يحرص حضرة صاحب السمو أمير البلاد المفدى على مخاطبة اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة سنويا، وهو ما يأتي انطلاقاً من إيمان سموه بأهمية التعاون الدولي وبدور هذه المنظمة العالمية ورسالتها السامية، لحفظ السلام والاستقرار بالعالم ونزع فتيل الأزمات الدولية ووضعها على مسار الحلول السياسية، وهي الرسالة التي تساهم فيها دولة قطر بنصيب مقدر ووافر .
وتكتسب مشاركة وخطاب حضرة صاحب السمو في اجتماعات الدورة السادسة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة، أهمية كبيرة، تعكس الدور الكبير لقطر على المستويين الإقليمي والدولي باعتبارها إحدى أبرز القوى الصانعة للسلام في العالم من خلال وساطاتها العديدة ومساهماتها البارزة في إرساء وتحقيق الأمن والسلم الدوليين، وجهودها في تحقيق الاستقرار ونزع فتيل التوترات في المنطقة والإقليم وخارجه، وهي جهود ظلت محل تقدير واحترام عالمي واسع.
والشاهد هنا ما أنجزته الدولة فيما يتعلق بالملف الافغاني، ودورها الكبير والملموس على الصعيدين الافغاني والدولي، فهي من جهة ركزت على اهمية إحلال السلام في الداخل الافغاني من خلال الاجتماعات المكوكية للمسؤولين القطريين مع عدد كبير من الحكومة الافغانية، وأيضا من خلال التشاور والتفاهم مع كبرى دول العالم لإجلاء الرعايا من الداخل الافغاني عبر التنسيق والتشاور، وهو ما لقي رد فعل وصدى عالمي واسع، للإنجاز والنجاحات المتتالية في الملف الأفغاني، سواء كان ذلك في عمليات الإجلاء الواسعة التي ساهمت في إنقاذ أرواح عشرات الآلاف من الأجانب والمدنيين الأفغان، أو دورها الرائد في مقدمة الدول التي هبت لتقديم المساعدات الإنسانية للشعب الأفغاني عبر جسر جوي متواصل، أو جهودها في السلام في أفغانستان.
ولا تغيب قضايا الأمة العربية والإسلامية عن كلمة صاحب السمو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث يركز سموه في كلمته على التذكير دائما بعدالة قضية فلسطين، وعجز المجتمع الدولي عن اتخاذ أية خطوات فعالة في مواجهة التعنت الإسرائيلي والاستمرار في احتلال الأراضي الفلسطينية والعربية إلى جانب فرض حصار خانق على قطاع غزة، والتوسع المستمر في سياسة الاستيطان، وفرض سياسة الأمر الواقع، وذلك في انتهاك فاضح لقرارات الشرعية الدولية، وحل الدولتين الذي توافق عليه المجتمع الدولي.
وكانت دعوة سموه إلى قرارات الشرعية الدولية، حيث يؤكد سموه على أن السلام العادل والمنشود لا يمكن تحقيقه إلا من خلال التزام إسرائيل التام بمرجعيات وقرارات الشرعية الدولية والتي قبلها العرب وتقوم عليها مبادرة السلام العربية، فيما تحاول إسرائيل الالتفاف عليها والتصرف كأن قضية فلسطين غير موجودة، ومن هنا يؤكد سموه أن أية ترتيبات لا تستند إلى هذه المرجعيات لا تحقق السلام ولو سميت سلامًا. وقد يكون لها غايات أخرى غير الحل العادل لقضية فلسطين، وغير تحقيق السلام الشامل والعادل والدائم.
وقد أكد سموه في الاجتماع الأخير أن بقاء قضية فلسطين من دون حل عادل، واستمرار إسرائيل بالاستيطان وخلق الوقائع على الأرض دون رادع، أكبر علامة سؤال على مصداقية المجتمع الدولي ومؤسساته.
ودعا سموه المجتمع الدولي وبخاصة مجلس الأمن إلى القيام بمسؤوليته القانونية وإلزام إسرائيل بفك الحصار عن قطاع غزة وإعادة عملية السلام إلى مسارها من خلال مفاوضات ذات مصداقية، بحيث تقوم على القرارات الدولية وليس على القوة، وتتناول جميع قضايا الوضع النهائي، وإنهاء الاحتلال خلال مدة زمنية محددة وإقامة دولة فلسطين المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي لجميع الأراضي العربية المحتلة.
