

افتتحت متاحف قطر معرضين جديدين يتوّجان برنامج الإقامة الفنية للرواد في مطافئ مقر الفنانين، حيث يعرضان أعمال فنانيْن مرموقيْن فاطمة النعيمي في معرضها ثم عودة في جاليري 3، والفلسطيني عيسى ديبي في معرضه ما تبقى ليُرى في جاليري 4. ويستمر المعرضان حتى 13 ديسمبر المقبل.
وتقدم الفنانة فاطمة النعيمي في معرضها»ثم عودة «، سلسلة جديدة من اللوحات التي تُجسّد ببراعة إيقاعات التحوّل في العواطف، مُتنقّلةً بين مواضيع الترقب والغموض ثم التجديد. تنتقل رحلتها من لحظات السيطرة إلى الاستسلام، ثم إلى تأملات في العودة. تظهر الزخارف الزهرية منسوجة برِقّة في جميع التركيبات الفنية كرموز قوية للصمود والتفاؤل الهادئ، مجسّدةً حياةً تستمرّ في ظل الاضطراب. وتدعو النعيمي المشاهد إلى التأمل في الجمال الكامن في الزوال والقوة الكامنة في الضعف، وذلك من خلال أسطح متعددة الطبقات وإيماءات بصرية دقيقة.
ويقدم معرض ما تبقى ليُرى للفنان عيسى ديبي مجموعة أعمال فنية مؤثرة، يتأمل فيها الفنان والناشط الثقافي سياسات الرؤية في عالم يمضي في تشكيل معالمه بالترصد والصراعات وأساليب الرؤية المفكّكة، باستخدام لوحات بها ألوان باهتة وآفاق متشظّية وطبقات يمكن لمسها، يُعيد ديبي بناء الذاكرة من بقايا الدمار، حيث تظهر الطيور بأشكالها المتكررة. إن هذه الأعمال تتحدى نظرة الثقافة البصرية الحديثة، وتحث المشاهد على مواجهة الأبعاد العاطفية والإنسانية والأخلاقية للرؤية.
وقال الفنان والباحث د. عيسى ديبي في تصريح لـ«العرب» حول فلسفة معرضه الجديد «ما تبقّى لِيُرى» إن الرؤية ليست مجرد حدث بصري، بل «فعل تحرّر ومحاولة لاستعادة الإنسان من الأرشيف الكولونيالي ومن هيمنة الخوارزميات التي صادرت المعنى وحوّلت العالم إلى بيانات». وأكد أن النظر في أعماله يتحوّل إلى «موقف أخلاقي يعبّر من داخل الجرح، لا من خارجه».
وأوضح أن لوحاته تسعى إلى تحرير الصورة من «سلطة العلوّ» التي باتت تحدّد معنى الرؤية في زمن المراقبة والحروب، حيث ترفض اللوحة –كما يقول– النظر من منظور العين الشمولية المرتفعة، بل تعمل على «تفكيك هذا الارتفاع» وإعادة الصورة إلى هشاشتها الإنسانية. وأشار إلى أن الخرائط في عالم اليوم صارت «أدلة للقتل الدقيق» وأن استهداف المدن لم يعد نتيجة جانبية للحرب، بل غايتها. ولفت إلى أن تدمير البنية العمرانية يمثّل «قتلاً معمارياً» يطيح بإمكان العيش المشترك، مبيناً أن قصف الجسور والأسواق والمكتبات يستهدف في جوهره العلاقة الإنسانية نفسها. وهنا تتبدى –كما قال– «أخلاقية النظر: أن ترى يعني أن تشهد، وأن تغضّ البصر هو إطالة زمن المحو».
وخلص ديبي إلى أن «ما يتبقّى لِيُرى» ليس مجرد عنوان، بل نداء للرؤية ذاتها، مؤكداً أن اللوحة تتحول إلى «فعل أخلاقي وإعلان عن البقاء» وإلى مقاومة في وجه الصور العالمية التي تطبع العنف، مشددًا على أن حضور الإنسان في العمل الفني هو ما يمنح العالم فرصة للبداية من جديد.