

حين أطلقت عيادة الصحة النفسية للنساء في سدرة للطب خدماتها قبل خمس سنوات، كان عدد المقابلات التي أجريت مع نساء تحدثن عن التحديات التي يواجهنها، لا يزيد على 500 مقابلة، أما هذا العام 2022، فقد أجرى الفريق المختص بالعيادة أكثر من 5 آلاف مقابلة مع نساء تواصلن مع المركز بحثًا عن الاستشارة والدعم، وهو ما يشير إلى حجم التحديات النفسية التي تواجه النساء من ناحية، وارتفاع نسبة الوعي لديهن بأهمية طلب المساعدة.
وقالت الدكتورة زينب إمام، رئيس قسم الطب النفسي والصحة النفسية للمرأة بالإنابة في سدرة للطب، عضو مؤسسة قطر لـ «العرب»: في الوقت الذي نكرس فيه، في سدرة للطب، جهودنا من أجل التوعية بأهمية الصحة النفسية لدى النساء، ونقدم، كل الوسائل الممكنة من ورش عمل، وجلسات توعية، وخدمات صحية ونفسية، تستمر الكثير من النساء في المعاناة بصمت، بسبب الخوف من الاعتراف، والتحدث، وطلب الدعم، وهو الواقع الذي نسعى إلى إحداث تغيير فيه».
6 آلاف حالة
وعلى الرغم من توقعات الدكتورة زينب بأن يصل عدد المقابلات في عيادة الصحة النفسية للنساء، إلى 6 آلاف حالة لسيدات يبحثن عن الدعم، إلا أنها تؤكد وجود تحديات عديدة تقف عائقًا أمام بحث المرأة عن دعم، وأهمها الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالحديث عن الصحة النفسية.
وأضافت: أهم طرق تخفيف الوصمة، هو الاستمرار في الحديث عنها، كلما تحدثنا أكثر عززنا وعي الأفراد بأهمية الصحة النفسية، وأصبحوا أكثر تقبلًا لطلب الدعم، نحن نأمل، أن نتلقى المزيد من الاتصالات، وطلب الاستشارات، كي نسهم قدر الإمكان في التوعية».
توجد عدة أسباب تدفعنا للتركيز على الصحة النفسية لدى المرأة أكثر منها لدى الرجل، وأهم هذه الأسباب، وفقًا للدكتورة إمام، اختلاف النمو الفيزيولوجي للمرأة عن الرجل، فالمرأة تمر بمراحل معينة من النمو، والتي رغم كونها مراحل طبيعية إلا أنها تؤثر على صحتها النفسية، حيث تحدث تغييرات في جسمها، مثل الدورة الشهرية، الحمل، اكتئاب ما بعد الولادة وفترة انقطاع الطمث، وثم التقدم في العمر.
والسبب الثاني، وفقًا للدكتورة زينب، هو أن هناك بعض الاضطرابات التي تحدث لدى النساء إما في وقت مبكر مقارنة بالرجال، مثل الخرف، وبعضها لا يتم تشخيصها لدى الفتيات في مرحلة الطفولة مثل اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، أما السبب الثالث، فهو تأثير الحمل والولادة على الصحة النفسية للمرأة، وهو الأكثر شيوعًا.
وتوضح الدكتورة زينب إمام: «قد يفاقم الحمل في الحالات أي أزمة نفسية تعاني منها المرأة، والتي تؤثر على تطور الدماغ لدى جنينها، بسبب ارتفاع نسبة هرمونات التوتر، فالأم التي تعاني، على سبيل المثال، من الاكتئاب وتعجز عن الاعتناء بنفسها، لن تكون قادرة على الاعتناء بطفلها، ما يولد لدى الطفل تحديات في الصحة النفسية ستحدث لديه أثرًا حتى سن البلوغ، إن الاعتناء بهذه الأم يعني محاولة تفادي الأمراض في الجيل القادم».
تنتشر أمراض الصحة النفسية بين الفتيات في مرحلة المراهقة أو بداية البلوغ، وخصوصًا تلك المتعلقة باضطرابات الأكل، وهي حالات نفسية تؤدي إلى عادات أكل غير صحية، حيث يعاني بعض المراهقين من السعي نحو الكمال، وعدم الرضا عن صورة الجسد، ما يؤدي إلى الإصابة بالقلق والاكتئاب وتدني تقدير الذات.
تقول الدكتورة إمام: «بالنسبة لفتاة صغيرة يتطور جسدها، وترى، لأول مرة، كيف تحدث التغييرات الجسمانية لديها، قد يشكل ذلك دافعًا لها إلى الشعور بالقلق، وينتهي بها الأمر مصابة بمتلازمة ما قبل الحيض، حيث تعاني من سرعة الانفعال والتوتر، وتصاب باكتئاب في وقت قريب من موعد الدورة الشهرية، وقد تكتسب نتيجة لذلك الكثير من الوزن».
