«العرب» ترصد التصوير في قطر بين الفن والتوثيق والهوية (4-4).. خليفة العبيدلي: الصورة تكتب تاريخ قطر.. وشاهدة على العصر

alarab
المزيد 25 أغسطس 2026 , 01:24ص
محمد عابد

 

من الكاميرا الأولى التي حملها في طفولته إلى مشاريع توثق البحر والسفن والشوارع والعمارة والتحولات الاجتماعية، ينظر خليفة العبيدلي إلى التصوير بوصفه أكثر من ممارسة فنية؛ إنه وسيلة لحفظ الذاكرة وقراءة الزمن. وفي تجربته، لا تكتفي الصورة بتسجيل ما تراه العين، وإنما تحفظ تفاصيل قد لا ندرك قيمتها إلا بعد سنوات. وفي هذا الحوار والذي يمثل الحلقة الرابعة والأخيرة من ملف «التصوير في قطر بين الفن والتوثيق والهوية» يتحدث المصور خليفة العبيدلي مدير مهرجان العبيدلي، مدير مهرجان قطر للصورة: «تصوير» عن علاقته بالتصوير، وسباق الكاميرا مع التحولات العمرانية، ودور الصورة في كتابة التاريخ البصري لقطر، وأهمية الأرشيف الفوتوغرافي، وعلاقته بالسفن التقليدية والبحر. وغيرها بما يؤكد أهمية حفظ هذا التراث عن طريق التصوير.
 وتؤكد «العرب» من خلال هذا الملف الثراء الكبير لأرشيف قطر البصري من خلال التنوع سواء في تصوير السماء أو تحت الماء، أو المدن والعمارة أو الإنسان وسرديته وقصته التي مازالت حاضرة من الماضي إلى الحاضر.. وإلى تفاصيل الحوار:
◆ كيف بدأت علاقتك بالتصوير؟
¶ كانت البداية عندما اشترى لي والدي كاميرا وأنا في الصف الخامس الابتدائي، وكانت من نوع «كوداك 110». منذ ذلك الوقت بدأت أصور أجواء العائلة والرحلات والفعاليات التي كنا نشارك فيها. وأستطيع القول إن والدي هو الذي وجهني إلى هذا المجال وشجعني عليه، وهكذا بدأت علاقتي بالكاميرا بصورة عفوية وبسيطة، لكنها تحولت مع الوقت إلى شغف حقيقي.
ومنذ البداية كانت الكاميرا بالنسبة لي وسيلة لحفظ الذاكرة، خصوصا ذاكرة البيت والعائلة والأنشطة التي كنا نقوم بها. في البداية كان التصوير عفويا وفطريا، ثم تحول لاحقا إلى ممارسة أكثر فنية، خصوصا خلال سنوات الجامعة عندما بدأت أتعلم فنيات التصوير وأسس بناء الصورة والتكوين والرؤية البصرية.

نحن في سباق مع الزمن
◆ ما الذي تخشى أن يختفي إذا لم يتم تصويره اليوم؟
¶ هناك أشياء كثيرة يمكن أن تختفي، فنحن نعيش في عالم متغير والتغيير يحدث بسرعة كبيرة. الإنسان نفسه يتغير، كما تتغير المظاهر والعادات من حوله، والأمر نفسه ينطبق على المكان. المباني القديمة تهدم وتظهر مكانها مبان جديدة، ثم تتطور هذه المباني بدورها.
لذلك أرى أن الكاميرا أداة مهمة جدا في توثيق هذه المتغيرات. وكل شخص يستطيع أن يوثق المنطقة التي يعيش فيها، سواء في إطار العائلة، أو العمل أو المهنة أو باعتباره إنسانا يعيش في مكان ويرى التحولات التي تحدث حوله.
ومع تراكم هذه الصور وتسلسلها عبر الزمن، تتحول في النهاية إلى جزء من التاريخ، فعندما يصور الإنسان المكان أو الأشخاص في مراحل زمنية مختلفة، فإنه لا يحفظ لحظة منفردة فحسب، وإنما يستطيع أن يسرد قصة التطور والتحول من خلال سلسلة من الصور.

◆ هل التحول العمراني يجعل المصور في سباق مع الزمن؟
¶ نعم، نحن في سباق مع الزمن، وخصوصا في المناطق القديمة في قطر والدوحة. هناك مبان كثيرة أزيلت وكانت تعكس جانبا مهما من تاريخ العمارة التقليدية والقديمة في قطر.
وعندما نقوم بجولات التصوير في المناطق القديمة، نذهب إلى الأماكن التي كنا نرتادها ونحن صغار، ونرى حجم التغيير الذي حدث فيها خلال عشرين أو ثلاثين أو أربعين عاما. ولم يتغير العمران وحده، بل تغيرت أيضا طبيعة السكان في كثير من الأحياء القديمة.
لذلك نحاول، بقدر المستطاع، أن نوثق هذه المتغيرات، لأن التغيير يحدث يوميا وبصورة مستمرة وسريعة.


