

انطلقت أمس أعمال مؤتمر «الذكاء الاصطناعي وخصائص اللغة العربية»، الذي ينظّمه معجم الدوحة التاريخي للغة العربية بالتعاون مع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وذلك عقب اختتام حفل اكتمال معجم الدوحة التاريخي للغة العربية. وبدأت الجلسات العلمية بمشاركة نخبة من الباحثين واللسانيين والمتخصصين في الذكاء الاصطناعي والمعالجة الآلية للغة العربية من جامعات ومراكز بحثية عربية ودولية، وتواصلت أعمال المؤتمر على امتداد اليوم عبر جلسات علمية متتابعة ومتوازية، قبل أن تُختتم أعمال اليوم الأول في الساعة السادسة مساءً.
ويأتي هذا المؤتمر في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها مجال الذكاء الاصطناعي، وما يثيره من أسئلة علمية ومنهجية تتعلّق بمكانة اللغة العربية في النماذج اللغوية المعاصرة، وبمدى قدرة هذه النماذج على تمثيل خصائصها اللسانية والدلالية والثقافية تمثيلًا دقيقًا.
استُهلّت أعمال اليوم الأول بجلسة افتتاحية ترأسها عبد المنعم حرفان، خُصّصت لتأطير الإشكاليات الكبرى التي يتناولها المؤتمر، وتسليط الضوء على أهمية الربط بين البحث اللساني العربي وتطوّر تقنيات الذكاء الاصطناعي، ولا سيما في ظل الحاجة المتزايدة إلى موارد لغوية موثوقة تُسهم في تطوير النماذج اللغوية العربية.
الأسس اللسانية
أعقب الجلسة الافتتاحية جلسة خاصة بمعجم الدوحة التاريخي للغة العربية، ترأسها عبد العلي الودغيري، وركّزت مداخلاتها على الأسس اللسانية والمعرفية التي يقوم عليها المعجم، وعلى إسهاماته في إعادة بناء الفهم التاريخي للمعنى واللفظ في العربية.
وقدّم الدكتور عبد الكريم جبل أستاذ العلوم اللغوية في جامعة طنطا بمصر، مداخلة بعنوان فقه اللغة في معجم الدوحة التاريخي للغة العربية وتناول فيها فقه الدلالة وتحولات المعنى، مبرزًا دور الشاهد التاريخي في نقض عدد من الأوهام الشائعة في الفهم اللغوي.
كما تناول البحث ما يوفره المعجم من معلومات معجمية تتيح للدارس أن يسجل حركية الدلالة عبر الزمن.
كما ناقش الدكتور محمد الخطيب أستاذ اللغويات بجامعة الأزهر وخبير لغوي مشارك في المعجم، بنية الشاهد ومنهج التوثيق، مسلطًا الضوء على المعايير المعتمدة في صيانة النصوص داخل المعجم وهي حرمة الشاهد المعجمي فالنص يصان من التحريف، وثانيها حوكم الدلالة فلا يتم التعامل مع معجم ساكن بل مع لغة تجري في الزمن، بالإضافة إلى الحياد العلمي.
وتناول الدكتور رشيد بلحبيب رئيس اللجنة العلمية في معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، قضايا الإحياء والتفصيح في ضوء معطيات المعجم، في حين قدّم حسن حمزة قراءة مقارنة بين معجم الدوحة والمعجم الفرنسي التاريخي من حيث منهج تأريخ اللغة.
كما رصد انتقال معجم الدوحة من مجرد أداة بحث إلى موضوع للبحث نفسه إذ كشف بعد اكتماله عن إمكانات بحثية واسعة ومشاريع علمية جديدة أسهمت في مراجعة كثير من المسلمات اللغوية.
التطبيقات الذكية
وشهد اليوم الأول انعقاد الجلسة الأولى بعنوان «بيانات معجم الدوحة التاريخي للغة العربية في خدمة الذكاء الاصطناعي»، برئاسة محمد محمود أحمد محجوب، حيث ناقشت الجلسة إمكانات توظيف البيانات المعجمية التاريخية في تطوير التطبيقات الذكية والنماذج اللغوية العربية.
وتناول عزّ الدين البوشيخي المدير التنفيذي لمعجم الدوحة التاريخي، ومحمد بباه، رئيس وحدة الحوسبة في معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، ويحيى الحاج، ومحمد رقاس خبير حاسوبي في معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، دور بيانات المعجم موردًا لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي العربي حيث أكد البحث أهمية بيانات معجم الدوحة في تطوير الذكاء الاصطناعي العربي إذ توفر 300 ألف مدخل معجمي ومدونة نصية تقارب المليار كلمة.