وقد أعلن سموه خلال الاجتماع الماضي أنه في إطار سعي قطر لتهيئة البيئة الملائمة للتوصل إلى السلام والاستجابة للصعوبات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه الأشقاء في فلسطين، فقد تم التواصل بالتنسيق مع الشركاء الدوليين تقديم الدعم الإنساني والتنموي لمعالجة الاحتياجات العاجلة والطويلة الأمد في قطاع غزة المحاصر، علاوةً على تعزيز مساهماتنا لصالح وكالة الأونروا.
كما كان للأزمة السورية حضور قوي من كلمة صاحب السمو أمام الامم المتحدة، حيث أكد في خطابه الأخير أمام الأمم المتحدة، أنه لا يزال الوصول إلى إنهاء هذه الأزمة متعذراً بسبب تعنت النظام السوري وتقاعس المجتمع الدولي، وبخاصة مجلس الأمن، عن أداء دوره في حفظ السلم والأمن الدوليين وحماية المدنيين. وما زال النظام في سوريا يعطل حتى مسار صياغة الدستور الجديد، الذي اقترحته روسيا. وهو للأسف كل ما تبقى من الجهود الدولية لتحقيق حل سلمي ما. فهو يتعامل مع هذا الجهد باستراتيجية مسايرة المجتمع الدولي نفسها التي اتبعها بالمشاركة الصورية في المفاوضات لتمرير الوقت دون نية لإحداث أي تغيير.
وكرر سموه خلال خطابه موقف قطر الثابت بأن السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة السورية هو الحل السياسي الذي يستند إلى بيان جنيف (1)، وتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 2254، كما تؤكد دولة قطر أنها ستواصل مع المجتمع الدولي دعم جهود تحقيق العدالة ومساءلة مرتكبي الفظائع وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت في سورية. وفي المجال الإنساني أكد سموه استمرار قطر في تقديم كافة أوجه الدعم والمساعدات للشعب السوري الشقيق في مناطق النزوح واللجوء حتى إنهاء هذه الأزمة.
ولقضايا الإرهاب نصيب أيضا من كلمة سموه، حيث أكد سموه مرارا أن الإرهاب يظل أحد أبرز التحديات التي يواجهها العالم لما يمثله من تهديد حقيقي للسلم والأمن الدوليين، وإعاقة تحقيق التنمية المستدامة للشعوب، مؤكدا أن قطر لا تدخر جهدًا في المشاركة الفاعلة في الجهود الدولية والإقليمية للتصدي لتلك الظاهرة ومعالجة جذورها ولا سيما من خلال دعم التعليم لملايين الأطفال والشباب والنساء وإيجاد فرص عمل للشباب.
من جهة أخرى، قال الأمين العام للأمم المتحدة إن جائحة كوفيد-19 كانت أكثر الفترات صعوبة التي شهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية. إذ أدت إلى تعميق التفاوتات وتدمير الاقتصادات وإغراق الملايين في براثن الفقر المدقع. جاء ذلك خلال افتتاح الدورة السادسة والسبعين للجمعية العامة حيث سلّم الأمين العام المطرقة إلى رئيس الجمعية الجديد، عبد الله شاهد، مثنيا على سلفه قائلا: طوال هذه اللحظة الصعبة والتاريخية، كنا جميعا محظوظين بالاعتماد على قيادة سعادة الرئيس فولكان بوزكير . ونسب الأمين العام للأمم المتحدة الفضل إلى الدبلوماسي والسياسي التركي المنتهية ولايته لإعطاء الأولوية للتعافي المستدام، المتجذر في أجندة 2030، ودعم البلدان والمجتمعات أثناء إعادة بناء الأنظمة التي دمرتها الجائحة.