وتتابع:» غالبًا ما تصاب الفتيات المراهقات باضطرابات الأكل بسبب صورة الجسد المثالية التي يسعين إلى تحقيقها كأن تعتقد أن أنفها لا يلائم وجهها، وغالبًا ما تتأثر هذه الفتيات بالصورة المثالية التي تروج لها وسائل التواصل الاجتماعي للرشاقة وهو ما يؤدي إلى تدني احترام الذات، الأكثر شيوعًا لدى الفتيات».
الصورة المثالية للأمهات
وتشير الدكتورة زينب إمام إلى أن الأمهات أيضًا، هن عرضة للتأثر بالصورة المثالية للأمهات في وسائل التواصل الاجتماعي، حيث نرى أمهات ينشرن مقاطع فيديو وصورا لحياتهن اليومية مع أطفالهن، تظهرهن كمثاليات ونظيفات للغاية، كل ذلك يولد صورة ذهنية حول الأم المثالية، يصعب تحقيقها في الواقع، وهو ما يدفع الأمهات إلى الشعور بالذنب، وبأنهن لسن جيدات بما فيه الكفاية، ما يؤثر على صحتهن النفسية».
ونوهت بأن عيادة الصحة النفسية للنساء في سدرة للطب تطلق في شهر أكتوبر من كل عام، وهو شهر التوعية بالصحة النفسية، حملات للتوعية، حيث يتم تنظيم مبادرات وورش عمل من أجل تعزيز الوعي بأهمية الصحة النفسية للأمهات والنساء حول العالم.
ولفتت رئيس قسم الطب النفسي والصحة النفسية للمرأة بالإنابة في سدرة للطب إلى أن عيادة الصحة النفسية للنساء في سدرة، تقدم الاستشارة الطبية من خلال فريق مختص قائلة: «في العام الماضي، خلال شهر أكتوبر، قمنا بتنظيم ندوة حول الصحة النفسية لدى النساء، وقد شارك فيها أكثر من 1250 شخصًا، تابعوا الندوة إما بالحضور شخصيًا إلى سدرة للطب، أو عبر الإنترنت، ما يظهر حجم الاهتمام سواء من قبل النساء أو الرجال بالقيام بدورهم من أجل تعزيز الصحة النفسية للنساء».
ودعت الدكتورة زينب إمام كل سيدة إلى التوقف عن مقارنة نفسها بالأخريات، وأن تتذكر دائمًا أنها فريدة، قائلة: «من قال إن عليكِ أن تكوني أمًا مثالية كي تكوني جيدة؟ يكفي أنك توفرين الاحتياجات الأساسية لطفلك، وترعينه بكل اهتمام وحب، لابد أن يأتي الوقت الذي تفتقدين فيه الطاقة، أو القوة، ولن يكون أمامك سوى طلب المساعدة ممن هم حولك، وكما يقال، تربية طفل تتطلب قرية بأكملها، لا يمكنك أن تقومي بذلك وحدك».
مشاعر الذنب
وقالت رئيس قسم الطب النفسي والصحة النفسية للمرأة بالإنابة في سدرة للطب: تشترك أغلب الأمهات في الشعور بمشاعر الذنب، رغم أنهن يبذلن الكثير من الجهد من أجل إسعاد أطفالهن وتلبية كافة احتياجاهم، وهنا لابد من أن تتوقف كل أم عن الحكم على نفسها والاعتقاد أنها لا تفعل ما يكفي، والسعي الدائم نحو الكمال، وإلا، فإن صحتها النفسية لن تكون على ما يرام.
وأضافت: «تمنح الأم أطفالها وقتها واهتمامها وكل تركيزها، في نهاية اليوم، ستجد نفسها مرهقة، وستتساءل: ماذا عنّي أنا ؟ ماذا عن احتياجاتي ووقت راحتي، من يقدم الدعم لي؟»، هي تحتاج إلى الاعتناء بنفسها وإلا لن تتمكن من الصمود طويلًا».
وأضافت: «كل امرأة تحتاج إلى تخصيص وقت لها، والتأكد من أنها تحصل على قسط وافر من النوم، وتتناول الطعام الصحي، وتستريح جيدًا، كما عليها أن تقضي بعض الوقت في القيام بما تحب، على أن يتولى فرد آخر عنها المسؤولية، مثل الزوج، أو الأم، أو أحد أفراد الأسرة، إن ذلك كفيل بأن يمنحها الطاقة اللازمة كي تستمر في أداء مسؤولياتها الأسرية، فالأم السعيدة تبعث الطاقة الإيجابية في المنزل وتنشئ أطفالًا سعداء».