خبراء يفندون الهجمة الإعلامية الغربية على تنظيم قطر لمونديال 2022

alarab
محليات 13 ديسمبر 2022 , 12:02ص
يوسف بوزية

سعد الرميحي: كرة القدم ليست ملكاً أو حكراً لقارة بعينها دون سواها
نزيم بصول: جودة التنظيم والكرم العربي والتقاليد العريقة أظهرت الصورة الحقيقية 
د. خالد الحروب: تجارب المشجعين ساهمت في تغيير النظرة السلبية عن العرب 
أحمد الرميحي: قطر واجهت هذا الزيف بالعمل الدؤوب طوال 12 عاماً 
د. طارق محمد يوسف: الحملات الموجهة ضد قطر تلاشت مع الوقت
 

نظم المركز القطري للصحافة بالتعاون مع وكالة الأنباء القطرية «قنا»، حلقة نقاشية حول «رؤية بعض وسائل الإعلام الغربية غير المنصفة تجاه تنظيم قطر لكأس العالم»، أدارها السيد فيصل عبدالحميد المضاحكة، نائب المدير العام للمركز القطري للصحافة، بمشاركة كل من الدكتور طارق يوسف مدير مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، والباحث والكاتب الدكتور خالد الحروب أستاذ الدراسات الشرق أوسطية والدراسات الإعلامية في جامعة نورث ويسترن، وزميل متقدم في كلية الدراسات الآسيوية والشرق أوسطية في جامعة كامبردج، والإعلامي الجزائري نزيم بصول عضو المكتب التنفيذي للجمعية الدولية للصحافة الرياضية في منطقة أفريقيا.


 
حدث فريد
وقال سعادة السيد سعد بن محمد الرميحي، مدير المركز القطري للصحافة: إن مونديال قطر حدث رياضي عالمي فريد، قد لا يتكرر مرة أخرى في منطقة الشرق الأوسط، خاصة أن هناك محاولات لاستضافته جرت في السابق ولم يكتب لها النجاح والتوفيق.
وأوضح سعادته، في كلمته التي افتتح بها الحلقة النقاشية، أن الحلقة تتزامن مع احتضان قطر للمونديال، الذي وفرت له الدولة كل مقومات نجاحه، مؤكدا أن من حق شعوب المنطقة والعالم أن تفرح به، مبينا أن كرة القدم ليست ملكا أو حكرا لقارة بعينها دون سواها، بل إنها للجميع «وكما قيل إنها لعبة الفقراء» والواجهة الحقيقية للتنافس، مشيرا إلى أن أكثر من مليار شخص حول العالم يتابعون مونديال قطر.
وأشار الرميحي إلى أن المركز القطري للصحافة ووكالة الأنباء القطرية قنا أرادا بتنظيمهما هذه الفعالية النقاشية تبيان الحقيقة بشأن كل ما يثار ويتم الترويج له من حملات وادعاءات باطلة طالت دولة قطر والشباب العربي، وسعت إلى بخس حقه في تنظيم هذا المونديال.
وعبر الرميحي عن الشكر لسعادة السيد أحمد بن سعيد الرميحي، المدير العام لوكالة الأنباء القطرية «قنا»، على جهوده ومساهمته الفاعلة في عقد هذه الحلقة، ما ترك بصمة واضحة من حيث خروجها بهذه الصورة الرائعة والمفيدة. وقال: إن مبادرات أخرى ستتبعها مستقبلا، وإنه إذا سنحت الفرصة سيتم خلالها استضافة بعض المعنيين من الصحفيين العرب والأجانب للتعرف على آرائهم بعد معايشتهم للمونديال.

