

نظم الملتقى القطري للمؤلفين الجلسة الخامسة عشرة من مبادرة مرقاة قطر للخطابة، ضمن فعاليات الدوحة عاصمة للثقافة في العالم الإسلامي 2021.
جرى خلال الجلسة إلقاء نصين من الخطب المعروفة والنموذجية، ومن ثم منافسات الجولة الثالثة من الخطب المكتوبة للخطيب القارئ، وفقرة جبر العثرات اللغوية، ثم قرار لجنة التحكيم وإعلان الفائزين.
وقد أشاد محكمو الجلسة بمستوى الخطب الثلاث المشاركة في هذه الجلسة، وأبدوا ملاحظات تتعلق بضرورة أن يمتلك الخطيب براعة الاستهلال، والتواصل البصري مع الجمهور أثناء الإلقاء، والبعد عن الأسلوب الخطابي التلقيني.
وقال الأستاذ محمد الشبراوي مقدم المبادرة «إن المرقاة تقدم نماذج يحتذى بها في الخطابة وفنون التعبير والتأثير في الآخرين».
وقدم أشهر خطبة معروفة لدى العرب وهي خطبة قس بن ساعدة الإيادي الذي يضرب بها المثل في الفصاحة والبيان، ألقاها الخطيب محمد العقيدي.
وتحدث الشيخ شقر الشهواني عن براعة الاستهلال كأحد أهم مقومات الخطبة الناجحة، وقال في هذا السياق «اتفق أهل اللغة أنها من أجل الكتابة والبيان، وأنها تجتذب الملتقي، وتضعه بين يدي المتحدث، وتجعله لا ينفصل عنه»، لافتا إلى أن الخطيب ينبغي أن يستثير العقول، وأن يشد الآذان، وأن يبث الروح في الكلمات، وأن يستفتح الخطبة باستهلال رائع في الشعر والخطابة والكتابة والقراءة وسائر أنواع الأدب.
وأوضح أن هناك آدابا وقواعد لابد منها، وفي مقدمتها براعة الاستهلال، والصمت، ونبرة الصوت، وحسن اختيار الموضوع، وربطه بواقع الناس.
وعرضت الجلسة خطبة نموذجية في أدب المراسلات للمؤسس الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني -رحمه الله- إلى علامة بغداد الشيخ محمود شكري الألوسي، قدمها الأستاذ عبدالله الخلف، وقد جاءت رداً من المؤسس على رسالة من الآلوسي بشأن طباعة كتاب: «رد صلح الإخوان» الذي ألفه الشيخ داوود العاني.
وتعد رسالة المؤسس من فرائد الأدب العربي التي تعكس لنا طبيعة المراسلات الخطية الصادقة في ذلك الزمن بين الأمراء والعلماء، والإشادة بساعي البريد والدعاء له، وهو السيد مقبل الذكير، وقد جاء فيها: «وحمدنا الله تعالى الذي أدلكم علينا، ووجه نظركم إلينا، وقد أشهدنا الله تعالى بحبك، نسأل الله تعالى أن لا يخلي الأرض من أمثالك».
وانتقلت الجلسة إلى محورها الرئيس وهو أدب المراسلات ورسائل التواصل والاعتذار، وتنافس فيها الخطباء الثلاثة، بدأت بخطبة حفصة ركراك بعنوان «إليك أنتِ لأنكِ أنتِ»، وهي رسالة إلى الأم قالت فيها:»من أين أبدأ اعتذاري.. عن ماذا أعتذر؟ وكيف أعتذر؟ أخطابك من هنا.. وقد انقطع الوصال الجغرافي.. وبقي وصال الحب يجمع بيننا وأنا في رهبة الحديث.. طلبت من الكلمات أن تلملم بعضها.. أن تكون جملة مفيدة وتصوغ عبارات من القلب إلى القلب ولكنها عجزت.. فلمن أوجه اعتذاري اليوم.. فهو أكبر من كل الحروف. وفي جزء آخر من الخطبة قالت: «أمي يا كل جناب الأرض يا أكبر عنوان.. آه ماذا أفعل كي أسدد كل ديوني.. وأنا ثمة خطأ أو خطأين».
وعلق المحكم المهندس خالد الأحمد على الخطبة بالقول «إن حفصة اختصت الأم برسالة مليئة بالمشاعر العالية والأحاسيس الراقية، وخاصة ذلك الوصف الرائع «أمي يا كل حنان الأرض». وقدم الخطيب محمد الحافظ الخطبة الثانية خلال الجلسة بعنوان: «تندب الموافقة فيما لا حرج فيه»، وجاء فيها: «هو محمد بن محمود بن أحمد الشنقيطي.. ولد في شنقيط وانتقل إلى المشرق حيث بيت الله الحرام في مكة المكرمة.. ورحل بعد ذلك وأقام بمصر وهو علامة عصره في اللغة والأدب.. شاعر أموي النسب.. كان أمير مكة يحرش بينه وبين علماء مكة حتى حصلت البغضاء بينهم.. فأذنت له حكومة الأستانة أيام السلطان عبد الحميد الثاني للسفر إلى إسبانيا -الأندلس سابقاً- للإطلاع على ما فيها من المخطوطات العربية». وقد أشادت المحكمة الأستاذة لمى ساحوري بالخطبة، ووصفتها بأنها حافلة بالسرد القصصي الممتع الذي كان واضحاً في تجاوب الجمهور، وأن الشرح جاء وافياً.
وانتقلت الجلسة إلى الخطبة الأخيرة وهي للمتسابقة باسقات عبد الفتاح بعنوان: «وآسفاه»، وقالت في فقرة منها: «أخي المسلم.. أنت ملتزم شرعاً بطاعة الله.. ومجاهدة نفسك.. وفي الوقت نفسه فهذا يحفظك من ألا تستسلم لذنبك وأن تجعل التوبة هي مخرجك إن أخطأت.. كما يجب عليك أن تعتذر عن الخطأ.. كلما أخطأت.. والمتأمل للآيات السابقة يتبين له أن أخوة يوسف اعتذروا له ولأبيهم».
وتعليقاً على الخطبة أشادت المحكمة رشا الصلاح بما تحويه الخطبة من معان إنسانية؛ لكنها أوضحت أن الإلقاء كان أقرب إلى النمط الإخباري. وتناول الدكتور أحمد الجنابي الخبير اللغوي والمشرف على المبادرة في فقرة جبر العثرات اللغوية الخطب الثلاث، وأوضح أنها تكاد تكون خالية من الأخطاء، وقدم ملاحظات وصفها باليسيرة التي لا تؤثر فيما قدم من نصوص معدة مسبقاً، وقال: «نحن كلنا نتعلم دائماً في المرقاة، لأن اللغة بحر، ولا يحيط به إلا نبي».
وأعلن الدكتور الجنابي عن نتائج منافسات الخطباء الثلاثة في الجولة الثالثة للخطب المكتوبة، وجاءت حفصة ركراك في المركز الأول، تلاها محمد الحافظ في المركز الثاني، وحلت باسقات عبد الفتاح بالمركز الثالث.