«الخطّابات» وسيط زواج مؤتمن.. أم تاجرات يغامرن بمستقبل الشباب

alarab
تحقيقات 18 أكتوبر 2015 , 01:53ص
حامد سليمان
شعارهن «يا بخت من وفق رأسين في الحلال»، فمهمتهن هي إيجاد الشاب المناسب للفتاة، والعروس المناسبة للشاب، ولكن عمل الخطابة شأنه شأن كل عمل طرأت عليه الكثير من المتغيرات التي جعلته محل شكوى الكثير من المواطنات، فهناك من تشتكي من أن المعلومات التي أعطتها إياها الخطابة غير صحيحة، ومن تشتكي بأن الخطابات يطلبن مبالغ كبيرة لا تناسب المجهود الذي تقوم به، إلى غيرها من المشكلات التي غلفت عمل الخطابات في الآونة الأخيرة فظهرت صورة سلبية عن وسيط يصفه البعض بأنه قد أصبح أقرب للمتاجرة بمستقبل شباب وفتيات من مختلف الأعمار.

وعلى الجانب الآخر توضح بعض الخطابات في حديثهن لـ «العرب» أن عملهن ليس تقصي حقيقة المعرس، فالأمر يقتصر على ترشيحه وفق بعض البيانات التي تطلبها العروس، وكذلك العكس فهي ترشح للشاب من تراها مناسبةً، أما فيما يخص الاتفاق المالي فهو يختلف من خطابة لأخرى، فبعضهن تكتفي بخمسة آلاف ريال فحسب من كل طرف، في حين تشترط أخريات الحصول على مبالغ كبيرة، وفي بعض الأحيان يشترطن الحصول على نصف المهر إن كان المعرس حسب وصفهن «هامورا» أي من الأثرياء.

ولأن عملهن بات شائعاً ووجودهن في المجتمع بات أمراً طبيعياً، تنصح القطريات كل فتاة يتقدم لخطبتها شخص عن طريق خطابة أن تسأل عنه بصورة جيدة، فسقطات الخطابات كثرت في الآونة الأخيرة، حيث تعطي بعضهن صورة وردية عن شاب يمكن أن يكون عليه مشاكل أخلاقية أو له سوابق جنائية، لتصطدم الفتاة بعد الزواج بالكثير من المشكلات التي تنتهي بالطلاق في بعض الأحيان.

سوء فهم لعملهن

وقال الخطابة أم سلطان (وشهرتها أم سلمان): عمل الخطابة يتلخص في التواصل بين المعرس وذوي العروس وتعريف بعضهم بعضا، فالمجتمع القطري يمتاز بالالتزام الديني والتمسك بعادات وموروث ثقافي يمنع المعرس من أن يقابل العروس بصورة مباشرة للتعارف، وهنا يأتي دور الخطابة، التي تعرف من المعرس مواصفات العروس التي يحلم بها، وتتواصل مع الفتيات الراغبات في الزواج واللاتي تكون على معرفة وثيقة بهن، لتبحث بينهن عن المناسب لهذا المعرس.

وأضافت: قديماً في قطر كان زواج الشاب من بين أقاربه أو من الجيران، وهذا يعني أن أهل المعرس يكونون على دراية كاملة بالعروس، وكذلك العكس، أما الآونة الأخيرة شهدت حالة من الانغلاق الأسري، فكل شخص يلزم بيته ولا يتعرف على جيرانه، وتواصله مع الأقارب لا يكون إلا في المناسبات، لذا بات من الصعب على الأهل وكذلك الشاب والفتاة أن يتعرفا على من يتقدم لبنتهما، فيصعب على الشاب أن يصل لفتاة أحلامه، لذا تزايد عمل الخطابات في قطر خلال السنوات الأخيرة.

وتابعت أم سلمان: لا يقتصر عمل الخطابة على رصد متطلبات المعرس، فالعروس أيضاً تضع اشتراطاتها في الزوج، سواء من حيث مستوى التعليم أو السن أو المستوى المادي وغيرها من الاشتراطات، فعمل الخطابة ليس بالهين، وعليها أن تكون أمينة إلى أبعد الحدود، فالزواج ميثاق غليظ كما وصفه ربنا، وهي نافذة الزواج الأولى للكثير من الشباب والفتيات.

