

في خطوة تعكس قوة ومتانة العلاقات والروابط التاريخية والشراكة الاستراتيجية الوثيقة والمتنامية بين البلدين الصديقين، تأتي زيارة الدولة التي يقوم بها فخامة الرئيس إيمانويل ماكرون رئيس الجمهورية الفرنسية الصديقة إلى دولة قطر، حيث تركز المباحثات التي يجريها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد أل ثاني أمير البلاد المفدى مع فخامته على سبل دعم وتعزيز تلك العلاقات في مختلف المجالات ودفعها نحو آفاق أرحب، لما فيه خير ومصلحة البلدين والشعبين الصديقين.
ويستعرض سمو أمير البلاد المفدى مع فخامة الرئيس الفرنسي التنسيق بين البلدين الصديقين في العديد من القضايا والملفات الإقليمية والدولية، بما يخدم الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة والعالم، فضلا عن مناقشة آخر التطورات والمستجدات على الساحتين الإقليمية والدولية وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.
وتشكل زيارة الرئيس الفرنسي إلى قطر محطة جديدة في مسيرة العلاقات المتميزة بين البلدين، ومن شأنها أن تعطي دعما قويا وزخما جديدا لهذه العلاقات، خصوصا وأن البلدين يرتبطان بشراكات ومصالح مشتركة ويتشاركان الرؤى والمواقف حيال العديد من الملفات الإقليمية والدولية، كما تكتسب أهمية كبيرة في ظل الظروف الراهنة في المنطقة ومناطق متعددة من العالم، والتي تتطلب مواصلة التنسيق والتشاور وتبادل الآراء ووجهات النظر بين قيادتي البلدين.
ويتبادل البلدان بشكل متواصل الزيارات رفيعة المستوى في إطار العمل على تعزيز وتطوير علاقاتهما الثنائية بما يعود بالنفع على شعبي البلدين الصديقين، فضلا عن التشاور المتواصل حيال العديد من القضايا الدولية.
ويأتي في هذا السياق، ترؤس معالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية وسعادة السيد جان نويل بارو وزير أوروبا والشؤون الخارجية بالجمهورية الفرنسية، الحوار الاستراتيجي السنوي الثالث بين البلدين الذي انعقد في العاصمة الفرنسية باريس في شهر يونيو من العام الماضي.
ونوه بيان مشترك صدر في ختام الحوار باستعراض البلدين التقدم المهم الذي تم إحرازه منذ زيارة الدولة التي قام بها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى إلى فرنسا في فبراير 2024، والتي أسفرت عن مبادرات تعاون جديدة في مجالات الأمن والدفاع والاقتصاد والتجارة والاستثمار والتعليم، وأكد البلدان متانة علاقتهما الثنائية وتعهدا بمواصلة تطويرها من خلال توسيع الشراكة الاستراتيجية في ملفات رئيسة، كما أكد البيان التزام الدولتين مجددا بدعم نظام دولي قائم على القواعد والقانون الدولي، وتعزيز السلام والاستقرار والازدهار في الشرق الأوسط، والتعاون الوثيق فيما يتعلق بالأزمات الإقليمية والعالمية.
وشدد البلدان على أهمية الشراكة الاقتصادية والتجارية والاستثمارية المتنامية بينهما، حيث بلغ إجمالي حجم التبادل التجاري أكثر من 1,3 مليار يورو في عام 2024، وأشار الجانبان إلى أن التجارة الثنائية تسهم بشكل كبير في دعم الوظائف والابتكار والتنمية الاقتصادية في كلا البلدين، كما استعرضا التقدم المحرز في التزام قطر التاريخي لعام 2024 باستثمار 10 مليارات يورو في قطاعات رئيسية في الاقتصاد الفرنسي، تشمل قطاعات ذات منفعة متبادلة، تتراوح بين الأمن الغذائي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي وتكنولوجيا المعلومات وأشباه الموصلات والتحول في مجال الطاقة والفضاء والملكية الفكرية والصحة والسياحة والضيافة والثقافة، كما ناقشا سبل تعزيز الشراكة الاستثمارية بشكل أكبر، وأكدا استعدادهما لتسهيل التعاون بين القطاعين الخاصين القطري والفرنسي.