وقال أنطونيو غوتيريش الأمين العام: باختصار، تحت إشراف الرئيس بوزكير، أثبتت هذه الجمعية، مرارا وتكرارا، قيمة التعددية والنظام الدولي القائم على القواعد .، وفي خطاب صادق قبل اختتام الدورة الخامسة والسبعين للجمعية العامة، أشار الرئيس المنتهية ولايته فولكان بوزكير إلى أن فترة ولايته جاءت في خضم عام مضطرب وتاريخي وتحويلي وغير متكافئ ومليء بالتحديات ورائد . وأضاف: منذ اللحظات الأولى لرئاستي، علمنا أن كوفيد-19 19 سيهيمن على جدول أعمالنا. ومع ذلك، يمكنني الآن أن أقول إنه عزز إيماننا بوجود أمم متحدة أكثر فاعلية وأكثر استجابة .
وقبل تسليم منصبه إلى شاهد، قدم بوزكير سلسلة من التوصيات بما فيها تعزيز الجمعية والتحول من التركيز على الإجراءات على حساب الجوهر إلى جدول أعمال أكثر تبسيطا ومدفوعا بالأولوية وإعطاء الأولوية للأمم المتحدة ككيان واحد يقوم على الاحترام والنزاهة والتقدم.
وافتتح الرئيس الجديد للجمعية العامة، عبد الله شاهد من جزر ملديف، الدورة السادسة والسبعين، مشيرا إلى أن علم بلاده يرفرف على أعلى قمة اليوم . وتحدث عن القلق الجماعي شبه العالمي واليأس، وليس كل ذلك مرتبطا بالجائحة، قائلاً: يجب أن يتغير السرد ، وأن تلعب الجمعية العامة دورا في ذلك . وقال إن هذه اللحظة من التاريخ تدعو إلى الأمل قبل كل شيء، لكي نثبت لسكان العالم أننا ندرك محنتهم... نستمع إليهم... ومستعدون للعمل معا للتغلب على المشاكل . وأنه يمكننا أن نجد الشجاعة للمضي قدما و تطعيم العالم وتحفيز التعافي من الجائحة بشكل أكثر اخضرارا وشمولية.
وقال غوتيريش في الجلسة الافتتاحية للدورة السادسة والسبعين للجمعية العامة، إن روح الشراكة هذه المتمثلة في قضية مشتركة، هي القلب النابض لعملنا هنا في الأمم المتحدة . ومهنئا شاهد على انتخابه رئيسا للجمعية العامة، أوجز الأمين العام للأمم المتحدة سيرة الدبلوماسي الملديفي الطويلة مشيرا إلى أنه كونه من جزر ملديف، فإنه يجلب منظورا جديدا للتجربة الفريدة للدول الجزرية الصغيرة .
وقال السيد الرئيس، إنني أتطلع إلى التعاون الوثيق فيما نعمل على خدمة ودعم البلدان خلال هذه اللحظة غير العادية من الزمن، والوفاء بالوعود الكبيرة والإمكانيات للنظام متعدد الأطراف والأمم المتحدة ، مؤكدا على دعم أسرة الأمم المتحدة وشراكتها الكاملين. الأمين العام أنطونيو غوتيريش (يمين) والسيد عبد الله شاهد، الرئيس المنتخب للدورة السادسة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة.
الأمين العام للأمم المتحدة تطرق أيضا إلى الصراع وتغير المناخ، وتعميق الفقر والإقصاء وعدم المساواة؛ و جائحة تستمر في تهديد الأرواح وسبل العيش والمستقبل . وقال: إن هذه التحديات تزداد سوءا بسبب الانقسامات التي تخيف عالمنا - بين الأغنياء والفقراء- وبين أولئك الذين يعتبرون الخدمات الأساسية أمرا مسلما به، وأولئك الذين تظل هذه الضروريات بالنسبة لهم حلما بعيد المنال .
وشدد على الحاجة إلى تسريع استجابتنا لكوفيد-19، باللقاحات والعلاج والمعدات للجميع؛ والاستثمار في التنمية البشرية والرعاية الصحية والتغذية والمياه والتعليم؛ والالتزام بأهداف مناخية جريئة في مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالمناخ COP26 في غلاسكو، في نوفمبر. وقال الحرب على كوكبنا يجب أن تنتهي. هذه التحديات والانقسامات ليست من قوى الطبيعة. هي من صنع الإنسان . كما شدد غوتيريش على الحاجة إلى إعادة الالتزام بقيم الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ودعم أكثر الفئات ضعفاً، والسلام من خلال الحوار والتضامن.