التآكل ظاهرة تُعرف باسم القاتل الصامت للمواد، فهي تضعف المادة من الداخل، في حين يبقى الإطار الخارجي سليمًا من الناحية الظاهرية. وبفعل هذه الظاهرة تتآكل المادة شيئًا فشيئًا مما يضر بسلامة هيكلها ويجعلها عرضة للانهيار والتعطل.
ويعد التآكل تدهورًا طبيعيًا للمواد نتيجة تفاعل كيميائي كهربائي مع البيئة، وهو من أشهر أسباب حدوث عطل في خطوط أنابيب النفط والغاز. ولا شك أن لحوادث التعطل تبعات واسعة النطاق منها ما يؤثر في صحة الإنسان وفي البيئة علاوة على توقف العمليات مما يؤدي إلى آثار اقتصادية وخيمة.
تقول الدكتورة أبيثا راميش، باحثة في مجال التآكل بمركز شل قطر للأبحاث والتكنولوجيا، التابع لشركة قطر شل، إحدى الشركاء الرئيسيين في واحة قطر للعلوم والتكنولوجيا، عضو قطاع البحوث والتطوير والابتكار في مؤسسة قطر: من بين أنواع التآكل المختلفة ما يصيب خطوط الأنابيب، وهو التآكل الداخلي ويرتبط عادة بخصائص السوائل المنقولة في هذه الأنابيب. ويحتوي مخزون الغاز في قطر على غاز حمضي وهو غاز طبيعي مشتمل على كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون وكبريتيد الهيدروجين، وكلا المركبين لديه القدرة على زيادة خطر التآكل الداخلي في خطوط الأنابيب .
وتعدّ مراقبة معدل تآكل الأنابيب أمرًا ضروريًا للتشغيل الآمن وإدارة خطوط الأنابيب. ومن أشهر الطرق في هذا الصدد وضع ملصق التآكل في خط الأنابيب. وملصق التآكل هو قطعة معدنية صغيرة مصنوعة من نفس نوع المادة المصنوع منها خط الأنابيب ومن نفس الدرجة. ويتم سحب هذه الملصقات من خط الأنابيب على فترات زمنية محددة وتنظيفها ووزنها. ويُستخدم الاختلاف في الوزن لحساب متوسط معدل التآكل، الذي يمكن استخدامه بدوره في تحديد سلامة خط الأنابيب.
من جانبها أوضحت الدكتورة راميش أنه حين يتفاعل كبريتيد الهيدروجين في الغاز الحمضي مع الهيكل الصلب لخط الأنابيب، ينتج عن هذا التفاعل كمية بسيطة من كبريتيد الحديد. وهذه الكميات البسيطة من كبريتيد الحديد إلى جانب ثاني أكسيد السيليكون (الرمال) قد تنفصل من مكانها الأساسي وتترسب في أماكن أخرى داخل الأنابيب. وحين تتجمع هذه الترسيبات، تؤدي إلى تكوينات كيميائية موضعية مضرة أسفلها. ويمكن أن يحدث شكل سريع من أشكال التآكل في هذه الترسيبات مما يؤدي
في النهاية إلى تلف كبير في الهيكل يُطلق عليه التآكل في طبقة ما تحت الترسيبات علاوة على التنقر، وهو أمر لا تسجله تقنيات مراقبة التآكل المستخدمة في الوقت الحالي.
وتشرح الدكتورة راميش فكرة العمل فتقول: يتم سحب هذه الملصقات كل شهرين لتحليلها بشكل تفصيلي مما يسمح لنا بمتابعة التغيرات المرتبطة بالتآكل تحت طبقة الترسيبات عن كثب واكتشاف أخطر مظاهره ألا وهو التنقر، ويُراد به شكل سريع موضعي من أشكال التآكل تتكون فيه فجوات أو ثقوب في المادة .
ويُتوقع أن تسهم الملصقات الذكية التي جرى تطويرها في هذا المشروع بشكل كبير في الاكتشاف المبكر لحالات التآكل تحت طبقة الترسيبات، والتنقر. وعلاوة على ذلك، سوف يتمكن جهاز الاستشعار الموجود في الملصق من نقل المعلومات بشكل فوري بمجرد اكتشاف التغييرات في الكيمياء الموضعية. على سبيل المثال فإن الانخفاض في درجة الحموضة أو الجهد الكهربائي الكيميائي أو حدوث تغير في تركيز أيون الكلوريد يدل على أن البيئة أصبحت مواتية لحدوث عملية التنقر.
كذلك فإن وجود جهاز استشعار إلكتروني يمكنه نقل المعلومات المهمة بشكل فوري من شأنه أن يسهم بشكل كبير في الحفاظ على سلامة العمليات. وهذا الكشف المبكر عن التنقر مفيد جدًا لأن التنقر حين يبدأ يمكن أن ينتشر بمعدل سريع جدًا ويؤثر بشكل كبير على خط الأنابيب.
وقالت د. راميش: إنه يتم في الوقت الحالي اختبار الملصقات الذكية في هذا المجال. وقد استخدمنا هذه الملصقات في مشروع اللؤلؤة لتحويل الغاز إلى سوائل، وهو مشروع مشترك بين قطر للبترول وشركة شل، انطلق في يناير من هذا العام، وإذا سارت الأمور وفق ما خُطِّط لها، فهناك فرصة حقيقية في أن تحل ملصقات التآكل المعدلة محل الملصقات التقليدية في المستقبل القريب. ويجري تصنيع ملصقات التآكل الجديدة في قطر، وكانت تكلفة تصنيع أول وحدة منها هي نفس تكلفة الملصقات التقليدية المستخدمة الواردة من الولايات المتحدة الأمريكية. ومن المتوقع أن تنخفض التكلفة بشكل كبير في حال إنتاجها على نطاق واسع في قطر .