وتربط دولة قطر والجمهورية الفرنسية الصديقة علاقة استراتيجية قوية، امتدت لأكثر من 50 عاما، وتطورت هذه العلاقة كثيرا، نظرا لقيامها على أسس من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، مع التركيز على دعم الأمن والاستقرار في المنطقة وخارجها، ومنذ تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين الدوحة وباريس عام 1972، يعمل البلدان بشكل وثيق على تعزيز السلام والاستقرار، ويتعاونان في جهود الوساطة لحل الأزمات، ويدعمان الحلول السلمية للنزاعات، لا سيما في قطاع غزة وسوريا ولبنان، مع الحرص على حماية المبادئ الإنسانية وحقوق جميع المجتمعات.
وتتمتع دولة قطر والجمهورية الفرنسية الصديقة بعلاقات اقتصادية متنامية ومتنوعة، حيث تعتبر فرنسا من أبرز الشركاء الاقتصاديين لدولة قطر، وتزور وفود تجارية واقتصادية فرنسية الدوحة بشكل منتظم لتعزيز التعاون مع القطاعين الحكومي والخاص في قطر.
ويحرص الجانب الفرنسي على تعزيز آفاق التعاون التجاري والاقتصادي والصناعي مع قطر واستعراض الفرص المتاحة للاستثمار المشترك، حيث يعمل حاليا في دولة قطر نحو 665 شركة فرنسية، ما يعكس متانة العلاقات الاقتصادية الثنائية، وثقة الشركات الفرنسية في السوق القطرية بوصفها مركزا استراتيجيا للنمو في أسواق المنطقة.
وتعد دولة قطر شريكا استراتيجيا للجمهورية الفرنسية منذ فترة طويلة، وتعتبر الاستثمارات القطرية في فرنسا والاستثمارات الفرنسية في قطر أساسا للشراكة الاقتصادية وروافد مهمة لاقتصادي البلدين، وهناك أيضا مشاريع طويلة الأمد بين قطر للطاقة وتوتال الفرنسية، فضلا عن مشاريع أخرى عديدة مثل تحلية المياه، كما وقعت قطر للطاقة وتوتال إنرجيز اتفاقية شراكة لتوسعة حقل الشمال الشرقي، أكبر مشروع منفرد في تاريخ صناعة الغاز الطبيعي المسال.
وتشير بيانات مرصد مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر التابع لوكالة ترويج الاستثمار إلى أن فرنسا جاءت خلال العقد الماضي (2017 - 2026)، ضمن أكبر خمس دول من حيث عدد مشاريع الاستثمار الأجنبي المباشر في دولة قطر، من خلال 90 مشروعا استثماريا بقيمة رأسمالية إجمالية تجاوزت 7.5 مليار دولار أمريكي، أسهمت في خلق أكثر من 7,400 فرصة عمل في قطاعات السلع الاستهلاكية والمنسوجات والبرمجيات وخدمات تقنية المعلومات وخدمات الأعمال.
وفي هذا الإطار جاء اللقاء الاستثماري رفيع المستوى الذي عقدته وكالة ترويج الاستثمار بباريس في يونيو الماضي، بالتعاون مع منظمة أرباب العمل الفرنسية "ميديف انترناشونال" الذراع الدولية لاتحاد أصحاب العمل الفرنسي، بهدف تعزيز العلاقات الاقتصادية الثنائية بين دولة قطر والجمهورية الفرنسية، وتوسيع الشراكات الاستثمارية طويلة الأمد.
وتضمن برنامج اللقاء جلسات نقاشية استعرضت مستهدفات التنويع الاقتصادي في قطر، والبيئة التنظيمية الداعمة للمستثمرين، والفرص الاستثمارية المتاحة في قطاعات متعددة مثل التكنولوجيا والتصنيع والخدمات المالية، كما اطلع المشاركون على المقومات التنافسية التي تتمتع بها الدولة، ومن أبرزها موقعها الاستراتيجي، وبنيتها التحتية المتطورة، ومنظومة الأعمال المتكاملة التي تمكن الشركات من التوسع والوصول إلى الأسواق الإقليمية والعالمية.
وفي يوليو الماضي، وقع مركز قطر للمال مذكرة تفاهم مع غرفة التجارة والصناعة الفرنسية القطرية، بهدف توسيع الشراكات التجارية والاستثمارية وتوطيد العلاقات الاقتصادية بين قطر وفرنسا، فضلا عن دعم نمو الاستثمارات وتعزيز الاستفادة من الفرص التي يوفرها المركز.
