القروض الشخصية.. تهزم ثقافـة الإدخار

alarab
تحقيقات 13 فبراير 2022 , 12:20ص
يوسف بوزية

د. رجب الإسماعيل: تأثيرات سلبية للظاهرة ويجب تعميم ثقافة «الادخار»

عبدالله محمد: يجب زيادة الوعي بمخاطر القروض لدى الفئات الشبابية

سعيد العبسي: بنوك تتفنن في استدراج وتقديم الإغراءات للعملاء

دعا عدد من المواطنين والخبراء المختصين إلى نشر ثقافة «ترشيد القروض» الشخصية وتشجيع الإدخار، مطالبين المصارف المحلية بعدم التساهل في منح القروض بعدما باتت «المديونية» تلتهم جزءا وافرا من الراتب الشهري للمقترضين، وتهدد استقرار الأسر ومستقبل قطاع كبير من الأفراد.

وأكدوا لـ «العرب» أن ظاهرة القروض الاستهلاكية التي ضربت أطنابها في المجتمع تمثل جانباً مهماً من حياة الأفراد، من حيث «لا يخلو بيت منها» خصوصا مع لجوء المؤسسات المصرفية إلى فنون «الإغراء الحديثة» من خلال التسهيلات البنكية والعروض التي يسيل لها اللعاب من حيث الفائدة والقيمة، حيث الحصول على القرض الشخصي بات «أسهل، وأسرع مما تتخيل»، كما تروج بعض المصارف من دون الالتفات إلى أن التعثر في سداده قد يخلف وراءه مشاكل أعقد، وأبعد مما تتخيل! وأنه ربما يمثل غلاء المعيشة، وبناء المنازل، وشراء السيارات الحديثة، وقضاء الإجازات أهم أوجه إنفاق القروض البنكية. واستطردوا: لكن الدعوات المتكررة في مواقع التواصل بما فيها المنتديات إلى «ترشيد الاقتراض» سوف تذهب أدراج الإنترنت، من دون تعزيز الوعي الاستهلاكي والاعتماد على الدخل قدر الإمكان، وعدم التورط في قرض استهلاكي يمكن الاستغناء عنه. 
وأضافوا: كما يتعين على البنوك من جانبها ألا تتفنن كثيرا في اصطياد العملاء، واستدراجهم دون النظر إلى قدراتهم المالية لاسيما وأن الكثير من هؤلاء الضحايا يلجؤون الى خدماتها دون أسباب أو مبررات جادة، وربما يدفعهم الانصياع إلى النزوات الشخصية غير المنطقية أو المبررة. وإذا كانت المؤسسات البنكية العاملة في الدولة «تفخر» بإدراج «المسؤولية الاجتماعية» في جدول قيمها وسياساتها، فإن عليها في إطار هذه المسؤولية الاجتماعية ذاتها، أن ترشد المواطن إلى عيوب الاقتراض كما ترشده إلى مزاياه، بغض النظر عن مدى اقتناعه بهذه أو تلك. 