باكورة تعاون
من جهته، قال سعادة السيد أحمد بن سعيد بن جبر الرميحي المدير العام لوكالة الأنباء القطرية «قنا»: «إن هذه الحلقة النقاشية هي باكورة التعاون مع المركز القطري للصحافة، إحدى المؤسسات القطرية الواعدة في الحقل الإعلامي، ونحن سعداء بهذا التعاون، وحريصون على أن يستمر مستقبلا من خلال عقد الندوات والمؤتمرات والحلقات النقاشية، وغيرها من الأنشطة والفعاليات المشتركة التي تخدم العمل الإعلامي في الدولة».
وأضاف إن هذا التعاون بين وكالة الأنباء القطرية والمركز القطري للصحافة في عقد هذه الحلقة التي تناقش الحملات الغربية المضللة والكاذبة على كأس العالم في قطر، يأتي انطلاقا من مسؤوليتنا الوطنية والمهنية في مواجهة هذه الهجمة، وكشف زيفها، وتسليط الضوء على الدوافع والأسباب الحقيقية لها.
وأشار إلى أن دولة قطر نجحت في مواجهة هذا الزيف من خلال العمل الدؤوب على مدى 12 عاما لتقدم للعالم أفضل نسخة من كأس العالم، ولترغم بعض الأقلام التي شككت في هذه الاستضافة ونجاحها، أن تعود إلى الرشد وتعترف بأن مونديال قطر هو الأفضل على الإطلاق حتى الآن.
وأشاد سعادة المدير العام لوكالة الأنباء القطرية بما قدمه المشاركون في الحلقة النقاشية من رؤى تحليلية لدوافع وأسباب الهجمة الغربية على دولة قطر، وعلى كل ما هو عربي وإسلامي، وما طرحوه من أفكار بشأن سبل مواجهتها، وغيرها من الهجمات العنصرية التي تستهدف الدول العربية.
وأعرب عن خالص الشكر لسعادة السيد سعد بن محمد الرميحي، مدير المركز القطري للصحافة، لجهوده وحسه الوطني ومبادرته الطيبة بعقد هذه الفعالية النقاشية المهمة مع وكالة الأنباء القطرية، في مستهل تعاون سيكون إيجابيا ومثمرا في خدمة الوطن والدفاع عن مكتسباته، والتصدي الجاد بالحجة والمنطق لكل من يستهدفه.

النظرة الفوقية
من جهته، أشار الدكتور خالد الحروب أستاذ الدراسات الشرق أوسطية والدراسات الإعلامية في جامعة نورث ويسترن، إلى نظرية التعارف الإسلامية التي لخصها مشهد واحد في افتتاح مونديال قطر 2022، من خلال قراءة الآية الكريمة: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا} [الحجرات: 13] والتي سبقت في أصالتها نظرية صراع الحضارات الغربية وتنافس القيم والثقافات القائمة على آليات التبعية والهيمنة وتراتب الدول والشعوب داخل المنظومة الدولية.
ونوه الدكتور الحروب ببلاغة الرسائل التي حملها المونديال، بما فيه الزخم الإنساني والقيمي الكبير والذي يساهم في إيجاد مساحات مشتركة بين الثقافات ويبعث رسائل حضارية بناءة بين الشعوب، ولاسيما في هذه المرحلة شديدة التعقيد والمليئة بالأزمات والصراعات عالميا، منوهاً برسالة التعارف والتقارب بين الأمم مع وجود مساحات كبيرة من المشترك الإنساني ولكل منهم هوية حضارية وخصوصية ثقافية يتميز ويتفرد بها دون أن يفرضها بالضرورة على الآخرين.
وأرجع الدكتور الحروب الحملة الغربية الشرسة على تنظيم قطر كأس العالم 2022، في جزء منها إلى ترسبات النظرة الاستشراقية المتوارثة في الوعي الغربي، تجاه العرب والمسلمين، وتجاه منطقة الشرق الأوسط عموماً، والتي خلّفت لديهم صورة مشوهة مفادها أن العرب قوم متخلفون، عالقون في العصور القديمة ولا يعرفون مظاهر التحضر وغير قادرين – بالتالي – على اللحاق بركب الحضارة الغربية، أو استضافة الفعاليات الدولية الكبرى.
مشيرا إلى وجود أصوات غربية أكثر إنصافاً في نظرتها للحضارة الإسلامية والثقافة العربية والمجتمعات العربية والإسلامية، ممن يؤمنون بالتمايز والتعايش ويحترمون قيم وتقاليد وخصوصيات الشعوب والمجتمعات الأخرى. 