وأشارت إلى أن بعض المشكلات تحدث بسبب سوء فهم الكثيرين لعمل الخطابة، ففي إحدى المرات اكتشف أهالي عروس أن المعرس كان له سوابق جنائية بعدما رشحته الخطابة، وألقوا باللائمة عليها، في حين أن دورها يقتصر على نقل معلومات حول الشاب للفتاة، وكذلك العكس، والمعلومات في كلتا الحالتين تستقيها من حديثها مع المعرس والعروس، ولا يمكنها التأكد من الكثير من الأمور كسوابقه الجنائية أو غيرها، لذا تؤكد الخطابة دائماً على الأهل أن يسألوا عن الشخص الذي رشحته لابنتهم، والأمر نفسه بالنسبة للشاب الذي يتعين عليه أن يسأل عن الفتاة وأهلها.

وأرجعت أم سلمان زيادة عدد الخطابات في قطر إلى الزيادة السكانية الكبيرة، وارتفاع نسب العنوسة في البلاد، وغيرها من الأسباب التي أدت إلى ارتفاع عدد العاملات في هذا المجال، مشددة على أن هذا الأمر أظهر بعض الخطابات غير الملتزمات، فمنهن من يمكن ألا تكون أمينة في نقل المعلومة، فكل عمل به الجيد والسيئ، ولكن السواد الأعظم من الخطابات في قطر أمينات وملتزمات.

ونوهت إلى أن عمل الخطابة يحمل رسالة سامية، فالسيدة التي تقوم بهذا العمل تسعى إلى تخليص بعض الفتيات من شبح العنوسة، الذي يطارد بعضهن ليس لعيب فيهن ولكن لظروف المجتمع الذي لا يسمح لهن بالتعرف على الشاب بصورة مباشرة، وكذلك بالنسبة للرجال.

وقالت أم سلمان: من بين المشكلات التي تختلف فيها الخطابات فيما بينهن مشكلة الأجر أو المقابل التي يحصلن عليه، وهو أمر أعطى صورة سلبية عن الخطابات بين الكثير من الأسر القطرية، فبعض الخطابات تشترط الحصول على نصف المهر إن كان المعرس «هامور» أي رجل أعمال ثري حسب وصفها.

وأضافت: بعض الخطابات رفعن من المبلغ الذي يحصلن عليه بذريعة أن الغلاء ضرب كل الخدمات المقدمة في الدولة، فبعضهن تحصل على 20 إلى 30 ألف ريال قطري، وهو مبلغ كبير أيضاً، أما بالنسبة لي أحصل على ألف ريال كعربون من المعرس، لأن بعض الشباب ليس لديه الجدية في الارتباط، ومنعاً لأي تلاعب، وبعد الزواج أحصل على خمسة آلاف ريال على دفعتين كل منها 2500 ريال، حتى لا يشعر الشاب بأي عبء مالي عليه.

ولفتت أم سلمان إلى مهنة الخطابة تحوطها الكثير من المشكلات، ففي بعض الأحيان يتهرب المعرس والعروس من دفع المبلغ المتفق عليه بعد أن يرتبطا، ولا يمكن للخطابة أن تلجأ للتقاضي لعدم وجود كتاب رسمي بهذا الاتفاق، فهو في كل الحالات يكون شفهياً، مطالبة بأهمية أن تتبع الخطابات أي جهة بحيث يتم توثيق الاتفاق بين الطرفين وتحصل الخطابة على حقها، ففي بعض الأحيان يجري الاتفاق بين العروسين على عدم إعطائها حقها، فكما نطالب الخطابة أن تكون أمينة، يجب أن يكون الشباب والفتيات أمناء أيضاً في التعامل معها.

خطابة زمان

ومن جانبها قالت أم خلف، المختصة في التراث القطري: الخطبة قديماً كانت عن طريق المسيد «هو مكان التقاء الرجال للصلاة والاجتماع فيه»، فيسأل الرجل عما إذا كان بالفريج فتيات للزواج، أو عن طريق الوهب من الصغر، فتوهب الفتاة وهي في مهدها لابن عمها أو ابن خالها، وكذلك أن يبحث الشخص بين الأقارب، وعمل الخطابة لم يكن بهذا الشكل المتوسع فيه في الآونة الأخيرة.

وأضافت: لم تظهر مهنة الخطابة بشكلها الحالي قديماً، فأهل الفريج معرفون لبعضهم البعض والأهل قريبون من بعضهم بصورة كبيرة على عكس ما أحدثته النهضة التكنولوجية من فرقة، ولا مجال لتدخل سيدة في تزويج شاب من فتاة، وإن كانت موجودة على نحو بسيط، فغالبية الفتيات كانت موهوبات لأقارب، والزواج كان بسيطا وليس بالتكلفة أو المظاهر المبالغ فيها التي نعيشها في الوقت الحالي.