إغراء العملاء
وقال سعيد خليل العبسي الخبير الاقتصادي، إن انتشار حمى القروض الشخصية تتزايد يوما بعد يوم حيث تجتهد البنوك في إغراء عملائها للإقدام عليها، وأضاف: إن كنا نقدر للبنوك مبادراتها الجذابة في تقديم كل ماهو جديد على صعيد القروض الشخصية فإننا أيضا نعتقد بأن من حقها أن تحدد حجم وسقوف القروض التي تريد إقراضها لعملائها، وذلك بحسب ما تجده مناسبا لأوضاعها ولقدراتها المالية والإدارية، وكذلك في تحديدها لجملة الشروط التي تراها هي مناسبة لعملية الإقراض من عدمه.
وأرجع العبسي تزايد ظاهرة القروض الشخصية إلى ما نشهده من تنوع وتعدد وتزايد متطلبات الحياة ورغبات البعض التي لا تنتهي، وكذلك أمام ارتفاع تكاليف المعيشة في مواجهة محدودية وثبات الدخل لدى عدد كبير من الناس وهو ما يدفع بهم الى اللجوء الى البنوك للاقتراض الشخصي، حيث البنوك الفرصة سانحة لكي تقدم أنواعا متعددة من القروض الشخصية، وبات الأمر متاحاً لكل من هو في حاجة ماسة وجدية ومن هو بغير ذلك بحيث أصبح بالإمكان وبمنتهى السهوله واليسر التقدم بطلب الحصول على أي قرض شخصي يرغب به وسرعان ما يستجاب له على الفور، خصوصا مع تقديم فتره تسهيلات بالدفع تمتد لعدة سنوات.
وأوضح أن ما زاد من حجم وأرقام القروض الشخصية أيضا هو ذلك التزاحم والمنافسة الشديدة بين البنوك ووفرة الأموال السائلة بين أيديها وتريد استثمارها بمختلف الطرق، وبخاصة ان البنوك تعي جيدا بأن حجم الفوائد التي تتحصل عليها من القروض الشخصية وبخاصة في البطاقات الائئتمانية هي أعلى بكثير مما تتقاضاه من تسهيلاتها وقروضها الأخرى، ومن هنا تلاقت المصالح والرغبات في الاقتراض والإقراض، وبتنا نلاحظ انتشار حمى اللجوء للقروض الشخصية بسبب معقول أو بغير ذلك.
وأشار إلى أن هناك من يلجأ للاقتراض الشخصي لأنه في حقيقه الأمر لديه حاجة ويريد ان يقضيها وعلى سبيل المثال امتلاك منزل او سيارة او غير ذلك، أي وجود سبب مبرر لذلك القرض، ومن هنا فإن القروض الشخصية لعبت دورا ايجابيا في تنميه قدرات الأشخاص والأسر على الادخار، وبهذا فإن للبنوك وما تقدمه من قروض شخصية فائدة كبرى على المقترضين حيث لبت لهم حاجاتهم وكذلك على عجله الاقتصاد الوطني عموما.

موازنة حكيمة
وتابع العبسي: وفي المقابل نجد اناسا قد يلجؤون للقروض الشخصية بدون اسباب وحاجات مبررة وبدون ادراك لعواقب الاقتراض غير المبرر وغير المدروس وغير المخطط له بحيث تصبح الاقساط والفوائد الواجبة السداد تأكل الجزء الاكبر من الراتب الشهري وبالتالي وبعد فترة قصيرة يصبح غير قادر على السداد وتتراكم الأقساط وفوائدها ومن ثم قد يلجأ للاقتراض مره اخرى ومن بنك آخر وهكذا يصبح هناك حجم هائل من الاقساط والفوائد الواجبه السداد مما يؤثر سلبا على قدرة الشخص على الوفاء بالتزاماته العائليه من مأكل وملبس وتعليم وتخلق أجواء من النكد الدائم له ولمن هم حواليه الخ. 

وأشار الى أن التخطيط والموازنة الحكيمة فيما بين الدخل وحجم الالتزامات المالية بما فيها أقساط القروض وفوائدها هما العوامل الأساسية التي على كل من يقدم ويغامر للجوء للاقتراض أن يعتمد عليها حينما يقررالاقتراض، وإلا اصبحت القروض نقمة بدلا من ان تكون نعمة يستفاد منها واكثر من ذلك فإنها قد تقود صاحبها الى ما لا يحمد عقباه.

زيادة الأعباء 
من جانبه، أكد المهندس عبدالله محمد أن عدداً كبيراً من الأفراد يتجهون إلى القروض للاستفادة منها في خطط وبرامج بعينها، بعضها ضرورية وبعضها الآخر كمالية وترفيهية، حيث تقف إمكانات الشخص المادية المتواضعة دون تنفيذها.. مشيرا الى توسع البنوك في منح القروض الاستهلاكية للأفراد بتسهيلات كبيرة، للتغلب على فائض السيولة لديها.
ونوه بضرورة الموازنة بين الدخل الشهري للفرد مع احتياجاته الحقيقية لتفادي أعباء المشاكل المادية، خاصة وأن جزءا كبيرا من التمويلات المالية تكون بغرض الاستهلاك، أكثر منها بغرض الاستثمار.. وشدد على ضورة زيادة الوعي العام بمخاطر القروض وتعزيز ثقافة الاستثمار والادخار لدى الفئات الشبابية، الى جانب التخطيط المالي السليم لتجنب اللجوء للمصارف والدخول في غياهب التعثر والالتزامات المالية التي تفوق طاقاتهم، نتيجة اهتمامهم بعدد من المظاهر واستنزاف أكثر من نصف الدخل في القروض الاستهلاكية.

