

أكد الشيخ عبدالله النعمة أنه لا تفاضل بين الناس إلا بالتقوى والعمل الصالح، وأن كل تمييز أو تفاضل يقيمه الناس على غير ذلك مردود باطل، فالناس رجلان: برٌّ تقي كريم على الله، وفاجر شقي هيّن على الله، والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب، وأكد أن تكريم الناس واحترامهم، وإنزالهم منازلهم من أجل ما دعا إليه الإسلام وحث على العناية به، وأن احتقار الناس لصنعتهم أو لضعفهم أو لمظهرهم مخالفة صريحة لأمر الله عز وجل بتكريم بني آدم، وأن قيم الحياة الدنيا ومفاهيمها الخاصة بها، تتلاشى يوم القيامة، فلا جاه الدنيا ولا نسبها ولا مالها ولا مناصبها تنفع عند الله تعالى، وإنما هو الإيمان والتقوى والعمل الصالح، ابتغاء مرضاة الله.
وقال الشيخ عبدالله النعمة في خطبة الجمعة التي ألقاها أمس بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب لقد كرّم الله تعالى الإنسان حين خلقه بيديه ثم سواه ونفخ فيه من روحه، وجعل له السمع والأبصار والأفئدة، وأسجد له ملائكته، صوره فأحسن صورته، وخلقه في أعدل نظام وأجمل هيئة، وهداه إلى أنواع من العلم والمعرفة التي يتوصل من خلالها إلى تحقيق السعادة في الدنيا والآخرة، ومنحه من العقل والإدراك والنطق والتمييز، وحباه من النعم ما لا يعد ولا يحصى، فسخر له ما في السموات والأرض جميعا منه، قال تعالى: " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا".
قال ابن عباس رضي الله عنهما في تفسيره أن التفضيل بالعقل، وقال الضحاك رضي الله عنه أن التفضيل بالنطق.
وأوضح الخطيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين أنه لا تفاضل بين الناس إلا بالتقوى والعمل الصالح، وأن كل تمييز أو تفاضل يقيمه الناس على غير ذلك مردود باطل، روى الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس يوم فتح مكة فقال: "أيها الناس إن الله قد أذهب عنكم غُبية الجاهلية (أي ما حملوا من أمور الجاهلية من التكبر والتفاخر) وتعاظمها بآبائها، فالناس رجلان: برٌّ تقي كريم على الله، وفاجر شقي هيّن على الله، والناس بنو آدم، وخلق الله آدم من تراب، قال تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير".
وأضاف الشيخ عبدالله النعمة: وما أكثر ما يظهر هذا المقياس الجاهلي على ألسنة الناس، أعني احتقارهم وازدراءهم لقلة ذات اليد، أو طعن في النسب، أو احتقار في الصنعة والمهنة، أو نحو ذلك من مقاييس الدنيا الظاهرة، والنبي صلى الله عليه وسلم يبين لنا قولا وفعلا أن المقياس الحق هو التقوى والعمل الصالح. روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رُبّ أشعث أغبر مدفوع بالأبواب، لو أقسم على الله لأبرّه".
وذكر الخطيب: يعزز هذا المبدأ ويرشد الأمة بفعله عليه الصلاة والسلام، ففي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه: "أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد، أو شابا، ففقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل عنها، أو عنه، فقالوا: مات، قال: أفلا كنتم آذنتموني، قال: فكأنهم صغروا أمرها، أو أمره، فقال: دلوني على قبرها، فدلوه، فصلى عليها".
وبين الشيخ عبدالله النعمة أن تكريم الناس واحترامهم، وإنزالهم منازلهم من أجل ما دعا إليه الإسلام وحث على العناية به، روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم".
وقال: إن في الناس كبير رقّ عظمه، وشاب شعره، يجب توقيره واحترامه، وفيهم صغير يحتاج إلى الرحمة والعطف والحنان والتقويم في غير عنف ولا قسوة، وفيهم عالم يجب توقيره لعلمه، وفيهم صاحب منصب أو جاه أو ذو مكانة، يجب أن تحفظ لهم مكانتهم، كل ذلك ما داموا قائمين بشرع الله تعالى، ممتثلين لأوامره، مبتعدين عن نواهيه، دون غلو فيهم، أو إفراط في حقهم. روى أحمد عن عبدالله بت عمرو رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن من إجلال الله، إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط".
ولفت الشيخ عبدالله النعمة إلى أن احتقار الناس لصنعتهم أو لضعفهم أو لمظهرهم مخالفة صريحة لأمر الله عز وجل بتكريم بني آدم، فقد أخرج مسلم من حديث عياض رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد".
وذكر الخطيب أن مقاييس البشر في تصنيف الناس، والنظر إليهم وتقويمهم مقاييس فاسدة، ما لم تكن مبنية على بصيرة من الله تعالى وهدي من نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن احتقار الناس وعدم معرفة أقدارهم من الأمراض الاجتماعية التي يجب أن تُحارب وتُدفع عن صفان المسلم الصادق، فلا يعرف أقدار الرجال ويحافظ على مكانتهم، ويقوم بحقوقهم، إلا من قدر لهذه النصوص الشرعية قدرها، والتزم بهديها، روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يكذبه ولا يحقره، التقوى ها هنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه". والمعنى يكفيه من الشر أن يحقر أخاه المسلم لتكبره عليه، والكبر من أعظم خصال الشر.
قال رجل لعمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه: اجعل كبير المسلمين عندك أباً، وصغيرهم ابناً، وأوسطهم أخاً، فأيُّ أولئك تحب أن تسيء إليه.
وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن قيم الحياة الدنيا ومفاهيمها الخاصة بها، تتلاشى يوم القيامة، فلا جاه الدنيا ولا نسبها ولا مالها ولا مناصبها تنفع عند الله تعالى، وإنما هو الإيمان والتقوى والعمل الصالح، ابتغاء مرضاة الله. جاء في الحديث المتفق عليه قال عليه الصلاة والسلام: "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة، وقال اقرءوا "فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا".