

يواصل معرض «الفن التشكيلي القطري» في مبنى 19 في المؤسسة العامة للحي الثقافي كتارا، استقطاب زوار «كتارا»، مقدمًا بانوراما واسعة لمسيرة الفن المحلي، من تجارب الرواد الذين أسهموا في تأسيس الحركة الفنية في قطر، إلى أعمال أجيال جديدة وسعت مساحة التجريب، وانفتحت على اتجاهات وتقنيات وخامات متعددة.
ويعتبر المعرض مساحة فنية دائمة تحتفي بالإبداع القطري، وتتيح للجمهور الاقتراب من تجارب الفنانين واكتشاف تنوع الرؤى التي شكلت ملامح المشهد التشكيلي المحلي.
وتكمن خصوصية هذا المعرض في التنوع؛ فاللوحة القطرية لا تسير في اتجاه واحد، وإنما تتعدد مساراتها بين الواقعية والتجريد، والخزف والحروفية، والخط العربي والزخرفة، والأعمال التي تستند إلى الخامات التقليدية وأخرى توظف مواد وتقنيات معاصرة، بما يؤكد أن ارتباط الفنان ببيئته لا يعني الوقوف عند حدود الماضي.
وتحضر مفردات التراث بقوة في عدد من الأعمال، من الخيل والصقور إلى الحلي والأزياء والزخارف ومشاهد البحر والبيئة المحلية. غير أن هذه العناصر لا تظهر بوصفها زخارف جاهزة، بل يعاد تشكيلها داخل العمل الفني لتصبح جزءًا من رؤية أوسع تتصل بالذاكرة والهوية وعلاقة الإنسان بالمكان.
نافذة على عالم داخلي
ففي أعمال نورا الشمري تبدو الألوان نافذة على عالم داخلي نابض، فيما تستحضر نورا المزروعي تفاصيل من أزياء المرأة القطرية لتعيد تقديمها في صياغة تشكيلية معاصرة. أما وفيقة سلطان فتذهب بالتراث نحو التجريد، بينما تستلهم شيخة الحمود هندسة الزخرفة الإسلامية وتعيد بناءها بلغة بصرية حديثة.
وتتخذ المرأة القطرية حضورًا واضحًا في أعمال هدى باسهل، التي تقدمها كشخصية حية تتشكل ملامحها عبر اللون والفراغ والتكوين. وفي المقابل، يستعيد محمد المنصور صورة الشيخ في لحظة تأمل، بينما تستحضر إيمان الهيدوس مشهد الطفل الذي يتلقى القرآن في استعادة هادئة لمشهد من الذاكرة الاجتماعية والثقافية.
الخزف والسرد البصري
ويعود البحر بوصفه أحد المكونات الأساسية للبيئة القطرية في عدد من التجارب؛ فخالد الهيل يستحضر ذاكرة الموج، بينما تتناول هند العبيدلي عناصر من البيئة البحرية ونباتاتها. وفي أعمال شمة الكواري يتحول الخزف إلى وسيط لسرد بصري يستحضر رحلات الشراع وملامح المرأة، في تداخل بين الحرفة والفن والذاكرة.
أما الخيل، بما تحمله من مكانة راسخة في الوجدان الخليجي والقطري، فتظهر في أعمال فهد المعاضيد وحصة البوعينين، بوصفها موضوعًا بصريًا نابضًا بالحركة ورمزًا للقوة والجمال والأصالة.
ولا يتوقف التجريب عند الموضوعات، بل يمتد إلى الخامات نفسها. ففي أعمال عيسى الملا تفتح تقنية «الميكس ميديا» الباب أمام إعادة توظيف المواد وإعادة تدويرها، بما يمنح الأشياء حياة جمالية جديدة. كما تلتقي الزخرفة والخزف في أعمال الدكتورة منيرة المير، حيث تتقاطع القيمة الفنية مع تقاليد الحرفة.
وتبرز الحروف العربية كذلك بوصفها عنصرًا تشكيليًا مستقلًا؛ فالحرف يتحول إلى مساحة وإيقاع وتكوين، كما في أعمال وضحى السليطي التي تنفتح على إمكانات الحروفية في بناء الصورة.
وفي أعمال إيمان السليطي تتحول الحلي التراثية إلى مفردة جمالية تستدعي ذاكرة النساء وتقاليد الزينة، لتعاد صياغتها في قوالب بصرية معاصرة تنبض بالحس الجمالي والرمزي. كما يستعيد عبدالعزيز صادق صورة القطري القديم في لحظة تختزل تفاصيل من الحياة الماضية، بينما تمنح أعمال مريم السادة مساحة هادئة تستحضر قيم الحب والنماء عبر اللون والتكوين.
ويضم المعرض أيضًا تجارب فنية ملهمة لفنانين آخرين، بما يعكس اتساع التجربة وتعدد الأصوات الفنية داخل المشهد التشكيلي القطري.
وهكذا يقدم «الفن التشكيلي القطري» في «كتارا» قراءة بصرية لتحولات الذائقة والتجربة المحلية، وشهادة على قدرة الفنان القطري على الجمع بين جذور راسخة وأفق مفتوح على التجريب.