وتابعت: ما تحصل عليه الخطابة قديماً كان أجرا بسيطا، فعملها لا يعدو تعريف أهل المعرس على ذوي العروس، ولكن في الفترة الأخيرة، ومع ارتفاع معدلات العنوسة بلغ ما تتقاضاه الخطابة مستويات مرتفعة فوصل لأكثر من عشرين ألفا في بعض الحالات.

وأشارت إلى أن ظهور الخطابات بالصورة الواضحة في المجتمع القطري كانت في أواخر تسعينيات القرن الماضي أو بداية الألفية الجديدة، وهذا يرجع إلى الطفرة العمرانية التي عاشها القطريون هذه الفترة وتباعد الكثير منهم، ثم الطفرة التكنولوجية التي وضعت الكثير من الحواجز بين الأهل والجيران، فبات الاطمئنان على الأقارب عن طريق الهاتف فحسب، ما تسبب في عدم معرفة الشاب لأقاربه من الفتيات، لتبدأ رحلة البحث التي يلجأ فيها بالكثير من الأحيان إلى الخطابة.

ولفتت أم خلف إلى أن الخطابة قديماً كانت تحصل على النذير من الهدايا التي تأتي للعروس من الجيران كثوب أو غيره من الهدايا، ومع ارتفاع نسب العنوسة تحول إلى عمل تحصل الخطابة من خلاله على مبالغ كبيرة، إضافة إلى أن التعقيدات بدأت تدخل على الزواج، فيشترط المعرس الكثير من الاشتراطات بالنسبة للزوجة، وكذلك الفتيات اللاتي ينتظرن معرسا على غرار ما يشاهدنه في التلفاز.

وأكدت على أن الخطابة على انتشارها غير مرغوبة بالنسبة للكثيرين، فتواصل ذوي المعرس مع أهل العروس بصورة مباشرة أفضل ولا تشوبه الكثير من المشكلات التي تسببها الخطابة.

ونوهت إلى أن الخطابة تحصل على مبلغ من الطرفين، ما يعني أن ما تحصل عليها من زفاف واحد يمكن أن يصل إلى أربعين ألف ريال، أي عشرين ألفا من كل طرف.

وقالت أم خلف: بعض الشباب الذين تقدمهم الخطابة لذوي العروس يمكن أن يكون متورطا في قضايا أو سكيرا أو مدمن مخدرات أو غيرها من الأمور، فالشاب غير المنضبط يفضل اللجوء للخطابات لأنها تعطي صورة وردية عن المعرس، والأهل غالباً لا يدققون إن جاء من خطابة، فهم يثقون فيها، ناهيك عن أحاديثها التي يكون لها مفعول السحر على نفس الفتاة وأهلها، فتتحول الخطابة من معين على تزويج الفتاة إلى النافذة الأولى لمشكلات زوجية يمكن أن تنتهي بالطلاق.

ونصحت كل أسرة يتقدم لخطبة ابنتها شخص لا يعرفونه جيداً أن يدققوا في السؤال عنه، سواء كان عن طريق خطابة أو غيره، فالتقارب الذي كان ينعم به أهل قطر قديماً زال، والآن بات من الصعب تمييز الأشخاص، فلا معرفة دقيقة بهم، ناهيك عن أن مساحة مخالفة الشباب في السابق لم تكن بهذا الشكل، فالآن الشباب فتحت أمامهم الكثير من قنوات الخروج عن العادات والتقاليد والقانون، فلم يعد ولي الأمر يأمن على ابنته إن لم يكن لديه خلفية مسبقة عن المعرس.

وأضافت أم خلف: لم تكن الخطبة بشكلها الحالي موجودة قديماً، والعرس يكون في المنزل في أجواء بسيطة، فالمباهاة والمغالاة التي تشهدها الأعراس في الوقت الحالي لم تكن موجودة قديماً.

وتابعت: أنصح الخطابات أن يتقين الله في الفتيات اللاتي يقمن بتزويجهن، وألا يغالين في المبالغ التي يحصلن عليها، فتزويج الفتيات هو عمل خير، ولتتمه الخطابة يجب عليها أن تسأل جيداً عن الشباب المتقدمين للفتيات، وأن يقدمن صورة كاملة لأهل العروس، حتى لا تنتهي مهمتها نهايات مأساوية كالتي انتشرت في الآونة الأخيرة، سواء باعتداء الزوج على زوجته أو الطلاق.

