تتزايد المخاوف في الأوساط الاقتصادية والتكنولوجية العالمية من تداعيات أي اضطراب في إمدادات الهيليوم على صناعة الرقائق الإلكترونية، في ظل تطورات جيوسياسية أسهمت في تعطل جزء من الإنتاج العالمي لهذا الغاز الحيوي، ما أعاد تسليط الضوء على الدور المحوري الذي تلعبه دولة قطر في هذا السوق الاستراتيجي.
وتعد قطر من أبرز موردي الهيليوم في العالم، إذ توفر ما بين 30 و38% من الإمدادات العالمية، ويُستخرج معظمه كمنتج ثانوي من عمليات الغاز الطبيعي المسال في مدينة رأس لفان الصناعية. ويُستخدم الهيليوم في مراحل أساسية من تصنيع أشباه الموصلات، لا سيما في تبريد رقائق السيليكون والحفاظ على استقرار درجات الحرارة داخل بيئات إنتاج شديدة الدقة، وهي وظائف لا تتوافر لها بدائل تقنية فعالة حتى الآن.
وقد أدى اضطراب إنتاج الهيليوم في فترات سابقة إلى تراجع المعروض العالمي خلال فترات زمنية قصيرة، ما انعكس في ارتفاعات ملحوظة للأسعار واضطرابات في سلاسل التوريد، خاصة لدى القطاعات التكنولوجية المتقدمة التي تعتمد على تدفقات مستقرة من هذا الغاز.
وتكمن حساسية الوضع في أن مصانع الرقائق الإلكترونية لا تحتفظ عادة بمخزونات كبيرة من الهيليوم، إذ تعتمد على إمدادات مستمرة، وغالبا لا تتجاوز المخزونات المتاحة داخل المصانع فترة أسبوع واحد. ومع استمرار القيود على الشحن وندرة حاويات نقل الهيليوم السائل، يواجه المنتجون مخاطر محتملة تتمثل في تباطؤ الإنتاج أو تراجع جودة الرقائق، وهو ما قد ينعكس بشكل مباشر على قطاعات حيوية مثل الذكاء الاصطناعي، والسيارات، والاتصالات، والإلكترونيات الاستهلاكية.
وفي هذا السياق، حذرت مؤسسات صناعية من أن استمرار أي اضطراب في الإمدادات قد يؤدي إلى اختناقات جديدة في سوق أشباه الموصلات، في وقت يشهد فيه الطلب العالمي على الرقائق نموا متسارعا مدفوعا بالتوسع في مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وأشارت تقارير إلى أن بعض الشركات الكبرى بدأت بتفعيل خطط طوارئ تشمل إعادة تدوير الهيليوم أو البحث عن موردين بديلين، إلا أن هذه الحلول تبقى محدودة الأثر على المدى القصير.
ويرى محللون أن ما يشهده سوق الهيليوم يعكس نموذجا لما يعرف بـ الأزمات غير المرئية في الاقتصاد العالمي، حيث لا تقتصر التأثيرات على أسواق الطاقة التقليدية مثل النفط والغاز، بل تمتد إلى مفاصل حيوية في سلاسل الإنتاج الصناعي والتكنولوجي.
وبينما تتجه الأنظار عادة إلى أسواق الطاقة عند وقوع أزمات في منطقة الشرق الأوسط، تكشف تطورات سوق الهيليوم أن الاختناقات غير الظاهرة في سلاسل التوريد قد تكون ذات تأثير أعمق على الاقتصاد العالمي.
وفي هذا الإطار، يبرز دور قطر باعتبارها فاعلا رئيسيا في هذا السوق، بما يعكس حجم الترابط المتزايد بين قطاع الطاقة والتكنولوجيا، ويؤكد أن استقرار إمدادات المواد الاستراتيجية، وفي مقدمتها الهيليوم، بات عنصرا أساسيا في استقرار الاقتصاد الرقمي العالمي.