متاحف قطر ومكتب اليونسكو الإقليمي يحتفيان باليوم العالمي لحماية التراث الثقافي المغمور بالمياه

alarab
المزيد 20 أغسطس 2026 , 05:31م
قنا


 احتفت متاحف قطر، بالتعاون مع مكتب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" الإقليمي لدول الخليج واليمن، باليوم العالمي لحماية التراث الثقافي المغمور بالمياه، الذي يوافق الحادي والعشرين من أغسطس من كل عام، بما يعكس الجهود الدولية في تنمية الوعي بالتراث المغمور بالمياه بوصفه جزءا من الإرث الثقافي المشترك للبشرية وذاكرتها الجماعية.

 

ويعكس الحدث الالتزام المشترك لكل من متاحف قطر ومكتب اليونسكو الإقليمي لدول الخليج واليمن بمبادئ اتفاقية عام 2001، التي تمثل إطارا دوليا لحماية التراث الثقافي المغمور بالمياه، فضلا عن التعاون الدولي وتبادل المعارف في مجالي الآثار والتراث الثقافي.

 

وبهذه المناسبة، شهد متحف قطر الوطني اليوم، مؤتمرا بعنوان "التراث الثقافي الساحلي والبحري في قطر"، شارك فيه علماء آثار ومتخصصون في التراث لعرض أبحاثهم حول المشاهد الطبيعية الساحلية في قطر وتقاليدها البحرية ومجتمعاتها التاريخية.

 

وأكد السيد فيصل عبدالله النعيمي مدير إدارة الآثار في متاحف قطر، الحرص على توسيع دائرة فهم ماضي دولة قطر، بالتوازي مع جهود الحفاظ على التراث الثقافي ونشره، من خلال منظومة متكاملة، تسهم في تعميق المعرفة بالموروث الثقافي وإتاحته أمام الجمهور، مع الحفاظ على قيمته للأجيال القادمة، واصفا التراث الساحلي والبحري في الدولة بأنه يمثل ركيزة أساسية في تاريخ البلاد وهويتها المشتركة.

 

وأضاف أن فهم هذا الإرث الفريد والحفاظ عليه يتطلبان مواصلة البحث العلمي، وتعزيز جهود صونه، إلى جانب إشراك الجمهور في التعريف بقيمته وأهميته، وترسيخ فهم أعمق لهذا الإرث وضمان حمايته واستدامته، بما يتيح نقله إلى الأجيال القادمة بوصفه جزءا أصيلا من الذاكرة التاريخية والثقافية لدولة قطر.

 

وتم عقد جلستين، ناقش خلالهما خبراء من إدارة الآثار في متاحف قطر ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو"، البحث والتوثيق والحفظ والإدارة المستدامة للتراث الثقافي المغمور بالمياه، إلى جانب تناول مناهج مستدامة لإدارة التراث الثقافي المغمور بالمياه، مع تحقيق التوازن بين حمايته وصونه، والبحث العلمي حوله والتفاعل المجتمعي معه.

 

وألقت الجلسة الأولى الضوء على اتفاقية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" لحماية التراث الثقافي المغمور بالمياه الصادرة عام 2001، وجهود المنظمة الأممية في حماية هذا النوع من التراث الثقافي.

 

وأكدت السيدة فريدة أبودان القائم بأعمال مدير مكتب اليونسكو الإقليمي لدول الخليج واليمن في الدوحة، أن انضمام دولة قطر إلى اتفاقية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" لحماية التراث الثقافي المغمور بالمياه، يعكس حرص الدولة على حماية تراثها والمحافظة عليه وفق المعايير الدولية المعتمدة.

 

ونوهت بتقدير المنظمة للدور الذي تضطلع به متاحف قطر في مجال الحفاظ على الآثار، والتعاون المشترك في عدد من المشروعات، إلى جانب إطلاق العديد من المبادرات الهادفة إلى تعزيز حماية التراث والتعريف بقيمته.

 

وأوضحت أن اتفاقية حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه، تعد من بين الأطر الدولية التي تتبناها منظمة اليونسكو للحفاظ على الآثار وصونها، مشددة على أهمية العمل الجماعي والتعاون بين مختلف الجهات المعنية، والذي يمكنه المساهمة بصورة فاعلة في الحفاظ على الآثار وضمان استدامتها، بما يكفل صونها ونقلها إلى الأجيال المقبلة.

