

نظمت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية أولى جلسات البرنامج الرمضاني الحواري «وآمنهم من خوف» لعام 1445هـ - 2024م في نسخته العاشرة، بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب، والتي ناقشت «مقاصد الشريعة الإسلامية وواقع المسلمين اليوم».
شارك في الجلسة الأولى كل من الدكتور إبراهيم عبدالله الأنصاري عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية – جامعة قطر، ود. عصام البشير نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ود. بلال بارودي شيخ قراء طرابلس، ود. نور الدين الخادمي أستاذ الفقه وأصوله بكلية الشريعة والدراسات الإسلامية – جامعة قطر.
وأكدت الجلسة أن الإنجراف عن فهم مقاصد الشريعة يقود إلى الفساد.
وقال الدكتور إبراهيم الأنصاري – عميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر: مما تقرر أن العلوم يتوالد بعضها عن بعض، فما كان يسمى فقهاً في عهد الصحابة تفرع لكل العلوم الشرعية التي نعرفها الآن، وكثير من العلوم في الوقت الحالي عليها خلاف إن كانت علما مستقلا أو جزءا من علم اخر، كالسيرة النبوية وكونها علما مستقلا أو جزءا من السنة النبوية.
وأضاف: العلوم تنشأ جنينية، مجموعة من الأبحاث يلاحظها أحد العلماء ولها تطبيقات في الواقع يتزايد الاهتمام بهذا المبحث، وتزيد الحاجة إليه فيتشكل على شكل بنيان مستقل، يمكن أن ينظر إليه على أنه علم مستقل، أو أنه جزء من علم آخر.
وأوضح د. الأنصاري أن المقاصد أداة تمكن الفقيه من معرفة دلالة النص عند تعارض النصوص أو الوقائع، والمصالح والمفاسد، فيستطيع الفقيه أن يميز هذه الحالة، وقصد الشارع فيها، وأن هذا لا يقطع الجدل في قضية الاجتهاد، والذي يلتصق بعضه بالنص ويعرض عن المقاصد، وبعض اخر يلاحظ المقاصد، فتصبح الفتاوى أكثر مواءمة لحياة الناس وأكثر تعبيدا للخلق لربهم سبحانه وتعالى.
وتابع: المقاصد هي روح في الكون وفي الشريعة، وكل عمل يعمله الانسان قد يكون له قصد، وكلما بعد هذا القصد كلما ابتعد الفعل عن العبث واللاغائية، والغاية التي لا غاية بعدها هي رضا الله سبحانه وتعالى ودخول الجنة، وكل عمل لم يتصل سببه بالآخرة فهو عبث مهما بلغ.
وأكد ضرورة تعلم الطلاب، سواء في مراحل الدراسة التأسيسية أو الجامعات، في تخصص الشريعة أو غيره من التخصصات، أن حياة المسلم غائية، وأن المناهج الأخرى تؤول مهما كانت متقنة أو متطورة تؤول إلى العبث، والقرآن واضح في تقرير ذلك.
وأشار إلى أن الغايات من الخلق ومن إنزال القرآن ومن السنن ومن الشريعة تشكل سلسلة مترابطة يفضي بعضها إلى بعض وتشد كل منها الأخرى، إما تهيمن عليها أو تؤدي إليها، مضيفاً: وإذا بدأنا فيها نبدأ من مقاصد الخلق، وهذه الأبحاث في كلية الشريعة في طريقها إلى النضج والاكتمال، لأن عددا من العقول يعمل عليها لسنوات طويلة، والكثير من الأساتذة منشغلون بهذا.
المزاوجة بين الواجب والواقع
وأكد فضيلة الشيخ الدكتور عصام البشير، نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، أن الفقيه هو الذي يزاوج بين علم الواجب وعلم الواقع، مبينا أن علم الواجب نصاً ومقصدا، وعلم الواقع إدراكا لحوادث وما تفضي إليه من مآلات.
