شهد معرض الدوحة الدولي للكتاب في نسخته رقم 31 امس عدة فعاليات ثقافية مهمة ابرزها تدشين العديد من الكتب المهمة الى جانب انعقاد سلسلة من الندوات ابرزها ندوة بعنوان الأمن الثقافي..مستقبل ومسؤولية ، حضرها حشد من الاعلاميين والكتاب والادباء والمثقفين يتقدمهم سعادة الشيخ عبدالرحمن بن حمد آل ثاني وزير الثقافة. وقدم الندوة الاعلامي والكاتب جاسم سلمان، كما كان المتحدث الرئيسي سعادة السيد د. حمد بن عبد العزيز الكوّاري وزير الدولة ورئيس مكتبة قطر الوطنية، الى جانب كل من مروان قبلان مدير برنامج الدراسات الدبلوماسية بمعهد الدوحة للدراسات والاعلامي ياسر ابوهلالة.
استهل دكتور حمد الكواري حديثه بالقول: إنّ اللّغة هي أداة تواصلٍ، ولكن من الخطأ وخاصّة بالنسبة للعربية قصر هذه المهمة عليها للتعريف بها، لأنّ قصر المهمة على اللغة يحجب الدّور الجوهري للغة في حياة الشّعوب، فهي ليست مجرّد وسيلَة، وإنّما هيَ محدّد لوجود أمّةٍ ولوجود حضارةٍ لهذه الأمّة بماضيها وتراثها وعلومها وآدابها وثقافتها وتواصل أجيالها، ولغتنا العربيّة بالذّات تشكّل وعاء حضارتنا ولغة كتابها القرآن المقدّس وسيرة وحديث نبيّها الكريم .
واستطرد قائلاً: لقد ذكر ابن حزم الأندلسي أنّ ما يُمكن أن تتعرّض لهُ اللّغة من اهتزاز يؤثّر سلبًا على معاش أهلها بقوله اللّغة يسقط أكثرها ويبطلُ بسقوط دولة أهلها ، ويضيفُ ابن خلدون إلى مبدأ العلاقة الوطيدة بين الأمة واللغة قوله بأنّ اللّغات إنّما تكون بلسان الأمّة أو الجيل الغالبين عليها أو المختطّين لها، ولذلك كانت لغات الأمصارِ الإسلاميّة كلّها في المشرق والمغرب لهذا العهد عربيّة . لذلك اقترن وجود اللغة بوجود الدّولة والأمّة، ماضيها وحاضرها واستمراريتها فإذا اهتمّ الناسُ بلغتهم تحقّقت صورة وجود الأمّة وإن أهملوها فإنّهم يكونون تابعين لا متبوعين، وتضعفُ سيادتهم ويكتفون بضرورات العيش، بدل رفعة الحضارةِ .
ونوه الى ان: عندما احتلّ الغرب ديار العرب والإسلام جعل جلَّ تركيزه على إضعاف اللغة العربيّة لأنّ بإضعافها تضعف الأمّة عن تراثها ومكوّناتها وتحوّل أفكار الشّعب وعواطفه وثقافته إلى منحى آخر فينقطع نسب لغته ونسب ماضيه وتصبحُ هويّتهُ متلاشية وتضمحلّ في الوجود. فما من تراجع يصيبُ حضارة الأمة إلاّ وكان تدهور اللغة هو السبب الرئيسي في ذلك.لذلك فإنّ الوقوف عند حدود الدور التواصلي للغة هو قولٌ قاصرٌ، فاللغة مؤثّر أساسي في التّفكير. إنّنا حين نفكّر فإنّما نفكّر من داخلِ لغتنا وبلغتنا، فإن كانت لغتنا ضعيفَةً فسيكون تفكيرنا ضعيفًا لا محالَة، وقد عمد الاستعمار والقوى الغالبة الآن إلى إضعاف اللغة وتهميش العربيّة بنشر لغاتها حتّى يفكر العربي من خارج لغته أي ثقافته وحضارته، وبالتالي يكون أسيرًا لثقافة القوى الغالبة تفكيرًا وحياةً .
