تتنامى ظاهرة انتشار سلع ومواد مقلدة في السوق المحلي مصدرها في الغالب دول آسيوية، ما يؤدي إلى تكبد الدولة والموردين لخسائر، بخلاف تعريض حياة المستهلك للخطر جراء استخدام هذه المنتجات، رغم الجهود المبذولة من قبل الجهات المعنية.
وفي أول عملية نفذت في الشرق الأوسط لمكافحة الاتجار بالسلع غير المشروعة والمقلدة بتنسيق من الإنتربول في مارس 2014، شملت أكثر من 600 مداهمة لمحلات تجارية وأسواق ومتاجر بيع بالتجزئة في مختلف أرجاء قطر، تم ضبط نحو 140 ألف سلعة مقلدة، ووضع 147 شخصاً قيد التحقيق.
الغش تجارة مربحة
يقول عبد العزيز عبد الرحيم العمادي، النائب السابق لرئيس غرفة تجارة وصناعة قطر، لـ لوسيل : إن ظاهرة الغش التجاري تجارة تعتمد عليها شركات ومؤسسات كبيرة منتشرة في الدول الآسيوية الصناعية والنامية بقيادة الصين التي تحتل المرتبة الأولى كمصدر للعلامات التجارية المقلدة.
ويضيف أن دولاً مثل ماليزيا وإندونيسيا وتايوان والصين تعتبر فيها التجارة الإلكترونية المقلدة منظمة ورائجة على نطاق واسع، وتعد مصدرا رئيسيا يعتمد عليه كثير من التجار المتعاملين بالبضائع المقلدة.
وخلال الربع الثالث من العام الماضي، سجلت قيمة واردات الدولة 28.3 مليار ريال، بارتفاع قدره 1.1 مليار ريال عن نفس الفترة من عام 2014، وبانخفاض قدره مليار ريال عن الربع الثاني من العام الماضي، بحسب بيانات صادرة عن وزارة التخطيط التنموي والإحصاء في نوفمبر.
واحتلت مجموعة دول آسيا المركز الأول بنسبة 34% من الواردات القطرية، وكانت الصين المصدر الرئيسي لتلك الواردات بقيمة 3.9 مليار ريال، تليها اليابان، بقيمة 1.7 مليار، ثم الهند بقيمة 1.1 مليار ريال.
يرى خبراء أن الأرباح الطائلة التي تحققها تجارة السلع المقلدة تكون على حساب جيوب الوكلاء المعتمدين في الدولة، وصحة جمهور المستهلكين.
يتابع العمادي: ظاهرة الغش والتقليد التجاريين تهدد المستهلكين وأصحاب العلامات التجارية وأطرافا أخرى، وتعمل على طرد الاستثمار الأجنبي، كما أنها تقوض الإنفاق على الابتكار والتطوير .
ولا يوجد إحصاء رسمي معلن بشأن خسائر السوق القطري جراء انتشار تلك التجارة، إلا أن التقديرات غير الرسمية المعلنة تشير إلى أنها تقدر بأكثر من 400 مليون ريال سنوياً.
طرق غير مشروعة
تتنوع الطرق التي يتم بها إدخال تلك المنتجات إلى السوق، لكن تظل عملية التهريب عبر المنافذ الجمركية المختلفة الوسيلة الأبرز منها.
يشرح الخبير الجمركي غالب الصرايرة، لـ لوسيل طرق وأسباب انتشار ظاهرة الغش التجاري، بقوله: التهريب والتحايل على القانون أبرز طرق وصول هذه السلع إلى السوق المحلي .
ويضيف: إن غياب القدرات الفنية المؤهلة للتعامل مع هذه الظاهرة، بالإضافة إلى استحداث أطراف تلك التجارة والمهربين لطرق جديدة ومبتكرة تمكن هذه السلع من تجاوز كافة المراحل المتعلقة بالتفتيش والتدقيق في المنافذ الجمركية والحدودية.
وبحسب التقرير السنوي الصادر عن المكتب الإقليمي لتبادل المعلومات في الشرق الأوسط (ريلو) لعام 2014، فإن عدد ضبطيات الغش التجاري التي تمكنت جمارك قطر من ضبطها بلغ 459 من إجمالي 1066 ضبطية، أي أنها مثلت نسبة 43% منها.