وأوضح د. البشير أن واقع اليوم أو عصرنا وزماننا كان عصر الثورة الصناعية الأولى، هو الذي خفف العبء البدني عن الإنسان، ثم جاء عصر الثورة الصناعية الثانية فخفف العبء الذهني عن الإنسان، ثم جاءت هذه الثورات المتلاحقة، ثورة الاتصال وثورة المعلومات وثورة الفضاء وثورة الجينات وثورة التكنولوجيا وثورة البيولوجيا، التي جعلت العالم تتقارب خطاه في قرية كونية واحدة.
وأشار د. البشير إلى أن هذا الواقع تشابكت فيه المصالح والمبادئ، وأصبح بهذا التعقيد يقتضي نظرا فقهيا وعقلا جمعيا واسع النظر في نصوص الشريعة ومقاصدها، واسع النظر في المعرفة بعلم المنهاج الذي به تستنبط أحكام الشريعة وأدواتها، وكذلك أن يكون باسط النظر في تاريخ الأمة مرورا باجتهاداتها المختلفة، وبخطها البياني صعودا ونزولا، حتى يستطيع أن ينزل هداية الدين على هذا الواقع المتجدد.
وأوضح فضيلة د. نور الدين الخادمي استاذ الفقه واصوله بكلية الشريعة في جامعة قطر، ان مقاصد الشريعة عبارة عن كلمتين في التراث الاسلامي وعلوم الشريعة تطلق على علم من العلوم الشرعية التي تدرس حاليا في الجامعات.
واشار الى ان مقاصد الشريعة موضع بحث وتداول وبمستويات كثيرة، مبينا انها من الناحية الاصطلاحية تتكون من كلمتين مقاصد وشريعة، تطلق المقاصد منها على المصالح جلبا والمفاسد درءاً، وهي غايات الشريعة الاسلامية التي هي عبارة عن احكام ومقاصد فأحكامها الواجبات والمكروهات والمندوبات والمحرمات وكل ما جاء امرا ونهيا من الله سبحانه وتعالى وهذه الاحكام لها مقاصدها وغاياتها واسرارها وحكمها ومن هنا فمقاصد الشريعة اذن هي مصالح الشريعة.
وقال: وهذه المصالح جلبا والمفاسد درءاً قد استقرت في القرآن الكريم والسنة الصحيحة واستقرت ايضا علما متبعا مدونا منذ بدايات تدوين العلم الشرعي.
واضاف: مقاصد الشريعة ترد الى كلمتين ايضا الكلمة الاولى المراد الإلهي والكلمة الثانية المصلحة الانسانية، فمراد الله عز وجل هو اعلى تلك المقاصد ومراده سبحانه مراد بمستويات ثلاثة، مراد في خلقه ومراد في امره ونهيه ومراد في جزائه ومآل هذا الوجود.
ووصف الدكتور بلال بارودي شيخ قراء طرابلس موضوع مقاصد الشريعة وواقع المسلمين اليوم بأنه موضوع هام ينبغي أن يتم طرحه في زماننا هذا الذي تتعارض فيه المصالح مع المبادئ.. وقال إنه لابد من وضع الضوابط الشرعية التي تبين أسرار الدين الإسلامي وحكمة التشريع.
وقال: علم المقاصد هو علم الشريعة وحكمتها، وينبغي أن نيسر للناس الوصول إلى علم المقاصد، إذ أن المسلم يمارس علم المقاصد من غير أن يعرف أنه علم المقاصد عبر حكمة الدين وتمعنه في السنة النبوية الشريفة وعبر تطبيق أحكام الفقه.
وأكد د. بلال بارودي أن الانحراف عن فهم المقاصد الشرعية هو الذي يقود إلى الفساد فيما بين أيدي الناس، وأشار إلى أن إرسال الرسل المقصد منه هو وضع الحجة وتعليم الناس مآلات أفعالهم سواء كانت خيرا أو كانت شرا وضرب أمثلة عديدة وبين كيف أن العديد من الرسل بينوا لقومهم مآلات أفعالهم وما يترتب عليها.. وجدد القول أن المقاصد الإسلامية جاءت لمن يتدبر وينظر للأمور بعقل مفتوح وبصيرة.