تجارب المشجعين
وأشار الدكتور الحروب إلى أن التجربة التي خاضها المشجعون القادمون إلى دولة قطر من مختلف أنحاء العالم ساهمت إلى حد كبير في تغيير النظرة السلبيَّة التي ترسبت لديهم أو تكونت لديهم عن بلاد العرب والمسلمين، من خلال معايشتهم اليومية ورؤيتهم الصورة الحقيقية لهؤلاء العرب والمُسلمين الذين كانوا يسمعون أو يقرأون عنهم، بما فيها منظومة القيم الاجتماعية التي تحكمهم، والانفتاح الحضاري والتنوع والكرم الذي يميزهم وكذلك عوامل الأمن والأمان، وأكد أن هذا الحدث الرياضي العالمي صاحبه مرود إيجابي في النهاية، مفاده أن الشعوب العربية والثقافة العربية والإسلامية ليست منغلقة تحكمها عقيدة متزمتة والإنسان العربي ليس مرادفاً للتخلف والإرهاب كما يزعمون.
وقال الحروب: إن كأس العالم في قطر كشفت عن عمق تلك المركزية الغربية وترسخ العنصرية، مع تغذيتها بالفكر الاستشراقي الكلاسيكي والجديد، الذي يقف خلف الكثير من التصورات النمطية الغربية المشوهة عن المنطقة العربية.. مضيفا إن وسائل الإعلام الغربية عززت تلك الصور النمطية السلبية عن الشرق، وكشفت مدى عمق العنصرية الغربية ضد الآخر.
وتابع إن هذه المركزية الغربية ولدت شعورا لدى البعض في الغرب بأحقيتهم في تنظيم الفعاليات الكبرى، مثل كأس العالم، وأن هذا الحق لا يمكن أن يمنح لأي دولة أخرى خارج المنظومة الغربية، في تجاهل تام لطبيعة هذه الفعالية الرياضية التي يطلق عليها «كأس العالم».
ودافع الدكتور الحروب في مداخلته عن عالمية كأس العالم.
 وأردف: «هذا الحدث الرياضي الكروي اسمه كأس العالم، وليس كأس الغرب، ومن حق أي دولة أن تنظمها بالطريقة التي تعكس ثقافتها وتقاليدها وهويتها، وأن تطبعها بطابعها الثقافي الخاص، كما حصل في نسخ سابقة في كوريا واليابان، وفي روسيا، والبرازيل، وغيرها من الدول التي استضافت المونديال».
ونبه إلى أن الغرب هم جزء من هذا العالم «فالغرب يشكل نحو 8 في المائة من سكان العالم فقط، وليسوا كل العالم، وعليه.. لا يحق لهم فرض ثقافتهم ورؤيتهم على شعوب العالم الأخرى، وإذا أرادوا كأس العالم أن تكون بطابع غربي بحت فلتكن (كأس الغرب المتنقل في العالم)، وليس كأس العالم».

الاستشراق الكلاسيكي 
وأعاد الدكتور خالد الحروب التأكيد على دور الاستشراق الكلاسيكي والجديد في تغذية هذه العنصرية الغربية، والتي تقف وراء الهجمات على كأس العالم في قطر.. ورأى أن الاستشراق القديم مستمر ويتجدد ويقف وراء التصورات الغربية التي تنقلها لنا وسائل الإعلام الغربية باستمرار فيما يتعلق بتغطيتها للشرق.. داعيا الدول الغربية إلى أن تتطهر من هذه الإرث الاستشراقي الذي لا يقبل الآخر كما هو بهويته وثقافته.
وأوضح أن النظرة الغربية للشرق وللمنطقة العربية تحديدا تجلت كذلك في الكثير من أفلام هوليود، التي لطالما نقلت وعلى مدى عقود من الزمن صورة مشوهة عن العربي، وقدمته كشخصية متخلفة ومغامرة وإرهابية وغيرها من الصور السلبية.. وقال: «لقد كرست هذه الأفلام صورة بالغة النمطية والسلبية عن العربي والمسلم في العقلية الغربية وغير الغربية».
ونبه إلى أن الخطورة في مثل هذه التصورات والصور النمطية عن الشعوب الأخرى والتي تترسخ عبر سنوات تهيئ للسياسيين في الغرب مناخا مناسبا لاتخاذ قرارات وإجراءات ظالمة بحق هذه الشعوب باعتبارها همجية ومتوحشة.. مشيرا إلى أن هذا ما حدث خلال الحروب التي شنت على دول في المنطقة، والتي تقبلها الرأي العام الغربي باعتبار أن هذه الشعوب متوحشة.
كما أشار، في سياق متصل، إلى أن الدعم الغربي لإسرائيل التي تحتل فلسطين يأتي أيضا في سياق هذه التصورات التي ترسخت خلال سنوات طويلة، حيث يرى غربيون أن إسرائيل تعيش في منطقة متوحشة وتستحق كل الدعم الغربي.
ومع تأكيده على خطورة هذه التصورات الغربية في إذكاء الصراعات الثقافية غير أنه نبه إلى أنه لا يمكن أن نعمم هذه القراءة للمواقف على الغرب بأكمله.. مبينا أن هناك معتدلين ومدافعين في الغرب عن التنوع الثقافي، ومنهم من أكد أحقية دولة قطر في استضافة كأس العالم.
وأكد الدكتور خالد الحروب أهمية الترويج للتعددية الثقافية في العالم، والتي تقوم على الاحترام المتبادل، ورفض كل محاولات الهيمنة الثقافية على العالم، وفرض قيم معينة على شعوب العالم المختلفة.. لافتا إلى أن كأس العالم في قطر أعادت التأكيد على قضية التعددية الثقافية، بل وأبرزت بشكل رائع هذا التنوع الثقافي.