ومضى قائلا: إنّنا كثيرًا ما نستخدم عبارة انتمائنا إلى القرية الكونيّة بشيءٍ من الفخر، لكننا نتغافل عن الجوانب السلبيّة لهذا الاستخدام، فقد شرّع نفسيّا قبولاً طوعيّا لهيمنة ثقافات على أخرى، وضمورًا لخصوصيّات لا تعيش الحضارة الإنسانيّة بغير وجودها، كما شرّعَ لهيمنة لغة على لغات أخرى. وإذا كانت اللغة العربيّة هي مفتاحُ وجود الأمّة، فإنّ التهديد الذي يطالها سيصيبُ الثقافة العربيّة، لذلك فإنّ أيّ حديثٍ عن الأمن الثقافي في هذه المرحلة سيمرّ حتمًا بأولويّة المحافظة على اللغة العربيّة، فلا معنى للأمن الثقافي دونَ فهمِ هذه المسألة الجوهريّة. وإذا كان ما يميّز الشّعوب اليوم هو ثقافتها، فإنّه من الحريّ القول بأنَّ اللغة هي العروة الوثقى للثقافة. يقول هنتغتون: لقد انهار العالم الشّيوعي في نهاية الثمانينيات، وأصبح النظام الدولي للحرب الباردة محض ماضٍ. ففي عالم ما بعد الحرب الباردة يكون التفريق الأهم بين الشّعوب ثقافيّا وليس إيديولوجيّا، سياسيّا أو اقتصاديّا ونقولُ بأنَّ التفريق بين الشّعوبِ اليوم يكونُ قياسه بمدى امتلاكها للغتها القوميّة .
واشار د. حمد الكواري الى انه: كثيرًا ما نتغافل عن عمق العلاقة بين اللغة والثقافة، فنجعل اللُّغة مجرّد عنصر فحسب، متناسين أنّ اللّغة هي مفتاح الثقافة، وكثيرًا ما يسود الاهتمام بالأمن الوطني، والأمن الاقتصادي والأمن الغذائي، فتتصدّر هذه المصطلحات الخطاب السياسي العربي لتكون من الأولويات الاستراتيجيّة للدّول، ولكننا نتغافل عنْ الأمن الثَّقافي، فلا نجده ضمن قائمة أمن المجتمعات، ولذلك تجاهلنا الدور الكبير للغة في تحقيق هذا الأمن.
ولئن تولّد مصطلح الأمن الثقافي نتيجة استشعار الخطر الدّاهم الذي تواجهه الثقافة المحلِّية أمام ثقافة العولمة الغربيّة التي تتّصف بالرأسماليّة وبالحياة الاستهلاكيّة، وأصبح المصطلح دالاًّ على دعوة الدّول والأفراد والمؤسسات إلى مراجعة سياساتها الثقافيّة، فإنَّ استشعار الأخطار المحدقة باللغة العربيّة سيؤدّي بنا إلى إدراك أبعاد الأخطار التي تهدّد المجتمع والحضارة العربيّة.وهذا لأمة العرب وأمنها الثقافي بالمطلق ..
وتابع قائلا: لكننا حين نصل بالحديث عن دول الخليج العربي بصورة عامة فإن الأمن الثقافي والذي تمثله اللغة يمثل أكثر خطورة منه في أي مكان آخر في عالم العرب. فنسبة المواطنين في معظم دولنا لا تصل إلى 15 ٪ فإذا أضفنا لها الوجود العربي المتمثل بالجاليات العربية فإنها لتصل إلى 50 ٪ وربما أقل من ذلك بكثير، وعدا ذلك فإنها جاليات أجنبية لا تمت للعربية بصلة، وكثيرا ما نساير هذه الجاليات لكثرتها وتواجدها بيننا بإضعاف لغتنا بصورة توصل المعنى لهذه الجاليات، كما أن معظم العاملين في البيوت وبالذات المربيات من الآسيويات، ومع انشغال الأم بالعمل وتراخيها في أداء دورها في التربية يعزز دور هؤلاء يصبح الأطفال هم الضحية .
وقال د. حمد الكواري: فإذا أضفنا إلى ذلك سطوة الغرب ولغاته من خلال التعليم والاقتصاد المعرفي والعلوم و التجارة والترفيه أدركنا إلى أي مدى يحصل الضعف الذي يتعرض له أمننا الثقافي من خلال وضع اللغة العربية في مجتمعنا.
وإنّه لمن المهمّ أن نشير إلى أنّ تراجع اللغة العربيّة جدَّ نتيجة غياب أثر حواضر اللغة العربيّة مثل بغداد ودمشق وبيروت، بسبب تضاؤل النشاط والإنتاج الفكري والحيويّة الحضاريّة التي كانت تمنح البيئة الثقافيّة العربيّة طاقةَ إبداعيّة لا حدّ لها .
