

يُعدّ الروائي العراقي ضياء الجبيلي من الأسماء التي اشتغلت على الرواية بوصفها أفقًا للتأمل في التاريخ والإنسان والذاكرة، جامعًا بين السرد التاريخي والهمّ المعاصر. منذ فوزه بـ جائزة كتارا للرواية العربية في عام 2024، لفتت تجربته الانتباه، لا سيما في تعامله مع الشخصيات الجدلية والأحداث المفصلية. في هذا الحوار، يتحدث الجبيلي عن الجائزة، والرواية التاريخية، والمشهد الثقافي العراقي، قبل أن يتوقف في ختام الحوار عند حضور الحرب في الرواية العراقية وكيفية تمثيلها سرديًا.
◆ بداية... ماذا تمثل لك جائزة كتارا للرواية العربية؟
¶ تمثل جائزة كتارا للرواية العربية إضافة مهمة لمسار الرواية العربية، فهي تمنح النص الروائي فرصة أوسع للانتشار، وتسهم في تسليط الضوء على تجارب سردية قد لا تحظى دائمًا بما تستحقه من قراءة ونقد. كما تشكل حافزًا للكاتب على الاشتغال بجدية أكبر على مشروعه الإبداعي.
◆ روايتك «ثورة الزنج.. ما لم يرويه الطبري» الفائزة بجائزة كتارا للرواية تنتمي إلى الرواية التاريخية.. ما الذي شغلك في هذا العمل؟
¶ هي رواية تاريخية تسلط الضوء على شخصية جدلية في التاريخ العربي الإسلامي، هي شخصية علي بن محمد صاحب الزنج. الكتابة عن شخصيات من هذا النوع ليست سهلة، لأن الكاتب قد يقع في مطبات التمجيد أو الإدانة. حاولت تجاوز ذلك عبر قراءة فاحصة للتاريخ، وقراءة ما وراء التاريخ، من خلال العودة إلى مصادر متعددة، سواء المعتمدة مثل الطبري وابن كثير وغيرهما، أو مصادر أخرى أقل تداولًا لدى الدارسين. سعيّت إلى إضاءة أحداث تاريخية مفصلية أدت إلى فشل هذه الثورة، وهي جوانب لم تُتناول سابقًا بعمق.
◆ هل ما زالت الرواية التاريخية تحظى بإقبال القرّاء؟
¶ نعم، وبوضوح، خاصة خلال السنوات العشر الأخيرة. هناك إحساس عام بعودة الاهتمام بالرواية التاريخية من قبل القراء العرب، رغم أن كثيرًا من هذه الأعمال روايات ضخمة من حيث الحجم، لكنها تحظى بمقروئية وانتشار.
◆ ما الذي يدفع الكاتب إلى اختيار التاريخ وسيطًا للسرد الروائي؟
¶ ليس بالضرورة هروبًا من الواقع أو من السلطة. التاريخ بطبيعته مادة جذابة، تحفّز القارئ على الاكتشاف، خصوصًا تاريخنا العربي والإسلامي، بما يحتويه من شخصيات معروفة وأحداث كبرى وزوايا مجهولة. إعادة تقديم هذه الشخصيات والأحداث ضمن إطار السرد التخييلي التاريخي يمنحها حياة جديدة، ويتيح تأويلها من زوايا مختلفة.
◆ كيف تتابع المشهد الروائي في العراق؟ وهل هناك مواكبة نقدية كافية؟
¶ الواقع الثقافي في العراق متلكئ إلى حدّ ما. كثرة الإصدارات تجعل من الصعب على الحركة النقدية مواكبة كل ما يصدر، خصوصًا في ظل الانفتاح الكبير الذي حدث بعد عام 2003.
◆ هل أثَّر خروج عدد كبير من المبدعين العراقيين إلى المهجر على المشهد الثقافي؟
¶ لا أعتقد أن ذلك أثّر بشكل جوهري. العراق، مثل مصر وسوريا وغيرها من البلدان، بلد ولّاد. تذهب موجة روائية، وتأتي أخرى، والإبداع يستمر ولا ينقطع.
الرواية العراقية والحرب
◆ لقد عانى العراق من ويلات الحرب.. كيف تنظر إلى حضورها في الرواية العراقية؟
¶ تكاد موضوعة الحرب لا تفارق الرواية العراقية، بل والرواية العربية عمومًا. في العراق تحديدًا، لا تكاد تخلو رواية من أثر للحروب المتعاقبة، بدءًا من الحرب العراقية– الإيرانية، مرورًا بحرب الشمال، ثم حرب الخليج الأولى والثانية، وصولًا إلى الحرب الطائفية.
من الطبيعي أن تنعكس هذه الحروب في السرد الروائي، سواء جاءت المعالجة واقعية، أو فانتازية، أو تاريخية. الحرب أصبحت جزءًا من الوعي الجمعي والذاكرة العراقية.
◆ كيف عالجت الرواية العراقية آثار الحرب المدمرة؟
¶ كانت الأيديولوجيا حاضرة بقوة في الرواية العراقية والعربية عمومًا، سواء أيديولوجيا الكاتب نفسه، أو تلك المفروضة من الواقع السياسي والاجتماعي. قلة قليلة فقط استطاعت الانسلاخ من هذا الإطار، والكتابة عن الحرب بوصفها أداة دمار لا منتصر فيها.
◆ هل أُتيح للجانب الإنساني أن يظهر بوضوح؟
¶ قبل عام 2003، كان الكاتب يلجأ إلى لغة ملغزة ومبهمة، خوفًا من الرقيب والسلطة الثقافية والحزبية. بعد 2003، توفرت فسحة أوسع لإبراز الجانب الإنساني ومآسي الحرب. في السابق، كان ظهور الضحية في الرواية سببًا كافيًا لقمعها، لأن أي سلطــة تريد دائمًا سردية المنتصر.