رسائل جميلة
وأوضح الدكتور الحروب أن فعاليات كأس العالم في قطر مليئة بالرسائل الجميلة، فقد قدمت صورة واقعية ورائعة عن منطقتنا التي تقدر المرأة وتحترمها أما وأختا وزوجة، وتحترم وتضمن حقوق ذوي الإعاقة (كما تجلى ذلك خلال حفل الافتتاح)، وتحترم كل ثقافات العالم وقيم الشعوب وثقافاتها».
كما رأى أن كأس العالم في قطر أظهرت ما يمكن تسميته «العروبة الناعمة» التي تختلف مفهوميا عن «العروبة الصلبة».. مشيرا إلى أن هذه العروبة الناعمة تجلت بشكل كبير خلال المونديال في مشاهد التأييد العربي للمنتخبات العربية الأربعة المشاركة دون تفريق، وفي حمل الأعلام الفلسطينية، مما يؤكد أن العرب أمة واحدة وشعب واحد مهما كانت الأزمات والخلافات.

خفوت الأصوات
إلى ذلك أشار الدكتور طارق محمد يوسف، مدير مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية، إلى أنه منذ انطلاق المونديال انخفضت الأصوات التي كانت تنتقد قطر واحتضانها لهذا الحدث الرياضي العالمي، بعد رؤيتها ومعايشتها للواقع على الأرض.
وقال: «عندما انطلقت صافرة أول مباراة وتابع العالم عملية إخراج حفل الافتتاح المميز للبطولة، تلاشت مع الوقت الحملات الموجهة ضد قطر»، مشيرا إلى أن هذا النمط من الحملات الإعلامية السلبية تكرر من قبل في أكثر من بلد ولأكثر من حدث كبير على مستوى العالم، كما كان الحال في دورة الألعاب الأولمبية بالصين، وكذا قبل انطلاق مونديال روسيا عام 2018، غير أنه قال: إن هذه الحملات قلت حدتها مع الوقت بعد أن فرضت النجاحات نفسها.
ولفت الدكتور يوسف إلى أن كل ذلك لا يعني أن ما واجهته دولة قطر كان شيئا تقليديا واعتياديا، ورأى أن ما يميز الحملات الإعلامية ضد قطر في الأشهر الأخيرة قبل انطلاق البطولة هو حدتها وشراستها عما سبقها، وتركيزها على جوانب تتجاوز ما هو مطلوب من قطر، وما تعهدت بالقيام به في إطار سياساتها وبرامجها وخططها التنموية، وكل ما له علاقة بذلك، وهو ما يفرض على الجميع ومنطقيا التساؤل عن الغرض من رواء هذه الحملات، وما إذا كانت تتعلق بالمخزون التاريخي للصورة النمطية لدى الغرب عن الدول العربية، والعلاقة بالمكونات الثقافية والحضارة والأجندة المطروحة حاليا، أو بما أسماه «حروبا ثقافية» تدور في أجزاء كثيرة من العالم، وخصوصا في العالم الغربي وتحديدا في بعض دوله.
وتابع: «هناك صراع ثقافي في هذه الدول حول مواضيع تتعلق بالنوع الاجتماعي، ودور المرأة والعمالة، تم تصديرها وبلورتها من أجل التركيز على هذه البطولة وكل ما يمسها»، وطرح يوسف جملة من الأسئلة عن سبب إثارة هذه المواضيع، وبهذه الصورة من الشراسة وفي هذا التوقيت بالذات، ودعا إلى العمل لمعرفة كل هذه الأمور، وأسبابها، بعيدا عن تفسيرات لها صلة بنظرية معينة، حتى لا تتكرر في بطولات أخرى خلال الفترة المقبلة.
وأعرب عن خشيته من أن يكون الجميع قد دخل في عالم جديد كثير التغيرات والاختلافات والتجاذبات، وتتم مواجهتها والشعور بها يوميا وفي مواضيع غاية في الحساسية، تمس القيم والعادات والثقافات والحضارة وأساسيات أخرى.
ورأى ضرورة عدم التقليل من هذه الفرضيات لأن العالم الغربي -حسب قوله- يمر بتحديات داخلية وتجاذبات اجتماعية، يسميها البعض حروبا ثقافية قد تمزق مجتمعاته سياسيا وثقافيا، وتدفع بها لنماذج من الحوكمة، ونماذج من التحديات القانونية لم ترها منذ وقت بعيد.
إنذار
ونوه الدكتور طارق محمد يوسف بأن الحملة الإعلامية التي واجهتها قطر هي في الحقيقة إنذار لما قد يحدث في العالم، وبما يمكن للدول العربية أن تواجهه من تحديات على الصعد كافة في الفترة القريبة المقبلة.
