أكد الدكتور سيف بن على الحجري رئيس مركز لكل ربيع الزراعة ،أن الذكاء الاصطناعي يمثل أحد أكبر التحديات الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة،ومن هنا تبرز الحاجة الملحة لمناقشة أبرز الجوانب الاقتصادية للتقنية مثل تأثيرها على سوق العمل،ولإنتاجية،واستهلاك الموارد،والمنافسة العالمية، جاء ذلك في كلمة القاها في مستهل تقديمه لفعالية تحمل عنوان اخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي عقدت في إطار ندوات ملتقى الخيمة الخضراء الرمضانية، وركزت تلك الفعالية بشكل كبير على البعد الاقتصادي للذكاء الاصطناعي، حيث تناول المتحدثون عدة محاور اقتصادية رئيسية .
في بداية الفعالية، قدم الدكتور أنور فتح الرحمن أحمد دفع الله تحليلاً اقتصادياً عميقاً، موضحاً أن ثورة الذكاء الاصطناعي الحالية مدفوعة بثلاثة عوامل اقتصادية أساسية:توفر كميات هائلة من البيانات (مع الإشارة إلى أن نحو 40% من بيانات تدريب النماذج الكبيرة تأتي من مصدر واحد مثل Reddit). الى جانب تطور الخوارزميات الذكية (مع أمثلة على مسابقات الشركات مثل نتفليكس التي تقدم ملايين الدولارات لأفضل خوارزميات). إضافة الى الحوسبة الفائقة ومراكز البيانات التي تستهلك طاقة تعادل استهلاك دول بأكملها (مثل استهلاك شركة جوجل يقارب استهلاك طاقة الأردن كلها سنوياً، وقطاع مراكز البيانات قد يصل إلى مستوى استهلاك اليابان).
وحذر فتح الرحمن من التكاليف البيئية والاقتصادية الهائلة لهذه الطاقة، وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يهدد بإعادة هيكلة سوق العمل بشكل جذري، حيث يمكن أتمتة معظم المهام الروتينية، مستشهداً بتصريح المدير التنفيذي لشركة Shopify الذي أمر بعدم توظيف أي شخص إلا إذا فشل الذكاء الاصطناعي في أداء المهمة المطلوبة.
واكد المهندس علي فهد الكعبي (من وكالة قطر للأمن السيبراني) أن قطر أصدرت قانون حماية البيانات الشخصية رقم 13 لسنة 2016 مبكراً مقارنة بكثير من دول المنطقة، لكن التحدي الاقتصادي يكمن في مواكبة التطور السريع للذكاء الاصطناعي دون إعاقة الابتكار أو تعريض الاقتصاد الرقمي للمخاطر. وكشف عن إعداد إطار تنظيمي اقتصادي-تقني خلال سنة قريبة لضبط استخدام الذكاء الاصطناعي في البنية التحتية الحيوية.
وربط الدكتور ماجد فرحان إبراهيم الجانب الاقتصادي بالتعليم وسوق العمل، موضحاً أن الأتمتة تقلل المهام الروتينية لكنها ترفع الطلب على مهارات بشرية عالية (الإبداع، الحكم الأخلاقي، فهم السياق الثقافي)، محذراً من أن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى تآكل القدرات البشرية الاقتصادية طويلة الأمد.
واشارت هناء سعيد (باحثة ومحامية) إلى البعد الاقتصادي لنقص الخبراء العرب في مجال حماية البيانات والذكاء الاصطناعي، معتبرة أن هذا النقص يعيق بناء اقتصاد رقمي تنافسي، وطالبت باستثمار في التأهيل القانوني-الرقمي المزدوج لخلق فرص عمل متخصصة وتقليل الاعتماد على الخبرات الأجنبية.
وقال المهندس حمد صوالي أبو بكر : أن عدم احترام حقوق الإنسان والعدالة في تصميم الأنظمة يمكن أن يؤدي إلى خسائر اقتصادية واجتماعية كبيرة، خاصة في سياقات التوظيف والخدمات المالية.
بينما ركزت مرفة إبراهيم على الجانب الاقتصادي الاجتماعي، موضحة أن الذكاء الاصطناعي يفتح فرص تمكين اقتصادي لذوي الإعاقة عبر برامج مجانية (Be My Eyes، Seeing AI)، لكنها حذرت من أن ارتفاع تكلفة بعض التقنيات وعدم دعم اللغة العربية يحد من الانتشار في الأسواق الناشئة، مطالبة بدعم اقتصادي حكومي لتطوير حلول عربية.
وتناول الدكتور عمر شعلان التأثير الاقتصادي على صناعة الإعلام، محذراً من أن إنتاج الأخبار الكاذبة والديب فيك بتكلفة منخفضة يهدد مصداقية الإعلام التجاري وقيمته الاقتصادية.
وابرز الدكتور ماهر الملاح الجانب الاقتصادي الإيجابي في صناعة المحتوى البصري، حيث أصبح إنتاج فيلم عالي الجودة (180 دقيقة) يكلف 180 دولاراً فقط عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، مقابل ملايين سابقاً، لكنه حذر من خطر الاحتكار المعرفي الذي قد يسيطر على صناعات إبداعية بأكملها إذا لم يتم دعم البحث المحلي.
في الختام، أصدرت الخيمة الخضراء بياناً يلخص الرؤية الاقتصادية: الذكاء الاصطناعي يحسن الإنتاجية ويسرع الابتكار، لكنه يهدد بفقدان وظائف، تحيز اقتصادي، استهلاك موارد هائل، ومنافسة تقنية شرسة. التوصيات الرئيسية شملت:وضع أطر قانونية واقتصادية صارمة تحمي السوق المحلي. الاستثمار في البحث والتطوير المحلي لتجنب الاحتكار. إعادة تأهيل القوى العاملة و تخضير المهن . تعزيز الشفافية للحفاظ على الثقة الاقتصادية. تحقيق توازن بين الكفاءة الاقتصادية والقيم الإنسانية والبيئية.
الندوة أكدت أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية، بل تحول اقتصادي كبير يتطلب حوكمة ذكية لتحويله إلى فرصة تنمية مستدامة بدلاً من تهديد.