الصورة شاهدة على العصر

◆ هل المصور شاهد على عصره أم مؤرخ بطريقة مختلفة؟
¶ المصور، بصراحة، هو شاهد على عصره؛ بعينه وكاميرته يشهد على ما يحدث في الزمن الذي يعيش فيه، ومن خلال هذه الشهادة يؤرخ للتاريخ بطريقة مختلفة.
والصورة دائما تحاكي العقل، بينما الكتابة تحاكي الخيال والوجدان أكثر. عندما يرى الإنسان الصورة بعينه، يبدأ في التفكير فيها واستيعاب ما أمامه مباشرة، بينما تحتاج الكتابة إلى أن يفهم القارئ النص ويتخيل الواقع الذي يصفه الكاتب.
لذلك أرى أن الصورة أكثر وقعا في نقل المعلومة والواقع والحدث، وفي الوقت نفسه في توثيقه. فالجميع يستطيع أن يرى ما هو موجود في الصورة، بينما الكتابة تقوم على السرد، والسرديات قد تختلف باختلاف الأشخاص الذين يروون الواقعة نفسها.

◆ وهل ترى أن الصورة وثيقة تاريخية بالمعنى الحقيقي؟
¶ بالتأكيد. الصورة وثيقة تاريخية مائة في المائة؛ فهي توثق حدثا، أو منظرا أو عادة أو مرحلة من حياة الإنسان. وإذا نظرنا إلى الصور الموجودة في المتاحف، والتي جمعت منذ بدايات التصوير، سنجد أنها توثق حياة الإنسان والاختراعات والأحداث والتحولات المختلفة.
 
 ذاكرة البحر ووجه المدينة
◆ في مشروعك «خط الماء» استخدمت السفن التقليدية في مواجهة العمارة الحديثة. ماذا تمثل لك السفينة؟
¶ أسميت المشروع «خط الماء»، وهو الخط الذي يفصل بين الجزء الموجود فوق سطح الماء والجزء الغاطس تحته.
السفينة التقليدية شاهد على قطر من أكثر من زاوية. الجزء السفلي منها، الغاطس تحت الماء، يحيل إلى عالم الغواص الذي كان يجمع اللؤلؤ ويبحث عن قوت يومه في أعماق البحر ويصارع المخاطر. أما الجزء العلوي من السفينة فيشاهد التغيرات التي تحدث في البحر وما حوله، من تطور العمران إلى تغير حياة الإنسان والتحولات التي شهدها المجتمع.
وعندما نضع السفينة أمام برج حديث، فإننا نضع زمنين أمام بعضهما؛ زمنا كانت فيه السفينة وسيلة للمعيشة والرزق والتنقل والتجارة، وزمنا أصبحت فيه الأبراج رمزا للمدينة الحديثة.
وقد وجدت داخل السفن أشكالا وخطوطا وألوانا شديدة التعبير، لذلك لم أتعامل معها فقط بوصفها موضوعا للتوثيق المباشر، وإنما حاولت أن أوثقها بصورة فنية وتجريدية. أصبحت السفينة بالنسبة لي ليست مجرد قطعة من التراث، وإنما مساحة بصرية تختصر علاقة الإنسان القطري بالبحر والزمن والتحول.

◆ ماذا بقي من البحر في الذاكرة القطرية المعاصرة؟
¶ البحر دائما حاضر في حياتنا. الإنسان القطري وكل من عاش على هذه الأرض كانت له علاقة وثيقة بالبحر، واستمد منه القوة والنشاط والإلهام والأفكار.
البحر ليس فقط لونا أزرق أو أمواجا وامتدادا يلتقي بالسماء، وإنما له حضور عاطفي ونفسي عميق في حياتنا، إلى جانب أدواره الاقتصادية والغذائية والبيئية. علاقتنا بالبحر ليست علاقة مادية فقط، وإنما علاقة وجدانية متجذرة في الذاكرة.
صحيح أن الأجيال الجديدة لم تعاصر حياة الأجداد ودورهم في البحر والغوص، لكن من واجبنا أن نوضح لهم كيف كان البحر جزءا أساسيا من حياتنا. وهنا تأتي أهمية المؤسسات الثقافية، مثل متحف قطر الوطني، في تقديم هذه السيرة منذ بداياتها.

أرشيف قطر البصري
◆ هل لدينا أرشيف فوتوغرافي يكفي لكتابة تاريخ بصري للمجتمع القطري؟
¶ الأرشيف الفوتوغرافي للمجتمع القطري موجود، لكنه ليس موجودا في مكان واحد، هناك أرشيفات موزعة بين المؤسسات والأفراد؛ مؤسسات حكومية لديها أرشيف يتعلق بالنفط، وأخرى لديها مواد توثق التعليم، وهناك أفراد يمتلكون أرشيفات شخصية مهمة جدا.
 المشكلة أن هذه المواد متفرقة، وكل شخص يحافظ على أرشيفه بطريقته الخاصة؛ ولو استطعنا جمع هذه المواد تحت مظلة رقمية واحدة، من دون الحاجة إلى نقل الأصول الأصلية من أصحابها، مع ضمان حقوق كل مصور ومالك للصورة، فسيكون ذلك عملا رائعا يفيد الأرشيف البصري لبلادنا؛ لأننا سنكتشف من خلال هذه الصور تفاصيل وذكريات كثيرة، وسنتمكن من كتابة تاريخ بصري أكثر شمولا للمجتمع.