واحتل الغش التجاري المرتبة الأولى في الضبطيات لعام 2014 وبلغت نسبتها نحو 45% من إجمالي الضبطيات خلال النصف الأول من نفس العام، وفقاً لإحصاءات هيئة الجمارك.
الصرايرة الذي شغل منصب المدير العام للجمارك الأردنية سابقا يطالب بضرورة تعزيز منظومة المختبرات المتخصصة لدى الجهات الرقابية المعنية وتزويدها بأحدث الأجهزة التي من شأنها الكشف عن جودة ما يتم استيراده من قبل التجار بدقة عالية وسرعة كبيرة لضمان جودة المنتج، بالتالي الحفاظ على سلامة المستهلك.
رواج قطع الغيار المغشوشة
وبحسب تقديرات لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية فإن نحو 12 مليار دولار من عمليات التقليد الدولية لها صلة بقطاع صناعة السيارات، وتقدّر قيمة تلك العمليات في منطقة الشرق الأوسط وحدها، بنحو مليار دولار.
حمادة شحاتة - تاجر قطع غيار سيارات- يقول لـ لوسيل : إن قطع غيار السيارات المقلدة في السوق تحظى برواج كبير، خصوصا في المركبات ذات المنشأ الياباني والألماني، نظرا لارتفاع أسعار القطع الأصلية مقارنة مع المقلد.
يضيف: الإقبال على قطع الغيار المقلدة للسيارات الكورية متواضع نظراً للفارق البسيط في الأسعار بين الأصلي والمقلد في السوق، وهناك محال تجارية مرخصة ومنتشرة في أماكن مختلفة تتعامل بشكل واضح وصريح بقطع الغيار المقلدة وعند قدوم المستهلك للشراء يخير ما بين الاثنين .
وتشترط شؤون المواصفات والتقييس بوزارة البلدية والبيئة، توافر عدة أمور تم العمل بها منذ منتصف سبتمبر لعام 2011 في مجال استيراد وبيع قطع غيار السيارات، أبرزها عدم استيراد إطارات السيارات بصفة عامة إلا بمصاحبة شهادة مطابقة خليجية.
وتحظر المواصفات والتقييس استيراد بعض قطع غيار الأطواق (الرنجات)، وتيل الفرامل (السفايف)، وأحزمة الأمان، إلا إذا كانت مصحوبة بشهادة مطابقة صادرة من جهة معتمدة من بلد المنشأ تثبت مطابقتها للمواصفات القياسية القطرية المعتمدة.
ويعد تداول قطع غيار سيارات مقلدة واحداً من أبرز أسباب ارتفاع معدلات حوادث الطرق.
وزاد معدل حالات الوفاة والإصابات الناجمة عن الحوادث المرورية في شوارع قطر بنسبة 40% خلال الفترة بين عامي 2009 إلى 2014، بحسب تقرير المجموعة الإحصائية السنوية الخاص بالأمن والقضاء لعام 2014.
ووفقا للتقرير الذي أصدرته التخطيط ، نهاية ديسمبر الماضي، بلغ إجمالي عدد المتوفين والمصابين في الحوادث المرورية خلال العام قبل الماضي نحو 7714 شخصا، مقابل 4653 شخصا في عام 2009.
كانت دراسة استندت إلى نموذج عالمي عرف باسم رأس المال البشري ، أجراها مركز دراسات السلامة المرورية في جامعة قطر، أوضحت أن تكلفة الحوادث المرورية في قطر خلال عام 2007 فقط بلغت نحو 2.5 مليار ريال، وصولاً إلى 3.2 مليار ريال بحلول عام 2012، أي ما يقارب 2.7% من الناتج المحلي الإجمالي سنوياً.
مواد ومستلزمات بناء رديئة
المهندس عبد الله الباكر، عضو مجلس إدارة جمعية المهندسين القطرية، رئيس الرابطة المعمارية، يقول لـ لوسيل : إن سوق مواد البناء يشهد منذ فترة انتشاراً لمواد ومستلزمات رديئة الجودة يتم استيرادها من الخارج تقدر نسبتها بنحو 15% من إجمالي حجم السوق.
