في ظل حرب العملات بين الولايات المتحدة الأمريكية ودول آسيا بقيادة الصين يتبادر إلى الأذهان سؤال، هل هذه الحرب تدور حول قيم العملات فقط، أم أنها تتعلق بأسباب أخرى بعيدا عن أسعار صرف العملات؟ بالطبع الأمر أكبر بكثير من كونه يتعلق بسعر الدولار مقابل اليوان أو الين أو غيرهما، إذ إن الحرب تجارية في الأساس بين أمريكا وآسيا، وذلك في إطار سعي واشنطن لفرض سيطرتها على العالم، وما تمثله الصين وجيرانها في آسيا من أخطار لتلك الهيمنة في ظل غزو تجاري آسيوي.
ولكي تتضح الرؤية في حرب العملات الأمريكية- الآسيوية من الزاوية التجارية، فإن هناك حاجة للحديث عن أمريكا والصين بشكل خاص وكيف تدور الحرب بين العملاقين في هذا الصدد.
فمن الجانب الأمريكي يؤكد الخبراء أن العملة القوية لها تأثيرات إيجابية، فهي مثلا تجعل الواردات أقل تكلفة، وهو ما يستفيد منه الأمريكان في الأشهر الماضية، أما بالنسبة للسلع المصنوعة في الولايات المتحدة فإن ذلك يعني مزيدا من المنافسة في السوق المحلية، لكن الدولار القوي قد يكون عاملا سلبيا للاقتصاد الأمريكي، ففي فترة حكم ريجان في بداية الثمانينيات لم تكن الشركات الأمريكية تصارع المنافسة اليابانية فقط، بل كذلك العملة الباهظة.
في الجانب الآخر تتصارع الولايات المتحدة مع الصين منذ عقود حول رفع قيمة اليوان، فسعر الصرف المنخفض سهّل على المصنعين الصينيين ولفترة طويلة إغراق السوق الأمريكية بالسلع الصينية وكانت النتيجة ترحيلا كبيرا لقطاع الصناعة الأمريكي للخارج، وطبعا أصبح العديد عاطلين عن العمل.
ومنذ أن انتهجت الصين إستراتيجية النمو القائم على الصادرات، لعبت العملة المنخفضة الدور الأساسي في هذه الإستراتيجية، حيث يسمح بخفض قيمة العملة للصادرات بالنمو، وهو ما يؤدي إلى تراكم فوائض النقد الأجنبي، خصوصا الدولارية، التي تستقر لدى البنك المركزي.
حتى الآن الاقتصاد الأمريكي لا يزال الأول عالميًا بنحو ١٧ تريليون دولار، والصين الثانية بـ١٠ تريليونات دولار، لكن تصدر الصين ٢٣٤٢ مليار دولار سنويًا، وذلك في المرتبة الأولى عالميًا، بينما تصدر أمريكا ١٦٨٨ مليار دولار سنويًا الثانية عالميًا، ونتيجة لذلك ازداد الاحتياطي الأجنبي للصين ووصل إلى ٣.٣ تريليون دولار.
كلما انخفض اليوان، زادت الصادرات الصينية للعالم، وبالتالي زادت الحصيلة الدولارية وزاد الاحتياطي الأجنبي، وبالتالي تطالب أمريكا والغرب الصين برفع قيمة اليوان، بحجة أنها تحتمي وراء عملة قوية، وتستمر الصين في الطباعة أكثر وتنجز المشاريع القومية وينمو اقتصادها بأكثر من ١٠% سنويا حتى وقت قريب.
لذلك تشكل الصين خطرا على الاقتصاد الأمريكي، فحتى الآن لم تجد الولايات المتحدة وسيلة ناجحة للتعامل مع الصين ووقف تقدمها، فقد نجحت الصين إلى حد ما في دعم صادراتها عن طريق التحكم في سعر الصرف خلال الأزمة المالية العالمية وما بعدها.