 

من جانبها، أشادت المهندسة جاودة منصور أخصائية برامج الثقافة في مكتب اليونسكو الإقليمي لدول الخليج واليمن باحتضان دولة قطر، ممثلة في متاحف قطر، لليوم العالمي لحماية التراث الثقافي المغمور بالمياه، والذي تحتفي به اليونسكو هذا العام لأول مرة منذ توقيع اتفاقية اليونسكو بشأن حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه عام 2001، والتي تمثل إطارا دوليا لتعزيز حماية هذا النوع من التراث، الذي يختزن جانبا مهما من ذاكرة الشعوب وتاريخها البحري.

 

وأوضحت أن الاتفاقية تتيح آليات متعددة للتعاون بين الدول في مجال البحث والتنقيب والتوثيق والحفاظ على المواقع الأثرية المغمورة، وأن أبرز الآليات التي توفرها من خلال البعثات الأثرية المغمورة متعددة الأطراف، تبادل الخبرات والمعارف وتطوير الممارسات المهنية في التعامل مع المواقع التراثية تحت الماء، إلى جانب اجتماعات الدول الأطراف والهيئة الاستشارية العلمية والتقنية.

 

وأشارت إلى أن حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه تواجه تحديات متعددة، من بينها الحاجة إلى تطوير القدرات المتخصصة في علم الآثار تحت الماء، وتعزيز أدوات التوثيق والمسح، إلى جانب ضرورة تحقيق التوازن بين إتاحة المواقع للبحث والاستفادة العلمية والثقافية وبين ضمان حمايتها من العبث أو التدهور.

 

وأكدت أن مستقبل حماية التراث المغمور بالمياه يعتمد على التعاون بين الدول والمؤسسات المتخصصة والباحثين، وعلى تطوير الخبرات المحلية والاستفادة من التجارب الدولية، معتبرة أن هذا التراث لا يمثل مجرد بقايا في قاع البحر، وإنما جزء من الذاكرة الإنسانية التي تستحق الحماية والدراسة والتعريف بها.

 

بدورها، أكدت الدكتورة وفاء سليمان الخبيرة في التراث الثقافي المغمور بالمياه في متاحف قطر أن اتفاقية اليونسكو لعام 2001 بشأن حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه، أسهمت في إحداث تحول مهم في مجال الآثار البحرية، من خلال ترسيخ مجموعة من القواعد والمعايير الدولية التي تهدف إلى حماية هذا التراث وتوثيقه ودراسته، وتعزيز التعاون بين الدول في هذا المجال.

 

وأوضحت أن أهمية الاتفاقية تكمن في كونها أرست إطارا قانونيا دوليا ملزما مخصصا لحماية التراث الثقافي المغمور بالمياه، وألزمت الدول الأطراف باتخاذ التدابير التشريعية والإدارية اللازمة لحمايته، إلى جانب تعزيز التعاون الدولي في التعامل مع المواقع والآثار المغمورة، بما يضمن الحفاظ على قيمتها العلمية والتاريخية والثقافية.

 

وشددت على أن مستقبل الآثار المغمورة بالمياه يتطلب تعزيز البحث العلمي والتوثيق والمسح الأثري، وتطوير الكوادر المتخصصة، والاستفادة من التقنيات الحديثة، إلى جانب تفعيل التعاون الدولي، مؤكدة أن حماية هذا التراث لا تعني عزله عن الجمهور، وإنما إتاحة الوصول المسؤول إليه وتوثيقه بوسائل غير تدميرية كلما كان ذلك متوافقا مع مقتضيات الحماية والإدارة السليمة.

 

وأضافت أن حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه لا تعني فقط المحافظة على القطع الأثرية وحطام السفن، وإنما تعني أيضا الحفاظ على المعلومات التاريخية والعلمية التي تحملها هذه المواقع، وتعزيز الوعي المجتمعي بقيمتها، وتطوير قدرات المتخصصين على دراستها وحمايتها.

 

وتناولت الجلسة الثانية من مؤتمر "التراث الثقافي الساحلي والبحري في قطر"، الذي نظمته متاحف قطر بالتعاون مع مكتب اليونسكو الإقليمي لدول الخليج واليمن بمناسبة اليوم العالمي لحماية التراث الثقافي المغمور بالمياه، جهود دولة قطر بشأن حماية وصون مشاهدها الطبيعية الساحلية ومجتمعاتها التاريخية، في إطار حرصها على فهم ماضي البلاد، مع الحفاظ على تراثها الثقافي وتعزيز التوعية بها.

 

وفي هذا السياق، قدم السيد فيصل عبدالله النعيمي مدير إدارة الآثار في متاحف قطر، عرضا تقديميا بعنوان "المساكر في قطر"، تناول خلالها التهديدات التي تواجهها.