ولا تقتصر الشراكة بين دولة قطر والجمهورية الفرنسية على الجوانب السياسية والتجارية فحسب، بل تمتد لتشمل مجالات التعليم والثقافة والرياضة والصحة والتنمية الإنسانية، وتنظم العلاقات بين البلدين مجموعة من الاتفاقات المتنوعة التي تشمل المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية والعلمية والأكاديمية والتقنية، فضلا عن الاتفاقات العسكرية، كما يمثل التعاون في مجالي الأمن والدفاع ركيزة من ركائز العلاقة الثنائية التي تجمع بين دولة قطر والجمهورية الفرنسية.
وتعد فرنسا إحدى الدول الأعضاء المؤسسة للاتحاد الأوروبي، وهي الأكبر مساحة بين دول الاتحاد وثاني قوة اقتصادية وثاني أكبر سوق بالقارة الأوروبية بأكثر من ستة وستين مليون نسمة، وهي الوجهة السياحية الأولى في العالم وقد استقبلت خلال العام الماضي أكثر من مئة مليون سائح، وتحتل المرتبة السابعة على قائمة الاقتصادات العالمية بعد الولايات المتحدة والصين واليابان وألمانيا والهند والمملكة المتحدة، من حيث الناتج المحلي الإجمالي، بقيمة تقدر بنحو 3.6 تريليون دولار وفقا لبيانات صندوق النقد الدولي لعام 2026.
ويبرز التعاون بين المؤسسات الثقافية القطرية والفرنسية من خلال مبادرات مشتركة تجمع بين البحث والحوار الثقافي، واستضافة الفعاليات الأدبية والفنية، وتبادل الأعمال الفنية، إلى جانب دعم المواهب والإنتاج الإبداعي، وإتاحة فضاءات للنقاش حول القضايا الثقافية والإنسانية المشتركة.
وفي هذا السياق، نظمت وزارة الثقافة نسخة دولية من "موسم الندوات" في باريس، 12 أكتوبر 2025، بالشراكة مع معهد العالم العربي في العاصمة الفرنسية، بمشاركة أكاديميين وباحثين ومثقفين قطريين وفرنسيين وعرب.
وتناولت هذه النسخة مستقبل الحوار الثقافي العربي الأوروبي، وحضور الثقافة العربية في العواصم الأوروبية، ودور اللغة العربية والترجمة في تعزيز التواصل بين الثقافات، إلى جانب أهمية احترام تعدد الهويات واللغات وتطوير مقاربات عملية للحوار الحضاري.
ويمثل التعاون بين مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية والمعهد الفرنسي في قطر، والذي جسدته مذكرة تفاهم بين الجانبين، تم توقيعها في 29 سبتمبر الماضي، أحد مسارات تطوير العلاقات الثقافية والمعرفية، وتوسيع التعاون في مجالات البحث والحوار الفكري والتبادل الثقافي، وتعزيز التواصل بين الباحثين والأوساط الأكاديمية والفكرية والثقافية في البلدين والمنطقة.
وخلال سبتمبر الماضي أيضا، أتاحت فعالية "حوارات قطر تبدع"، والتي جمعت سعادة الشيخة المياسة بنت حمد آل ثاني، رئيس مجلس أمناء متاحف قطر، وآن-كلير ليجندر، رئيس معهد العالم العربي في باريس، مساحة لمناقشة دور المؤسسات الثقافية والمتاحف والمعارض والشراكات الفنية في تعزيز التفاهم الدولي وبناء علاقات مستدامة بين المجتمعات.
وفي إطار دور معهد العالم العربي في باريس لتعزيز التبادل الثقافي بين العالم العربي وفرنسا، عبر المبادرات الفنية والفكرية، سلط المعهد الضوء على الإبداع العربي، بإتاحة فرص التواصل بين الثقافات.
ومن بين هذه المبادرات جائزة التصميم لمعهد العالم العربي، التي انطلقت دورتها الأولى عام 2023، لتكريم الإبداعات في التصميم والهندسة المعمارية والحرف اليدوية، ودعم المصممين والمهندسين المعماريين والعلامات التجارية الناشئة في الوطن العربي، وسجلت المصممتان القطريتان غالية ولولوة المهندي حضورا قطريا في هذه الجائزة لعام 2026، بعد تأهل مجموعة "سراب" إلى نهائيات جائزة الحرفية المعاصرة، وتم عرض هذه المجموعة ضمن المعرض المصاحب للجائزة، حيث تقدم "سراب" رؤية قطرية معاصرة للتصميم والحرفية والهوية الثقافية، تستلهم عناصرها من الموروث المعماري القطري والخليجي.
