

قال فضيلة الشيخ عبدالله محمد النعمة خلال خطبة الجمعة التي ألقاها بجامع الإمام محمد بن عبد الوهاب: لقد اقتضت حكمة الله تعالى واتصافه بصفات المغفرة والرحمة والعفو، أن يقع العباد في الذنوب والمعاصي والآثام، ثم يرجعون إلى الله مقبلين تائبين متحسرين نادمين فيغفر لهم، ويتجاوز عنهم بمنه وكرمه وإحسانه سبحانه وتعالى.
وأضاف: من ذا الذي لم تصدر منه زلة ولم تقع منه هفوة ولم يقع في معصية وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم طبيعة العبد وخلقته، فد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيعفر لهم" وعند الترمذي وأحمد قال صلى الله عليه وسلم "كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون".
وأكد الخطيب أن من أعظم نعم الله تعالى على عباده أن يفتح لهم باب التوبة وجعلها فجرا صادقا ومنطلا جديدا تبدأ به رحلة العودة إلى الله تعالى، وسلوك صراطه المستقيم، ومن فضل الله على عبده التائب إليه المنكسر بين يديه حين يبل عليه فيقبل توبته ويعافى من الذنوب والخطايا، جاء في حديث ابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "التائب من الذنب كمن لا ذنب له"، قال ابن القيم في شرح الحديث "فمن لقيه تائبا توبة نصوحا، لم يعذبه مما تاب منه" وليس هذا فحسب بل إن الله تعالى بكرمه وفضله يبدل السيئات بعد التوبة إلى حسنات "إلا من تا بوآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكانالله غفورا رحيما".
وذكر الشيخ عبدالله النعمة أن التوبة النصوح من كمال الإيمان وحسن الإسلام تذهب الضيق من الصدر وتزيل الهم من النفس وتفتح للتائب سعة رحمة الله تعالى، روى الطبراني عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أحدنا يذنب، قال: يكتب عليه، قال: ثم يستغفر منه ويتوب، قال: يغفر له ويتاب عليه، قال: فيعود فيذنب، قال: يكتب عليه، قال ثم يستغفر منه ويتوب، قال: يغفر له ويتاب عليه، ولا يمل الله حتى تملوا".
ونوه الخطيب: لقد حجب كثيرا من الناس عن التوبة طول الأمل، وغرهم التسويف والإمهال ونسوا أنالأعمار بيد الله تعالى، "وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت"، قال الحسب البصري -رحمه الله- "إن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا بغير توبة، يقول أحدهم: إني أحسن الظن بالله، وكذب! لو أحسن الظن لأحسن العمل". فاتق الله أخي المسلم واعلم أن جهاد النفس طويل وشاق، محفوف بالمكاره ولاصعابن فعليك بالسير إلى الله سبحانه في ركاب التائبين حتى تحط رجلك في جنات النعيم، قف بباب الله تعالى خاضعا ذليلا وارفع إليه يديك منكسرا منيبا وادعه راجيا تائبا.
إلهي لا تعذبي فإني مقر بالذي قد كان مني
وما لي حيلة إلا رجائي وعفوك إن عفوت وحسن ظني
وكم من زلة لي في الخطايا وأنت علي ذو فضل ومنّة
وأبشر بالغفران من الله سبحانه كما وعد عباده التائبين المستغفرين فإنه تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها.
فاتقوا الله عباد الله واعلموا رحمكم الله أن التوبة إلى الله سبحانه سبب لمحبته ورضاه عن العبد وقبوله له، ولين يغفر الذنوب إلا الله ولن ينجي أحدا عمله إلا برحمة من الله وفضل وكلنا أصحاب ذنوب وخطايا ليس منا من هو معصوم من الزلل والخطأ ولكن خيرنا من يسارع غلى التوبة ويبادر بالعودة إلى الله تعالى تحثه الخطى وتسرع به الدمعة ويقوده الخوف من الله تعالى ويعينه أهل الخير والرفقة الصالحة.
وأردف: ولقبول التوبة شروط عرفت من استقراء نصوص كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن تلك الشروط: أن تكون التوبة خالصة لوجه الله تعالى، فلا يراد بها الدنيا أو مدح الناس وثناؤهمن ثم الإقلاع عن المعصية، ثم الندم على فعلها، مع العزم على عدم العودة إليها، ثم إرجاع الحقوق إلى أصحابها، إن كانت المعصية حقوقا للآخرين، وأن تكون التوبة قبل طلوع الشمس من مغربها، وقبل حضور الموت.
ولفت الشيخ عبدالنعمة أن من علامات صحة التوبة: أن يكون العبد بعد التوبة خيرا منه قبلها؛ فيكثر من عمل الصالحات، ومصاحبة أهل الصلاح، ويحرص على ترك المعاصي والسيئات، والابتعاد عن أهل الزيغ والانحراف، وأن يكون ا لخوف مصاحبا له فلا يأمن من مكر الله.