 

وأكد أن حجم المساكر وكثرتها على امتداد الساحل القطري، كان يعد ذا تأثير مهم في الاقتصاد الإقليمي خلال أواخر العصر الإسلامي، وليس من المستبعد أن يكون الصيد باستخدام المساكر قد شكل في فترة من الفترات جزءا أساسيا من الاقتصاد المحلي، خاصة في ظل انخفاض الكثافة السكانية قبل تطور صناعة النفط.

 

وقال النعيمي: "ينبغي أن تتناول الدراسات المستقبلية بصورة أكثر دقة بنية الاقتصاد الساحلي والعلاقة الظاهرة بين المساكر والاستقرار الساحلي".

 

وشدد على أهمية إجراء دراسات إثنوغرافية ووثائقية مستقبلا، لتكون أساسا لفهم الإطار الاجتماعي والاقتصادي الذي كانت تعمل ضمنه هذه المصايد، وحتى توفر هذه الدراسات معلومات مهمة حول من كان يبني المساكر ويتولى صيانتها، وحجم الجهد اللازم لبنائها، وكميات الصيد المتوقعة في المواسم المختلفة، وما إذا كان الصيد يحقق فائضا كافيا لدعم تجارة تصديرية.

 

من جانبه، توقف الدكتور فرحان سكل رئيس قسم التنقيب وإدارة المواقع في متاحف قطر عند موقع السيرية الأثري في جنوب غرب قطر الواقع على بعد نحو كيلومتر واحد من الساحل، ويضم بناء يكاد يكون مربع الشكل، يحتمل أن يحتوي فناء مفتوحا، وجرى توثيقه لأول مرة عام 2012 ويرجح أن تاريخه يعود إلى الحقبة الإسلامية.

 

ولفت إلى أن الملامح المعمارية المكتشفة كالغرفة المستطيلة والدعامة الدائرية، توحي بانتماء المبنى إلى الطراز الإسلامي المبكر، وأن إحدى النتائج المرتبطة بارتفاعات منسوب البحر، تعكس أهمية دراسة التحولات الطبيعية التي أسهمت في تشكيل المشهد الأثري للمنطقة، وفهم العلاقة بين التغيرات البيئية والاستقرار البشري عبر العصور.

 

وأكد أن الآثار الطبيعية تواجه اليوم تحديات مرتبطة بمفاهيم التنمية المستدامة، الأمر الذي يستدعي العمل على حمايتها وصونها، بما يضمن استمرارها بوصفها جزءا من التراث الإنساني والطبيعي، مشيرا إلى أن أحد الأطر الدولية التي تتبناها منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" يتمثل في الاتفاقية التي تؤكد أهمية الحفاظ على الآثار وصونها.

 

بدوره، رأى روبرت كارتر الباحث في التراث أن دراسة التراث الثقافي المغمور بالمياه لا تقتصر على البحث عن حطام السفن، وإنما تشمل أيضا فهم ما كان الناس يفعلونه تحت الماء في الماضي، وفي مقدمة ذلك صيد اللؤلؤ.

 

وأشار إلى أن قطر ظلت مرتبطة بالبحر ارتباطا وثيقا حتى منتصف القرن العشرين، إذ كان نحو 90 في المئة من القطريين يعملون مباشرة في صيد اللؤلؤ، بينما اعتمدت النسبة المتبقية عليه بصورة غير مباشرة، وكانت المدن والقرى الساحلية في قطر مجتمعات قائمة بدرجة كبيرة على هذه المهنة.

 

وقال إن مصايد اللؤلؤ تمثل جانبا مهما من التراث الثقافي المغمور، إلى جانب الينابيع المغمورة المعروفة محليا باسم "الخوار" أو "الشوشة"، وكان النواخذة والغواصون يصلون إلى هذه المواقع اعتمادا على خبرة متراكمة وخريطة ذهنية للبحر، دون الحاجة إلى الخرائط أو البوصلة في كثير من الأحيان، فكانوا يستدلون على مواقع المصايد من اتجاه التيارات ولون المياه وشكل الأمواج ورائحة الطين من قاع البحر، ولم تظهر الخرائط الأولى لمصايد اللؤلؤ إلا في بدايات القرن العشرين، ما يجعل هذه المواقع اليوم جديرة بالمزيد من البحث باعتبارها أماكن يمكن أن تكشف عن جوانب غير موثقة من تاريخ الحياة البحرية في قطر والخليج.