وختمت د. راميش: إن التآكل الداخلي في خطوط الأنابيب، إن لم يُكتشف مبكرًا، يمكنه أن يؤثر في اقتصاديات الإنتاج والمعالجة، ويهدد الأرواح ويحدث أضرارًا بيئية طويلة المدى. ويمكن الجزم بأن جهاز الاستشعار الإلكتروني المبتكر سيؤدي دورًا مهمًا في ضمان السلامة الهيكلية لخطوط أنابيب الغاز والنفط ليس في قطر فحسب بل على مستوى العالم في الأماكن التي تتواجد فيها خطوط أنابيب الغاز الحمضي .
لم يمض عام على افتتاح مركز التآكل في معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة، وقد نجح في توفير ملايين الدولارات لصناعة النفط والغاز في قطر. ومع ذلك، لا يبدو هذا إنجازًا كبيرًا إذا نظرنا إلى التكلفة السنوية للتآكل التي تتكبدها دولة قطر، وتُقدر بنحو 8 مليارات دولار أمريكي (وفق دراسة الأثر الصادرة عن الجمعية الوطنية لهندسة التآكل في 2016)، وهو ما يعادل تقريبًا نسبة خمسة في المائة من إجمالي الناتج المحلي السنوي.
من جانبها تقول د. حنان فرحات، مدير أبحاث أول في مركز التآكل بمعهد قطر لبحوث البيئة والطاقة، عضو جامعة حمد بن خليفة في مؤسسة قطر: إن تكلفة التآكل في قطر مرتفعة للغاية. وأن العامل الأكبر الذي يسهم في هذه التكلفة هو الاستهانة بظواهر التآكل وأثرها في الأعمال، إذ إن توقف العمل نتيجة تعطل المعدات يمكنه أن يزيد التكلفة ويفاقم المشكلة. ولا شك أن أوقات التعطل في المصانع لها تكلفتها الباهظة، فكل دقيقة تكلفنا خسائر في العائدات بآلاف الدولارات.
وتضيف الدكتورة حنان فرحات: إن تآكل المواد هو نتيجة تفاعلات كيميائية كهربائية بين المادة وبيئة العمل المحيطة بها، وعلى حسب مدّة هذا التفاعل فإن التآكل يؤدي إلى إضعاف المواد لدرجة تصبح معها غير صالحة من الناحية الميكانيكية أو الهيكلية لأداء وظيفتها. والتآكل حتمي، ولا سبيل إلى منعه تمامًا بيد أنه يمكن الإبطاء من وتيرته. كما أنه يمثل التهديد الأكبر لسلامة الأصول والموجودات في جميع البنى التحتية، الحضرية والصناعية، وخاصة في قطاع النفط والغاز. تخيل التبعات واسعة النطاق لحدوث تعطل مفاجئ في خط أنابيب للغاز أو النفط الخام .
وتضيف د. حنان فرحات: التحدي الأكبر الذي نواجهه في التعامل مع التآكل يتمثل في تعدد العوامل التي تسهم في تآكل الأصول والموجودات. فإذا لم نضع في الاعتبار الصورة الكلية والعوامل المتعددة، فلا يمكن التنبؤ بالتآكل ولا الحيلولة دون وقوعه. إن الظروف البيئية في منطقة الخليج تشجع على حدوث التآكل بدرجة كبيرة، فالمحتوى الملحي المرتفع وارتفاع الرطوبة ودرجة الحرارة جميعها تزيد من وتيرة التآكل. والمواد المصنوعة لتبقى لمدة تتراوح ما بين 15 إلى 20 سنة يمكنها أن تتهاوى في غضون شهور في منطقة الخليج. وهذا الأمر يدعونا إلى اتخاذ موقف استباقي قدر الإمكان للحيلولة دون وقوع هذه الحالات التي تكبدنا نفقات طائلة .
يعد مركز التآكل في معهد قطر لبحوث البيئة والطاقة أول مركز من نوعه على مستوى البلاد يركز على حل إشكالات التآكل. وإلى جانب المراكز الأخرى في المعهد البحثي التي تشمل مركز الطاقة، ومركز المياه، ومركز البيئة والاستدامة، وبرنامج علوم الأرض، ومرصد المخاطر الطبيعية والبيئية، يسعى هذا المركز إلى تطوير حلول مناسبة فيما يخص الطاقة والمياه والأمن والبيئة في دولة قطر.
تقول الدكتورة حنان فرحات: نشارك بشكل كبير في الأنشطة البحثية مع صناعة النفط والغاز ومع الشركاء الدوليين. ونقدم كذلك خدمات تقنية واستشارات فنية بشكل أساسي في تحليل الأسباب الجذرية للمشكلات وتقييم مخاطر التآكل، ومدى الملاءمة لتقييم الخدمات، وإدارة سلامة خطوط الأنابيب، وتقييم التغليف، وتقييم موانع التآكل، علاوة على تحديد مستوى الخطورة والأهمية للمعدات .
وفي إطار الحديث عن العلاقة مع قطاع الصناعة في مجال بحوث التآكل، صرحت الدكتورة حنان فرحات أنه فيما يتعلق بالبحوث في قطر، يمكننا أن نشهد في بعض الأحيان فجوة بين الصناعة والبحث العلمي، وهناك حاجة ماسة لزيادة المعدلات في كل منهما وتحقيق المواءمة المطلوبة بينهما. وعلى قطاع الصناعة أن يظهر بعض الثقة، كذلك على قطاع البحوث أن يكون معبرًا حقيقيًا عن الظروف والمشكلات التي يواجهها قطاع الصناعة .