وقال: «نحن على أعتاب حرب ثقافية من نوع جديد في الفترة المقبلة، ظهرت بوادرها بعد استحقاق قطر استضافة المونديال.. فوجدنا أنفسنا في مواجهة مجموعة من المواضيع اعتقدنا أنها بعيدة عن واقعنا ولا تصطدم بتراثنا، أو أنها لا تمت لحضارتنا بصلة».
وتساءل الدكتور يوسف عن موقف الدول العربية والمنطقة من الجزء المتعلق بالتغطية الإعلامية السلبية والشرسة التي واجهتها قطر في استضافتها للبطولة ولما بعدها، وقال: «أعتقد أنه ليس لدينا موقف واضح على مستوى الدول أو الحكومات أو الجهات التشريعية، أو حتى على مستوى المثقفين والمتابعين بصفة عامة».
وذكر أنه عندما فازت قطر باستحقاق استضافة المونديال عام 2010، كان الموضوع المطروح آنذاك على مستوى المنظمات الحقوقية يتعلق بحقوق العمالة، وشدد على أن قطر حققت إنجازات وقطعت شوطا كبيرا في هذا الأمر بشهادة الجميع في الداخل والخارج، بما في ذلك المؤسسات الدولية المعنية.
ونبه إلى أن كل هذه الأمور والإنجازات التي جعلت قطر دولة رائدة في مجال حقوق العمالة الوافدة، لم تنل حقها من التغطية الإعلامية، ما يعني -وللأسف- تجاوز هذا الأمر، وطرح مواضيع جديدة لتفرض نفسها على العالم كله، مبينا أن مونديال قطر قد يبدو إحدى حلقات الصراع الأولى في هذا الخصوص.
وتطرق الدكتور طارق يوسف الى الفروقات الثقافية بين مجتمعات دول أوروبا الشرقية والغربية، وإلى ما تواجهه الصين وروسيا من حملات إعلامية شرسة، ما يؤشر إلى أن الجميع الآن على أبواب صراع ثقافي حضاري جديد يمس ملفات في غاية الحساسية، ترتبط بقيم أساسية للمجتمعات وموروثها الحضاري والديني، «ما يحتم علينا الانتباه والاستفاقة وأخذ زمام المبادرة والتعامل مع هذه الأمور بسياسات ناجعة، تحافظ على قيمنا ومجتمعاتنا وتدعم استقرارنا كدول، وكذلك التعامل معها بجدية وندية ورحابة صدر وشجاعة، وبطرح ثقافي وحضاري وإنساني».
ومضى الى القول بأن ما تتعرض له كل من الصين وروسيا من حملات إعلامية ودبلوماسية أمر مفهوم، غير أنه استغرب الحملة الشرسة التي تتعرض لها قطر كونها من أصدقاء وحلفاء الغرب، واصفا إياها بـ «المفارقة». وتساءل عن الغرب وموقفه من هذه الحملات التي يتعرض لها أحد حلفائه، ورأى أنه لا أحد سيتخلى عن الآخر رغم كل ذلك، ولكن سيصبح هناك تنوع في الكثير من العلاقات، وإعادة تشكل النظام الدولي الجديد.
الموروث القطري
ونوه مدير مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية إلى أن الكثير من الزوار والمشجعين من الدول الغربية قد تعرفوا عن كثب على العادات والتقاليد والموروث القطري والخليجي والعربي، ومن ذلك ارتداؤهم الزي القطري والخليجي أثناء المباريات على ألوان قمصان منتخباتهم، فضلا عن اقتناء الكثير من الأشياء التي تمثل رموزا ثقافية للدول العربية، ما يعد من المفاجآت الطيبة.. مضيفا إن ذلك إن تم البناء عليه يعد جانبا مهما من إرث المونديال، وإن المرحلة المقبلة ستشهد الكثير من النتائج وردود الأفعال الإيجابية، وحتى غير المتوقعة ذات الصلة.
وبين الدكتور يوسف أن العالم الآن في حالة سيولة جيوسياسية واقتصادية، وأنه يتشكل حاليا، وفيه تنوع يغطي المجالات كافة، وتوازن بين القوى المختلفة، وتشابك وتعاون بين دول تبدو متناقضة في مصالحها، لكنها تعمل على إعادة طرح علاقاتها والدخول في برامج وخطط تقرب وجهات النظر في هذا الإطار الدولي الواسع. وقال: إن ما لمسناه خلال المونديال من استلطاف وتقارب ورغبة في التعارف يتجاوز الحدود التقليدية، ما يعني أن هذا الأمر سيتوسع مستقبلا ليأخذ صُعداً وأشكالاً مختلفة، مؤكدا أن مونديال قطر فتح المجال للتفكير من جديد في تجاوز الجغرافية التقليدية، وأنه سيترك الكثير من الإرث الذي سيبقى طويلا مستقبلا مع الجميع.