وحول معنى الامن الثقافي وتعريفه اوضح قائلا إذا كنّا نعني بالأمن الثقافي قدرة أيّ مجتمع على الحفاظ على هويّته أمام الظروف والمتغيّرات والأخطار الحقيقيّة والافتراضيّة المحدقة به فإنَّ اللّغة تحتلّ مركز الصّدارة في تشكيل الهويّة، وهي أهمّ عنصر ثقافي في تحقيق وحدة الانتماءات الثقافيّة بين سائر البشر، ناهيك أنّ الدّول تتوحّد على أساس اللغة، ونذكر التّجربتين الإيطاليّة والألمانيّة، حتّى أنّ الفيلسوف الألماني فيخته اعتبر أنّ الأمة الألمانيّة الموحّدة هي التي تضمّ كلّ من يتكلّم الألمانيّة، فاللغة أساس الهويّة. وتقوم هويّتنا العربيّة على ركيزة وحدة اللّغة، فالدّول العربيّة الموجودة على رقعة جغرافيّة محدّدة، هي عربيّة لا بمقياس التاريخ أو الأرض وإنّما بمقياس اللّغة، ولا يُمكن إنكار الأثر القويّ للغة العربيّة في إنشاء الترابط بينَ العرب، أيّا كانت اختلافاتهم السياسيّة أو تنوّع مصالحهم الاقتصاديّة والاجتماعيّة .
ومضى قائلاً: إنّ اللغة هي التي تحدّد خصوصيّة الهويّة، وكلّما كانت قويّة فإنّها تُكسب الثقافة قوّةً في الحوار أو المواجهة مع ثقافات أخرى، وما يميّز العرب على امتداد تاريخ أزماتهم أنّهم واعون بأنّ السبيلَ إلى المحافظة على الهويّة، يكون من خلالِ المحافظة على لغتهم القوميّة. وللغة العربيّة دور كبيرٌ في صيانة الذّاكرة الجماعيّة والمشاعر الوطنيّة، فهي صمّام أمان لوجدان المجتمع، بها يتشكّل وبالمحافظة عليها يحقّق استمرار وجوده. لقد اهتدى قادة و زعماء كثيرون في التاريخ إلى هذا التلازم بين اللغة والهويّة، فاليابان التي هزمت في الحرب العالميّة الثانية، قبلت أغلب الشّروط الأمريكيّة، ومن بينها تغيير الدّستور إلاّ أنّها لم تستجب لطلب تغيير اللغة اليابانيّة .
وشدد على ان: المادّة الأولى من الباب الأوّل للدستور القطري اكدت على ذلك الربط المحكم بين اللغة العربيّة والهويّة الوطنيّة في دولة قطر، فقد نصّت المادّة على أنَّ قطر دولة عربيّة مستقلّة ذات سيادة. دينها الإسلام، والشريعة الإسلاميّة مصدر رئيسي لتشريعاتها ونظامها ديمقراطي ولغتها الرّسميّة هي اللغة العربيّة. وشعب قطر من الأمّة العربيّة .
وما نلاحظهُ بجلاء، حضور مفردة العربيّة في ثلاثة سياقات، أوّلها يخصّ هويّة الدولة ، وثانيها اللغة الرسميّة وثالثها الانتماء للأمة العربيّة ، ويفيدُ ذلك حرص دولة قطر على التمسّك بالعربيّة باعتبارها ركيزة الهويّة في المجتمع القطري. وقد تولّد قانون (7) لعام 2019 في سياق هذا الأساس الدستوري، وفي سياق الوعي اليقظ لدولة قطر بمخاطر أيِّ ضعف يطالُ اللغة العربيّة لأنّه سيهدّد الركائز الثلاث المذكورة في المادّة الأولى من الدستور، وبالتالي سيهدّد الأمن الوطني .
واستطرد قائلاً: كمْ كنتُ مبتهجًا حين جعل مجلس الشّورى الموقّر من اللغة العربيّة والمحافظة عليها من أولى بنوده. وتضاعفت البهجة بدعوتي لحضور الجلسة الأولى والمشاركة فيها مع أخي وصديقي سعادة السيد عبد العزيز بن عبد اللّه السبيعي وزير التربية الأسبق وأحد العارفين لهذه اللغة والمدركين لأهميتها والمسخّرين كلّ جهدهم للمحافظة عليها وتعزيز مكانتها، ويدلُّ نظر المجلس الموقّر في تفعيل قانون (7) لعام 2019 والمتعلّق بحماية اللغة العربيّة في بداية دورته على إدراكه لأهمية اللغة العربيّة كعامل رئيسي في المحافظة على أمننا الثقافي. وباتَ من الضّروري اليوم السّعي إلى تنفيذ هذا القانون حتّى نحميَ لغتنا، ونحافظ على هويّتنا .