◆ ما أهمية التصوير الفيلمي اليوم؟
¶ ما زلت أرى التصوير الفيلمي وسيلة مهمة لحفظ الذاكرة. هناك نيجاتيفات زجاجية وأفلام عمرها أكثر من ستين وثمانين عاما وما زالت محفوظة وقابلة للاستخدام.
في المقابل، نحن أمام مشكلة في الأرشيف الرقمي؛ فوسائط التخزين تتغير باستمرار، وهناك مخاطر مرتبطة بتغير التكنولوجيا أو تلف وسائط التخزين أو فقدان البيانات.
 أما الفيلم فتبقى مادته الأصلية موجودة، ويمكن في أي وقت عمل مسح ضوئي لها واستخراج نسخة رقمية عالية الجودة مع الاحتفاظ بالأصل. ولهذا أحرص شخصيا على استخدام الأفلام وما زلت أعمل بها، ولدي كميات كبيرة منها محفوظة في ثلاجة خاصة في المنزل.

الصورة والإنسان
◆ هل توثيق الإنسان أصعب من توثيق المكان؟
¶ تصوير الإنسان فيه قدر من الصعوبة، خصوصا في مجتمع محافظ. عندما تصور شخصا يجب أن يكون لديك مشروع واضح، وأن يعرف الشخص أين ستذهب الصورة ومن سيشاهدها وما الهدف منها.
وعندما ننظر إلى الصور القديمة التي التقطت في قطر خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي، نجد أنها تقدم لنا معلومات اجتماعية مهمة جدا. كانت صور الاستوديوهات تعكس طموحات الناس وآمالهم إلى جانب توثيق أشكالهم وملابسهم.
أما اليوم، فأصبح كل شخص تقريبا يحمل هاتفا مزودا بكاميرا، وهذا غير طبيعة الصورة. والتحدي هو الوصول إلى الصورة الأصلية أو الواقعية التي يمكن أن تصبح وثيقة حقيقية للمستقبل. لذلك تحتاج مشاريع توثيق الإنسان إلى مؤسسات تتبناها وتمنحها المصداقية والثقة.

نحتاج إلى مشاريع لها فكرة
◆ ما الذي يحتاجه التصوير الفوتوغرافي القطري اليوم؟
¶ نحن نحتاج إلى مزيد من المشاريع الفوتوغرافية التي تمتلك فكرة، لأن المشروع يتيح تناول موضوع معين من جوانبه المختلفة.
عندما يقدم المصور سردية حول موضوع من موضوعات المجتمع من خلال سلسلة متكاملة من الأعمال، فإنه لا يقدم صورا منفصلة، وإنما يسلط الضوء على الموضوع ويمنح الجمهور فرصة للتفاعل معه والتفكير فيه. وأحيانا يمكن أن يؤدي هذا التفاعل إلى الوصول إلى حلول إذا كان الموضوع المطروح يحتاج إلى معالجة.
وأعتقد أن السمة التي يمكن أن تميز الحركة التصويرية القطرية هي الجدية والمحافظة والحرفية، وأن تنبع الأعمال من الإنسان نفسه ومن بيئته ومجتمعه، بدل أن تكون مجرد تقليد لاتجاه أو مدرسة موجودة في مكان آخر.

◆ بعد كل ما صورته من بحر وشوارع وسفن وأماكن وناس، ما الذي تشعر أنك لم تستطع تصويره بعد؟
¶ هناك أشياء كثيرة لم أستطع تصويرها بعد، خصوصا مع وجود قيود وتنظيمات جديدة للتصوير. وأنا أتفهم هذه التنظيمات؛ فالقوانين التي تنظم الحقوق الفنية والشخصية تهدف أساسا إلى حماية خصوصية الإنسان والعائلات، وهذا أمر مهم. لكن التصوير الشخصي والفوتوغرافي غير التجاري يحتاج أيضا إلى إطار تنظيمي واضح وميسر يوازن بين حماية خصوصية الناس وإتاحة المجال أمام المصورين لممارسة هوايتهم وتوثيق الحياة من حولهم.
وفي النهاية، ما أحاول القيام به من خلال أرشيفي الشخصي هو توثيق ما أراه من تغيرات، وتسجيل جانب من تجربة الإنسان الذي يعيش هذه المرحلة. فالصورة لا تحفظ لحظة فقط، وإنما يمكن أن تحفظ قصة كاملة عن الإنسان والمكان والزمن.