شراسة الحملة
من جانبه، أكد السيد نزيم بصول، إعلامي جزائري، وعضو المكتب التنفيذي للجمعية الدولية للصحافة الرياضية، منطقة أفريقيا، أن الهجوم على قطر عقب اختيارها لاستضافة كأس العالم لكرة القدم عام 2010 كان أكثر حدة وشراسة عن غيرها من الدول التي نالت هذا الحق من قبل.. مرجعا ذلك إلى وقوعها في منطقة الشرق الأوسط، وكونها دولة عربية ذات ثقافة دينية إسلامية، إضافة إلى الصورة النمطية السلبية التي رسمتها الصحافة والإعلام الغربي، وكذلك السينما الأمريكية والأوروبية عن المنطقة على مدى عقود طويلة.
ولفت عضو المكتب التنفيذي للجمعية الدولية للصحافة الرياضية، منطقة إفريقيا، إلى أن الجماهير التي حضرت البطولة وشاهدت روعة التنظيم وقوة المنافسات والكرم العربي والتقاليد العريقة والثقافة الإسلامية، ساهمت في إظهار الصورة الحقيقية عن المونديال والنجاح في تحقيق الأمن التام لكل الجماهير، والاستمتاع بالأجواء المونديالية غير المسبوقة.
بدوره، قال السيد فيصل المضاحكة، رئيس تحرير جريدة جلف تايمز، نائب المدير العام للمركز القطري للصحافة، الذي أدار الحلقة النقاشية: إن هذه الفعالية هدفها التصدي للحملات الإعلامية المشبوهة والممنهجة، والهجمة الشرسة التي استهدفت دولة قطر منذ فوزها بتنظيم بطولة كأس العالم لكرة القدم عام 2010، ولفت إلى أن ما تقدمه وسائل الإعلام الغربية من مغالطات وصور مسيئة ينم عن عدم المهنية والتشويه الممنهج لكل ما هو عربي وإسلامي.
وشدد المضاحكة على ضرورة وقوف الدول العربية ومؤسساتها الإعلامية صفا واحدا لمواجهة مثل هذه الحملات، وإعادة صياغة الخطاب الإعلامي، لا سيما وأنها تمتلك التكنولوجيا والموارد المالية والبشرية التي تحقق ذلك.
وأكد أهمية احترام الثقافات والقيم المختلفة لكل شعوب العالم، وضرورة أن يكف العالم الغربي عن فرض هيمنته وإرهابه الفكري على الجميع، لا سيما أن القيم الغربية ليست كونية، منوها بضرورة نشر الثقافة العربية والإسلامية، والتعريف بالإرث الحضاري لهذه المنطقة ومبادئها الإنسانية.