وقال: وقعت كثير من الأسر العربية تحت تأثير ثقافة تفاضل بين اللغات الأجنبيّة واللغة العربيّة، وأصبحت تفتخر بتمكّن أبنائها من الحديث باللغة الأجنبيّة في حياتهم اليوميّة بديلاً عن اللّغة العربيّة التي صارت مهجورةً. ومن الغريب أنْ تعاملَ اللغة الأمّ من قبل الأسرة بهذه المعاملة، والحالُ أنَّ الأسرة هي الحاضنة الأولى للغة العربيّة، فالنشء يكتسبها مثلما يكتسب القيم والمهارات، والأسرة مطالبة بغرس حبّ اللغة العربيّة في أبنائها، مع دفعهم للانفتاح على العالم من خلال تعلّم وحذق اللغات الأجنبيّة .
واكد :لا أحد منّا يُنكرُ تأثير الثّورة المعلوماتيّة على اللغة العربيّة، فمجرّد فتح مواقع الإنترنات وتفحّص رسائل شبكات التّواصل الاجتماعي مثل تويتر وفايسبوك والواتس آب، يكشف لنا حجم الأثر المستجدّ. إنّنا نلاحظ بشيء من الطّرافة والغرابة ما وقع من تغيير لمصطلح التواصل الاجتماعي نفسه، فهذه المفردة كانت تستخدم للإشارة على التزاور بين الناس بصيغة التقارب، ولكنها صارت تعني تواصلاَ من نوعٍ جديد في عالم افتراضي، ينشأ من خلاله تواصلٌ بين أشخاص لم يسبق أن ربطت بينهم صداقة أو قرابة. وقد تأثّرت اللغة العربيّة بهذا المتغيّر، سواء على مستوى التعبيرات المستخدمة في ذلك النوع من التواصل أو على مستوى الإكراهات التقنيّة للجوانب الحاسوبيّة المتّصلة بطريقة استخدام الحرف العربي .
وكشف ان: التعليم يعاني من تحديات كثيرة في تدريس اللغة العربية، فقد أصابَ الضّعف الطلبة في اللغة العربيّة سواء في القراءة أو الكتابة أو التعبير، وانعكسَ ذلك في مختلف مجالات تواصلهم فيما بينهم وبين عامّة الناس. وتزداد خطورة الوضع حين يتقدّم الطالب في مراحله التعليميّة فيصل إلى التعليم الجامعي وإذا به يواجه غلبة للغات الأجنبيّة على لغته الأمّ. إنّني أذكر دعوة طه حسين حين نادى بإصلاح شامل لوضع اللغة العربيّة في التعليم فقال: اللغة العربيّة التي أريدُ أنْ تُعلَّم في المدارس على أحسن وجهٍ وأكمله، هي اللغة الفصحى لا غيرهَا، هي لغة القرآن الكريم والحديث الشّريف، وهي لغة ما أورثنا القُدماءُ من شعر ونثرٍ ومن علمٍ وأدبس وفلسفةٍ ، ولاشكّ فإنّ دعوة طه حسين قبلَ عقودٍ ما تزال تجد صداها اليوم، وإن كنتُ لا أرى تضارُبًا في تعلّم لغات أجنبيّة ولكن ليس على حساب لغتنا .
وخلص للقول: إنّنا في قطر نمتلك الإرادة السياسيّة الكافية والقوانين الملائمة لتكون وضعيّة اللغة العربيّة أفضل ممّا هي عليه، وسيكون لتفعيل القانون (7) لعام 2019 آثارٌ إيجابيّة على استخدام اللغة العربيّة. وإذا أردنَا أنْ نخرج من الأزمة التي تعصف باللغة العربيّة على الصّعيد العربي، فعلى المؤسسات العربيّة الكبرى أن تنهض بذلك، ومنها الجامعة العربيّة، والمنظمة العربيّة للتربية والثقافة والعلوم. إذ الاشتغال في هذه المنظمات على ترقية العربيّة أمرٌ ضروريٌّ، لقيمة العمل المنظّماتي وتأثيره في المجتمعات .
وتحدث مروان قبلان فأكد أن قطر تحمل راية احتضان الكتاب وتبنيه وتطوير صناعته بعد ان سقطت في عواصم عربية كبرى مثل بيروت ودمشق وبغداد وضعفت في القاهرة وهذا امر جيد من اجل الحفاظ على اللغة العربية عندما يتراجع دور بلد تتقدم بلد اخرى، وتحدث ياسر أبو هلالة عن جيل كامل لا يعرف اللغة العربية حيث ترك اطفالنا للمربيات الاجنبيات لتعليمهم اللغة والثقافة العربية بدلا من ان هؤلاء المربيات والاجانب جاءوا للعمل في بلد عربي يفترض يتعلموا لغتنا كما قال مشددا على ان المنطقة الخليجية تواجه اجتياحا ثقافيا ولا يوجد انتاج اعلامي كاف موجه للعالم العربي. وفي الختام عقب جمهور الحضور ورد المتحدثون على تعقيباتهم واستفساراتهم.