وتقدر قيمة مشاريع البناء في قطر بنحو 280 مليار دولار، موزعة على قطاعات تطوير المباني بقيمة 136 مليار دولار، والبنية التحتية بـ 103 مليارات دولار، والطاقة بـ 40 مليار دولار، بحسب إحصاءات نظام رصد مشاريع الإنشاءات في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
ويوضح الباكر أن غالبية هذه المواد تشمل أصنافا عدة، أبرزها مواد التشطيبات والكابلات الكهربائية، والسيراميك والبورسلين، وتأتي من الخارج، مقارنة بالمواد الأساسية المصنع معظمها محلياً وتتمتع بجودة عالية، حسب تعبيره.
وتمكنت إدارة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد والتجارة، خلال الفترة من أكتوبر 2013 إلى أكتوبر الماضي، من ضبط أكثر من 19 ألف مادة مقلدة ومغشوشة تروج لها 6 شركات تختص بتوزيع مواد البناء بالمخالفة لقانون حماية المستهلك رقم (8) لسنة 2008.
ويحَمِّل الباكر كلا من المستورد والتاجر الذي يروج لمثل هذه المواد مسؤولية تنامي هذه المشكلة، قائلاً: كلاهما يسعى دائماً وراء الربح المادي الذي يكون على حساب جودة المنتجات المباعة .
تاجر مواد للبناء بمنطقة أم غويلينة - طلب عدم نشر اسمه بحجة أن هذا عمله الذي يعيش عليه - أكد لـ لوسيل ، أن أرباحه من تجارة المواد والمستلزمات المقلدة تفوق مثيلتها الأصلية، نتيجة رخص أسعارها وملاءمتها لكثير من المستهلكين الذين يطلبونها.
ومن جهته يشدد أحمد العروقي، المدير العام لشركة روتس العقارية، على ضرورة التزام المقاول والاستشاري بالحيطة والحذر، في اختيار مواد البناء الرئيسية أو مواد ومستلزمات التشطيب المختلفة، التي يقول إن معظم عمليات التقليد والغش تحدث فيها.
وتوقع سعادة الشيخ أحمد بن جاسم آل ثاني، وزير الاقتصاد والتجارة، في تصريحات العام الماضي، أن تشهد صناعة مواد البناء في قطر نشاطاً ملحوظاً، لإنجاز مشاريع البنية التحتية الضخمة، وقدر عدد الشركات المتخصصة في صناعة مواد البناء بنحو 432 شركة، بحجم استثمار يقارب 10.4 مليار دولار، وحجم توظيف يبلغ 36.4 ألف شخص.
الإنترنت وسيلة ترويج
لم يعد ترويج المنتجات المقلدة مقتصراً على المحال والأسواق التجارية، بل امتد إلى وسائل التواصل الاجتماعي والعديد من التطبيقات الخاصة بتقديم الخدمات من خلال شبكة الإنترنت.
وتعتبر مواد التجميل والإكسسوارات الرجالية والنسائية، بالإضافة إلى أدوية وعقاقير تتعلق معظمها بعلاج الضعف الجنسي عند الرجال، من أبرز المواد التي يتم ترويجها عبر هذه المواقع والمنتديات.
الرقابة مطلب ضروري
يحذر المهندس أحمد الجولو، رئيس مجلس إدارة جمعية المهندسين القطرية، من خطورة عدم التصدي لظاهرة انتشار مواد وسلع مقلدة في الدولة.
ويؤكد الجولو لـ لوسيل أن الرقابة مطلوبة لتحجيم هذا الظاهرة التي قال إنها باتت مقلقة لكثير من البلدان الخليجية لضمان منعها من الانتشار والتنامي.
ووفقاً للأرقام المتداولة إعلامياً بشأن الظاهرة، تتجاوز القيمة الإجمالية لتجارة المنتجات المقلّدة والمغشوشة مليارات الدولارات عالميًا بحيث قدّرت بنحو 600 مليار دولار سنويًا منها 50 مليار دولار بالدول العربية، كما يبلغ حجم الغشّ التجاري في منطقة الخليج ما يزيد على 9 مليارات دولار سنويًا.
