصرف قطر المركزي.
وبالمجمل وصلت قيمة تحويلات العاملين إلى الخارج خلال الشهور التسعة الأولى من العام 2025 (يناير- سبتمبر) إلى 32.4 مليار ريال.
أما في عام 2024 فقد وصلت القيمة الإجمالية لتحويلات العاملين في قطر إلى الخارج 44.6 مليار ريال قطري.
يبقى شهر رمضان في قطر ليس مجرد موسم مالي، بل هو لحظة تتجسد فيها القيم الاجتماعية والدينية في أفعال ملموسة تنعكس على الاقتصاد وسلوكيات المقيمين، وتعكس مجمل التحويلات المالية روح التضامن بين المقيمين وذويهم، والتي تتطور عاما بعد عام مع تغير السياق الاقتصادي والتكنولوجي، لتبقى دائما واحدة من أهم الفصول في قصة التحويلات المالية عبر الحدود.