البوابة الأولى للمشكلات

ومن جانبها قالت سارة سالم الأحبابي: ارتفعت أسهم الخطابات في قطر خلال السنوات القليلة الماضية، نظراً لزيادة عدد السكان، وما ترتب عليه من تباعد بين غالبيتهم، حتى صار التواصل بين الأهل عن طريق تطبيقات الهواتف الذكية، وحتى بلغنا أن العلاقة بين الجار وجاره لا تعدو التهنئة في المناسبات، ما تسبب في عدم معرفة السكان بعضهم ببعض، وباتوا بحاجة ماسة لمن يرشح لهم معرسا جيدا ذا دين وخلق.

وأضافت: ارتفعت نسب العنوسة ومعدلات الطلاق في قطر، وهذا جعل من الخطابات الوجهة الأولى للأسر لتزويج فتياتهن، خاصةً مع معسول الكلام الذي تمتلكه الكثير منهن، فتوصل فكرة لبعض الأسر أن بنتهن في أيد أمينة، والأمر لا يختلف بالنسبة للشباب الذين يظنون أنها تمتلك مفاتيح كل بيوت قطر، وأن الخطابة قادرة عن أن تصل إلى أفضل الفتيات في البلاد.

وتابعت الأحبابي: المقابل المادي الذي تحصل عليه الخطابة بات مجال اجتهاد، فالأمر أصبح صفقة تلعب بأدواتها حتى تصل للسعر المناسب، فبعضهن تكتفي بخمسة آلاف ريال فقط من كل طرف، والمبلغ في زيادة من خطابة لأخرى وصولاً لمئات الآلاف في بعض الأحيان، فمنهم من تشترط نسبة من المهر الذي يصل إلى مبالغ ضخمة بالنسبة لبعض الأسر.

وأوضحت أن الخطابة تأخذ مبلغا من الطرفين، فالأمر لا يعدو كونه مساومة تسعى من خلالها للحصول على أكبر مبلغ ممكن، خاصة أن العنوسة باتت الهاجس المؤرق للكثير من الأسر والفتيات، إضافة إلى نسب الطلاق التي تزداد بصورة مستمرة، ورغبة الكثير من المطلقين والمطلقات في بدء حياة زوجية جديدة، ومع الفكرة المسبقة التي يمكن أن تأخذها الأسر عن المطلق أو المطلقة يأتي دور الخطابة مع معسول الكلام الذي تملكه لتجعل الزواج أمر يسير.

وأشارت سارة الأحبابي إلى أن الفترة الأخيرة شهدت ظهورا واضحا للخطابات في قطر، فالأمر بلغ حد إعلان بعضهن عن أنفسهن في الملاحق الإعلانية للصحف، فالمجتمع بات متقبل عملهن، وبعض الفتيات -وإن كن لا يفصحن عن ذلك- إلا أنهن يبحثن بصورة مستمرة عن خطابة.

ولفتت إلى أن النهضة التكنولوجية التي ألقت بظلالها على الكثير من مظاهر حياتنا وصلت للخطابة أيضاً، فبعض الخطابات بات لديهن حسابات على تويتر يتلقون الطلبات من خلالها، ويضعون اشتراطات المعرس أو العروس على الصفحة ويحتفظن بأرقام الهواتف، ففي حال تواصل شاب وفتاة للسؤال عن أحد المعلنين أو المعلنات يتم الاتفاق لتضمن الخطابة أن تحصل على حقها.

وأشارت إلى أن كل مهنة بها الأمين والسيئ، وكذا الخطابة التي كانت مقتصرة قديماً على بعض السيدات، وكن يتميزن بالأمانة والصدق، إلا أن الفترة الأخيرة شهدت ظهور من لا يمكن تسميتهن إلا بالمتاجرات بمستقبل الشباب والفتيات، فظهرت الكثير من المشكلات، لتصبح الخطابة البوابة الأولى للمشكلات الزوجية.

وأكدت سارة الأحبابي على أن بعض الخطابات يخفين حقيقة الشباب المتقدمين للفتيات، ففي بعض الأحيان يتقدم شاب سكير أو له سوابق جنائية فلا تفصح الخطابة بهذا الأمر، أملاً في إنهاء الخطبة وحصولها على المبلغ المتفق عليه، فالأمر بالنسبة لها لا يعدو كونه صفقة يجب أن تنجز سريعاً لتنتقل إلى غيرها.

ونصحت كافة الأسر أن يأخذن الحيطة والحذر في التعامل مع أي خطابة في حال رأوا أنفسهم مضطرين للتعامل معها، فإن كان ولا بد فعلى رب الأسرة أن يسأل جيداً عن الشخص المتقدم لابنته، وألا يكتفي بالمعلومات التي تعطيها له الخطابة، حتى لا تكون الفتاة ضحية لسيدة غير أمينة وأهل غير مكترثين بمستقبلها.