ويتوقع خبراء وجود خطورة متزايدة جراء عدم التصدي بشكل كاف لهذه التجارة، التي حملوا المستوردين المسؤولية الكاملة عن انتشارها في السوق.
ذلك ما لفت إليه المهندس شادي حسن، المدير الإقليمي لتطوير الأعمال بشركة كويك وينز للاستشارات، قائلا لـ لوسيل : إن المستهلك في بعض الأحيان يجد صعوبة في العثور على المنتج الأصلي عالي الجودة، إما لعدم توافره أو لارتفاع سعره بشكل مبالغ فيه نتيجة عملية الاحتكار التي يشهدها السوق من خلال المستوردين والوكلاء الحصريين الذين يضعون هامش ربح مرتفعاً، فتصبح المواد رديئة الجودة والمقلدة هي الحل الأفضل بالنسبة له.
وفي سبتمبر الماضي، أصدرت الهيئة العامة للمواصفات والتقييس دليلين لإجراءات السلع والمنتجات المقيدة، وإجراءات شهادة المطابقة القطرية للمنتجات الإنشائية، يوضحان الإجراءات الواجب اتباعها والمتطلبات الواجب توفرها للإفراج عن تلك السلع عند ورودها لمنافذ الدولة.
لا مانع من تشديد العقوبات
شيخة الجفيري، رئيس اللجنة القانونية في المجلس البلدي المركزي، تقول لـ لوسيل في تقييمها للعقوبات الواردة في قانون حماية المستهلك رقم 8 لسنة 2008، بشأن تجارة المواد المقلدة: أراها كافية وإن كان لابد من تغليظها فلا مانع، خاصة أن الأمر يرتبط بتهديد مباشر لأرواح وسلامة المواطنين .
وتضيف: عقوبات أي تجارة غير مشروعة تشكل خطراً على حياة الناس بشكل عام يجب أن تكون رادعة، منعاً لانتشارها وتناميها في أرجاء الدولة على حساب صحة وسلامة الجمهور.
وتؤكد إدارة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد والتجارة، بصفة مستمرة في البيانات الصحفية المرفقة بالضبطيات، أنها ستكون حازمة في وجه كل من يتهاون في القيام بالتزاماته بقانون حماية المستهلك ولائحته التنفيذية، وستكثف حملاتها التفتيشية لضبط مثل هذه الممارسات، وإحالة كل من يخالف القوانين والقرارات الوزارية إلى الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات المناسبة ضده، حمايةً لحقوق المستهلكين.
وتمكنت الإدارة من ضبط 17910 سلع مقلدة ومغشوشة في عدد من المحال والشركات خلال حملات تفتيشية نفذتها خلال العام الماضي.
سياسة فاعلة من الدولة
آراء المواطنين حول الظاهرة اتفقت على خطورة انتشارها في السوق، وطالبوا بضرورة انتهاج الدولة لسياسات فاعلة قادرة على الحد من تنامي السلع والمنتجات المقلدة والمغشوشة.
خالد محمد، يقول لـ لوسيل : إن هناك زيادة ملحوظة في المنتجات المقلدة التي يتم ترويجها في العديد من المناطق، بشكل لا يمكن إنكاره أو تجاهله.
يضيف: المسؤولون المعنيون بمواجهة هذه المشكلة مطالبون بتكثيف جهودهم، واستحداث نظم جديدة تستطيع مجابهة طرق ترويج هذه السلع .
ويقول عبد الرحمن المري: إنه على الرغم من الحملات والجولات التفتيشية التي تنظمها الأجهزة المختصة في الدولة، إلا أن المشكلة لا تزال قائمة وتشهد انتشاراً طال كافة السلع والمنتجات.
ويخشى المري، من تسرب أصناف رديئة من المنتجات التي تشكل تهديداً على صحة المستهلك، إلى السوق في ظل غياب الخطط اللازمة لاحتواء هذا الخطر.