الموارد المعجمية
كما قدّم الدكتور محمد العبيدي رئيس وحدة الببلوغرافيا والمدونة في معجم الدوحة التاريخي للغة العربية، مداخلة حول تعزيز المحتوى الرقمي العربي بالموارد المعجمية في عصر الذكاء الاصطناعي، متخذًا من معجم الدوحة نموذجًا.
وناقش سامر الرشواني مع سمية الطنبولي تطوير خادم للذكاء الاصطناعي معزّز ببيانات المعجم لفهم أدق للنصوص القرآنية والحديث النبوي.
في حين عرض أمين بن نجي وحسن كيسان دراسة تقييمية للمعرفة المعجمية في النماذج اللغوية العربية في ضوء بيانات المعجم.
وفي الفترة المسائية، عُقدت جلسات موازية، من بينها الجلسة الثانية بعنوان «الخصائص اللسانية للعربية وعلاقتها بالنمذجة الآلية»، برئاسة مهدي عرار.
الإطار المعرفي
وتناولت مداخلاتها العلاقة بين البنية اللغوية العربية والنماذج الحاسوبية، حيث ناقش الدكتور محمد غاليم الأستاذ بجامعة محمد الخامس بالمغرب الإطار المعرفي للذكاء الاصطناعي وخصائص العربية، مشيرا إلى التضافر الحيوي المثمر الذي يجب أن يقوم في المجال العربي بين الذكاء الاصطناعي ومقتضيات بناء نماذجه من جهة واللسانيات المعرفية وما تكشف عنه من بنيات وخصائص كلية في نسق اللغة العربية من جهة ثانية.
وتطرّق الدكتور محمد أمين أستاذ اللسانيات بجامعة مولاي إسماعيل المدرسة العليا للأساتذة، إلى الخصائص التركيبية ومعالجتها آليًا.
كما تناول محمد ابن سفاج باحث دكتوراه، أثر العدول عن الرتبة الأصلية للكلمة في عمليات التشكيل الآلي، حيث اقترح نموذجا يجمع يظهر قوة المحولات الإحصائية ودقة الأنظمة القاعدية لتطوير معالجة أكثر كفاءة للغة العربية.
تطبيقات عربية
بالتوازي، انعقدت الجلسة الثالثة بعنوان «تطبيقات عربية في أداء نماذج الذكاء الاصطناعي»، برئاسة محمد رقاس، حيث ركّزت أوراقها على تقييم أداء النماذج اللغوية في معالجة العربية بمستوياتها المختلفة.
وقدّمت الدكتورة لمياء هدريش بلغيث الأستاذة بجامعة صفاقس، دراسة حول تحليل الآراء في العربية الدارجة في عصر الذكاء الاصطناعي بين التعقيد اللغوي والتحديات التقنية.
بينما تناول سليمان بن سالم الشهري الأستاذ بجامعة الامام محمد بن سعود، أداء النماذج التوليدية في تمثيل الأمثال الشعبية الخليجية من خلال قراءة تحليلية في المعنى والأسلوب والهوية.
كما ناقش الباحث الجزائري الدكتور نصر الدين مزاري أثر الثنائية اللغوية (الفصحى والعامية) في فهم العربية لدى النماذج الذكية، وقدّم عبد الحميد صبار دراسة تجريبية في تحليل المشاعر للهجات العربية.
تميّزت جلسات اليوم الأول بنقاشات علمية معمّقة، عكست تنوّع المقاربات بين اللسانيات النظرية واللسانيات الحاسوبية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وأبرزت الحاجة إلى تعزيز التكامل بين الباحثين في اللغة العربية ومطوّري النماذج الذكية، بما يضمن تمثيلًا أدق لخصائص العربية في النظم الحاسوبية المعاصرة.
تعزيز التكامل
وعكست المداخلات والأسئلة المطروحة اهتمامًا واضحًا بتعزيز التكامل بين البحث اللساني العربي والتطوير الحاسوبي، والتأكيد على أن بناء ذكاء اصطناعي عربي فعّال يقتضي توفير موارد لغوية تاريخية موثوقة، وفهمًا عميقًا للبنية اللسانية العربية، واستثمار البحث العلمي في صياغة مقاربات تراعي الخصوصيات اللغوية والثقافية، وتسهم في توسيع حضور العربية في مجالات البحث والتطوير المعاصر.
ومن المقرّر أن تتواصل أعمال المؤتمر اليوم، بمناقشة المحاولات العربية في بناء النماذج اللغوية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم والترجمة، والسياقات الثقافية والمعرفية للنماذج الذكية.