ويمتد التعاون إلى الفعاليات الأدبية والفنية التي تستحضر التجارب الإبداعية العربية في سياقات معاصرة، ومن بينها فعالية "يوم الشعر"، التي نظمتها متاحف مشيرب والمعهد الفرنسي والسفارة الفرنسية في قطر، بالتعاون مع معهد العالم العربي ومركز بومبيدو الثقافي، خلال سبتمبر الماضي.
واستحضرت الفعالية تجربة الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش من خلال عرض الفيلم القصير "برتقالة من يافا"، للمخرج الفلسطيني محمد المغني، أعقبه نقاش شارك فيه فنانون وأكاديميون متخصصون في اللغة العربية والأدب والسينما، تناولوا خلاله تقاطعات الشعر والسينما في معالجة قضايا الهوية والوطن والمنفى والتهجير والانتماء، بما يبرز دور الفنون في حفظ الذاكرة الإنسانية وفتح مجالات للحوار حول التجارب المشتركة.
ويشكل انتقال المؤلفات بين العربية والفرنسية أحد أوجه التواصل الثقافي بين البلدين، وهو ما تجسده الترجمة الفرنسية لكتاب "قطري على ضفاف السين.. الحوار الثقافي" لسعادة الدكتور ناصر بن حمد الحنزاب، مندوب دولة قطر الدائم لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" ورئيس المجلس التنفيذي للمنظمة.
وصدر الكتاب باللغة الفرنسية بعنوان /Un Qatari au bord de la Seine - Dialogue culturel/، بترجمة خديجة التوكابري عن دار /لارماتان/ الفرنسية، بعد صدوره باللغة العربية عن دار روزا للنشر.
ويمثل التعاون المتحفي أحد مسارات التعاون الثقافي بين البلدين، ويتجلى ذلك في الاتفاقية الإطارية بين متاحف قطر والمؤسسة العامة لمتحف /أورسيه/ ومتحف /أورانجيري/، التي وقعت في 20 أبريل الماضي، لإعارة لوحة "اليائس" /Le Désespéré/ للفنان الفرنسي غوستاف كوربيه (1819-1877)، وذلك بمناسبة التكريم الرسمي لـ/سيلفان أميك/، رئيس متحفي /أورسيه/ و/أورانجيري/.
وتمتلك متاحف قطر هذه اللوحة، ويتم عرضها في متحف /أورسيه/ حاليا، إلى حين افتتاح متحف مطاحن الفن في الدوحة، وهو متحف سيكرس لعرض مجموعة متاحف قطر من أعمال الفن الحديث والمعاصر، على أن تتنقل اللوحة لاحقا بين الدوحة وباريس، بعد فترة عرض أولية في متحف مطاحن الفن.
وتتسع مجالات التعاون الثقافي لتشمل السينما، على نحو ما جسده متحف الفن الإسلامي، باستضافته خلال شهر يونيو الماضي، عرض الفيلم الوثائقي "داخل غزة" للمخرجة هيلين لام ترونغ، ويتناول الفيلم تجارب صحفيي وكالة الصحافة الفرنسية /فرانس برس/، الذين وجدوا أنفسهم داخل قطاع غزة خلال الأشهر الأولى من الحرب التي بدأت في أكتوبر 2023، موثقا جوانب من حياتهم اليومية وعملهم الصحفي في ظروف استثنائية، بالاعتماد بصورة شبه حصرية على لقطات الوكالة، التي صور معظمها الصحفيون المشاركون في الفيلم.
ويبرز التبادل الفني كذلك في البرامج التي تدعم الفنانين وتتيح التفاعل بين تجارب إبداعية متنوعة الجنسيات والتخصصات، ومنها معرض "بوابات متغيرة"، الذي نظمته متاحف قطر في "مطافئ مقر الفنانين"، خلال أكتوبر 2025، وتتويجا لأعمال النسخة التاسعة من برنامج الإقامة الفنية، وضم المعرض 15 فنانا من دول عربية وأجنبية، وعكست مشاركة الفنانة الفرنسية ألكسندرين غيران ضمن هذا التشكيل اتساع مساحة التفاعل الفني داخل المشهد الثقافي القطري-الفرنسي.