رفع الوعي
وشدد الدكتور رجب عبدالله الإسماعيل مدير مركز خدمة المجتمع والتعليم المستمر في جامعة قطر، على أهمية دراسة الاحتياجات الفعلية قبل الحصول على قرض تُعد ضرورة لا تقل أهمية عن دراسة القدرة على السداد، إذ إن الاقتراض الخاطئ قد ينعكس بتداعيات سلبية اجتماعية وأسرية.
وأشار إلى أهمية أن يكون المقترض ذاته على وعي بأهمية ألا تتجاوز أعباء القرض قدرته على السداد، بمعنى أن يدرس شروط القرض جيداً قبل الحصول عليه، حتى يضمن قدرته على السداد، مشيراً إلى ضرورة أن يتمتع الشباب بالثقافة والوعي اللازمين قبل الإقدام على القروض.
وتابع د. الإسماعيل: على الرغم من أن الاقتراض من البنوك حق لكل شخص إذا ما استوفى الاشتراطات المطلوبة من قبل البنوك، فإنه يجب ألا يكون الاقتراض عادة يستسهلها الجميع لتدبير السيولة، مؤكداً أن هناك عدداً من الحالات التي يمكن أن يقترض الشخص من أجلها، وهي الحالات الضرورية فقط، وأوضح أن من أهم تلك الحالات الحصول على قرض من أجل العلاج، لا سيما إذا كانت الحالة الصحية تتطلب علاجاً سريعاً في الخارج، وكذا عند شراء مسكن أو إجراء ترميمات ضرورية في المسكن القائم.
وذكر أنه من بين القروض يفضل «الاستثمارية» التي تؤمّن للشباب أملاكاً بعد الانتهاء من سداد الدين، ونوه بأن القروض تشكل عبئاً وقلقاً يؤرق المقترض، فضلاً عن أنها قد تقوده إلى نتائج لا يتمناها نفسياً واجتماعياً ومادياً، وأصبح أسلوب الاقتراض ثقافة مسيطرة على المشهد الاجتماعي لتوفير بعض الحاجات الضرورية والكمالية أو ما دون الكمالية.
 وقال الإسماعيل: إن الأمر يستدعي ضرورة تحفيز الناس على التوفير، إلى جانب تقنين دواعي الاقتراض، حتى لا يكون منح القروض جزءاً من الكسب على حساب المستهلك، مع أهمية تعميم ثقافة «الادخار» وتنمية الموارد الذاتية؛ تلافياً لأوقات الاحتياج المالي الذي يضطر كثيرون معه إلى الدخول في متاهات الديون والاستمرار فيها لأمد طويل. وأوضح أن اللجوء إلى القروض الشخصية للصرف على المتطلبات الكمالية، يُعد من المشكلات الاجتماعية ذات الأثر الكبير في حياة المجتمع، سواء أسرياً أو اجتماعياً أو اقتصادياً أو أمنياً أو أخلاقياً، واعتبر أنه من الضروري أن يتمتع المقترض بوعي وثقافة كافية للتحقق من حقائق القرض الذي هو مقبل عليه من سداد وفوائد وكل التفاصيل، إضافة إلى مقارنة العروض المقدمة من أكثر من جهة ومصرف.

قروض الأفراد.. أعلى مستوى

تشير الأرقام الى ارتفاع قيمة القروض الاستهلاكية التي منحتها البنوك القطرية للمواطنين والمقيمين في الفترة الأخيرة، حيث ارتفع إجمالي القروض الإستهلاكية لدى البنوك العاملة في قطر، في نهاية شهر ديسمبر 2021، بنسبة 5% على أساس سنوي إلى نحو 160.3 مليار ريال وهو الأعلى على الإطلاق.
وتؤكد الإحصائيات أن القروض الاستهلاكية في قطر تمثل ما نسبته 14% من إجمالي الائتمان المحلي البالغ نحو 1.15 تريليون ريال بنهاية عام 2021، وفق بيانات مصرف قطر المركزي.
بينما ارتفعت التسهيلات الائتمانية التي حصل عليها القطاع الخاص من الشركات والأفراد إلى 751.6 مليار ريال بزيادة حوالي 8.2 مليار ريال عن شهر أكتوبر. 

شملت التسهيلات: 
ويستحوذ الأفراد القطريون على نحو 93% من إجمالي القروض الاستهلاكية في الدولة وتشمل القروض الشخصية والسيارات والأثاث، بينما يستحوذ غير القطريين على 7% من إجمالي الائتمان المحلي بإجمالي 12 مليار ريال، منها نحو 9 مليارات ريال قروضاً شخصية.