رمضان في ملاعب أوروبا.. حين يصوم المحترف وتتكيف الكرة

alarab
رمضان في ملاعب أوروبا.. حين يصوم المحترف وتتكيف الكرة
رياضة 21 فبراير 2026 , 04:40م
العرب | الدوحة

مع اقتراب موعد الغروب في إحدى أمسيات الدوري الإنجليزي، لا ينشغل بعض اللاعبين فقط بخطة المدرب أو ضغط الجماهير، بل بعقارب الساعة أيضاً. دقائق قليلة تفصلهم عن الأذان… لحظة ماء وتمر قد تغيّر أداء شوط كامل. هنا تبدأ قصة مختلفة في كرة القدم الأوروبية؛ قصة المحترفين المسلمين في شهر رمضان.

لم يعد الصيام حدثاً استثنائياً داخل الملاعب الأوروبية كما كان قبل سنوات. أعداد اللاعبين المسلمين في تصاعد، من محمد صلاح في ليفربول، وإبراهيما كوناتي، وويسلي فوفانا، ونصير مزراوي، وإدريسا غانا غاي، وإسماعيلا سار، وبابي ماتار سار، وإيف بيسوما، وأمادو أونانا، وبوبكر كامارا، ويانكوبا مينتيه، وهانيبال المجبري، وصولاً إلى طارق لامبتي وغيرهم من الأسماء المنتشرة في أغلب الأندية. ومع هذا الحضور الكبير، بدأت كرة القدم نفسها تتكيّف مع رمضان.

التحدي الأول: الجسد والعقد

كرة القدم الحديثة علم دقيق. اللاعب يركض بين 9 و12 كيلومتراً في المباراة الواحدة، ويحتاج إلى ترطيب مستمر وطاقة سريعة. الصيام يعني أكثر من 14 ساعة دون ماء أو غذاء في بعض البلدان الأوروبية، وهو ما يضع اللاعب أمام معادلة صعبة: الالتزام الديني من جهة، والالتزام التعاقدي والبدني من جهة أخرى.

لهذا يغيّر اللاعبون برنامج حياتهم بالكامل.
النوم يصبح على فترتين، والوجبات تُنقل إلى الليل، والتدريبات الصباحية تتحول إلى المساء قدر الإمكان. أخصائيو التغذية في الأندية يضعون برامج خاصة: وجبة سحور غنية بالبروتين والكربوهيدرات البطيئة، ومشروبات أملاح معدنية فور الإفطار، ثم وجبة استشفاء بعد المباراة.

محمد صلاح، مثلاً، اعتاد أن يبدأ الإفطار بالماء والتمر مباشرة على خط التماس إذا صادف موعد الأذان أثناء المباراة، ثم يعود للملعب بعد ثوانٍ. الأمر ذاته شوهد مع مزراوي وأونانا وساليبا في أكثر من مباراة.

تكيف غير مسبوق داخل الملاعب

خلال السنوات الأخيرة حدث تحول واضح في تعامل الأندية والاتحادات مع اللاعبين الصائمين. في إنجلترا تحديداً، بات الحكام يوقفون المباريات لدقائق قصيرة عند وقت المغرب حتى يتمكن اللاعبون المسلمون من الإفطار. لقطة أصبحت مألوفة: الحكم يلتفت إلى ساعته، يطلق الصافرة، اللاعبون المسلمون يتناولون الماء والتمر، ثم تُستأنف المباراة.

المدربون أيضاً غيّروا حساباتهم. بعضهم يقلل الحمل البدني في التدريبات، وبعضهم يبدّل اللاعب الصائم في توقيت مختلف. هناك من يؤخر مشاركته حتى الشوط الثاني حتى يكون قد أفطر، أو يراعي مراكز اللعب الأقل استنزافاً.

الإعلام… من الاستغراب إلى الاحتفاء

قبل عقدين تقريباً كان الصيام يُطرح في الإعلام الأوروبي كسؤال: هل يؤثر سلباً على الأداء؟
اليوم تغيّر الخطاب. أصبحت القنوات الرياضية تخصص تقارير كاملة عن رمضان، وتعرض أجواء الإفطار داخل غرف الملابس، بل وتشرح معنى الصيام للجمهور.

أبرز نقطة تحوّل تعود إلى تجربة المدرب الهولندي روبن فان بيرسي عندما كان مساعداً في فينورد، إذ رفض فكرة إجبار اللاعبين المسلمين على الإفطار واعتبر الصيام خياراً شخصياً يجب احترامه، مؤكداً أن التواصل مع اللاعب وفهمه أهم من فرض التعليمات عليه. هذا الموقف عكس تغيّر العقلية داخل الكرة الأوروبية: من الشك إلى التفهّم.

تأثير روحي ينعكس في الأداء

كثير من اللاعبين يتحدثون عن رمضان باعتباره مصدر هدوء نفسي وتركيز.
بعضهم يؤكد أن الصيام يقلل التوتر ويزيد الانضباط، لأن يوم اللاعب يصبح منظماً بدقة: صلاة، راحة، تدريب، مباراة. إدريسا غاي وصف الشهر سابقاً بأنه "أفضل فترة ذهنية في الموسم"، بينما أشار لاعبون آخرون إلى أنهم يشعرون بطاقة معنوية عالية رغم الإرهاق البدني.

المفارقة أن أرقام عدد من اللاعبين لا تنخفض في رمضان، بل أحياناً ترتفع. فالموضوع لا يتعلق فقط بالطاقة البدنية، بل بالحالة النفسية والانضباط الغذائي والنومي.

غرفة الملابس… مساحة تعايش

في كثير من الأندية الأوروبية، يشارك زملاء اللاعب المسلم أجواء الشهر.
بعض اللاعبين غير المسلمين يؤجلون تناول الطعام احتراماً لزميلهم داخل غرفة الملابس، وآخرون يشاركونه الإفطار بعد المباراة. وفي أكثر من نادٍ تُخصص مائدة إفطار جماعية بعد الحصص المسائية.

هذا التفاعل جعل رمضان مناسبة ثقافية داخل الأندية، لا مجرد عبادة فردية. أصبح فرصة للتعارف وفهم الخلفيات الدينية المختلفة، وهو ما انعكس إيجاباً على الانسجام داخل الفريق.

بين الاحتراف والإيمان

في النهاية، لا يعيش اللاعب المسلم صراعاً بين كرة القدم والدين كما يُتصوَّر أحياناً، بل حالة توازن دقيقة. الاحتراف يفرض التزاماً بدنياً صارماً، والدين يفرض انضباطاً روحياً صارماً أيضاً. واللاعب الناجح هو من يحوّل الاثنين إلى عامل قوة.

رمضان داخل ملاعب أوروبا لم يعد قصة صيام فحسب، بل قصة اندماج ثقافي واحترام متبادل. كرة القدم، التي كانت يوماً ما تخشى اختلاف العادات، أصبحت اليوم تتوقف دقيقة كاملة… فقط ليشرب لاعبٌ ماءه عند الأذان، ثم يعود ليكمل المباراة.