

ناقشت ندوة «التكامل المعرفي» التي نظمتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ممثلةً في إدارة البحوث والدراسات الإسلامية، آفاق بناء الوعي الحضاري وتجديد أدوات فهم التراث والواقع من خلال التكامل بين العلوم الشرعية والإنسانية والاجتماعية، بوصفه مدخلًا فاعلًا لمواجهة التحديات المعاصرة واستشراف المستقبل، وذلك ضمن فعاليات الموسم الثقافي الثالث لسلسلة ندوات «التكامل المعرفي» التي تقام هذا العام تحت شعار: «نحو وعي حضاري.. التكامل المعرفي أساس النهضة الإسلامية».
وجاءت الندوة، التي نُظمت بالتنسيق والتعاون مع مركز ابن خلدون للعلوم الاجتماعية والإنسانية بجامعة قطر، بعنوان «الوعي الحضاري في ضوء التكامل المعرفي: نحو قراءة جديدة للتاريخ والواقع»، وشهدت مشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين المتخصصين في الدراسات الإسلامية والتاريخ والفكر الحضاري، يتقدمهم الأستاذ الدكتور إبراهيم محمد زين، أستاذ الدراسات الإسلامية ومقارنة الأديان بجامعة حمد بن خليفة، والدكتور عبدالله عصام العبيد، أستاذ التاريخ والآثار بجامعة الكويت، كما شهدت الندوة حضور سعادة السيد غانم بن شاهين بن غانم الغانم وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، وعدد من مديري الإدارات.
وتناولت الندوة محورين رئيسيين تمحورا حول الوعي الحضاري بين الأصالة والمعاصرة ودور تكامل العلوم في إعادة قراءة التراث الإسلامي قراءة نقدية واعية، إلى جانب استعراض التكامل المعرفي بوصفه أداةً لفهم التحولات المعاصرة واستيعاب التحديات الاجتماعية والثقافية واستشراف آفاق المستقبل، بما يسهم في بناء رؤية حضارية أكثر قدرة على التعامل مع متغيرات العصر وتعزيز فاعلية المعرفة في خدمة الإنسان والمجتمع.
وأوضح الشيخ أحمد بن محمد بن غانم آل ثاني، مدير إدارة البحوث والدراسات الإسلامية، أن الندوة تأتي في إطار جهود الإدارة لتعزيز ثقافة التكامل المعرفي وإحياء الحوار العلمي بين التخصصات المختلفة، مبينًا أن موضوع الندوة يركز على الكيفية التي يمكن من خلالها للتكامل بين العلوم الشرعية والإنسانية والاجتماعية أن يسهم في بناء وعي حضاري متجدد، وإعادة قراءة التراث الإسلامي قراءة نقدية واعية تستند إلى تكامل المناهج المعرفية، وتطوير أدوات أكثر فاعلية لتحليل الواقع واستيعاب تحولاته ومتغيراته.
وأضاف أن الندوة تسعى كذلك إلى الاستفادة من دروس التاريخ في استشراف المستقبل، وتقديم رؤى علمية تسهم في تعزيز التكامل المعرفي في فهم الظواهر الاجتماعية والثقافية التي تواجه الأمة، بما يدعم بناء الإنسان ويعزز قدرته على التعامل الواعي مع تحديات العصر.
ومن جانبه، أكد الأستاذ الدكتور بدران بن لحسن، مدير مركز ابن خلدون للعلوم الاجتماعية والإنسانية بجامعة قطر، أن موضوع التكامل المعرفي يُعد من القضايا المركزية التي تحظى باهتمام كبير في برامج المركز وأنشطته العلمية، انطلاقًا من الإيمان بأن التحديات الفكرية والثقافية والاجتماعية والحضارية المعاصرة تتطلب رؤى علمية مركبة تتجاوز حدود التخصصات المنفردة.
وأشار إلى أن الحضارة الإسلامية قامت عبر تاريخها على وحدة المعرفة وتكامل العلوم، وأسهمت هذه الرؤية في إنتاج نماذج علمية وحضارية رائدة تركت أثرًا بارزًا في مسيرة المعرفة الإنسانية، موضحًا أن التعاون القائم بين وزارة الأوقاف ومركز ابن خلدون يمثل نموذجًا للشراكات العلمية الهادفة إلى إحياء هذا الأفق المعرفي وتجديد حضوره في الواقع المعاصر. وبيّن أن الندوة تسعى إلى فتح آفاق جديدة للحوار العلمي حول مفهوم التكامل المعرفي وشروطه ومجالاته، بما يسهم في التقريب بين التخصصات المختلفة وربط البحث العلمي بأسئلة المجتمع وقضاياه، وتحويل الأفكار المطروحة إلى مبادرات وبرامج بحثية وتعليمية تدعم المنظور التكاملي في الجامعات والمؤسسات العلمية. وتناولت الندوة محورين رئيسين؛ الأول بعنوان «الوعي الحضاري بين الأصالة والمعاصرة: تكامل العلوم كمدخل لإعادة قراءة التراث»، وركز على أهمية الجمع بين الوفاء للأصول والانفتاح الواعي على معطيات العصر، من خلال قراءة التراث قراءة نقدية تستحضر سياقاته التاريخية وآلياته المعرفية، وتفرق بين الثابت والمتغير في التجربة الحضارية الإسلامية.
أما المحور الثاني فجاء بعنوان «من التاريخ إلى الواقع: التكامل المعرفي كأداة لفهم التحديات واستشراف المستقبل»، وتناول أهمية الإفادة من دروس التاريخ في تحليل الواقع المعاصر، وتوظيف معارف التاريخ والاجتماع والثقافة والاقتصاد والتقنية ضمن إطار قيمي متكامل يساعد على فهم التحولات واستشراف مسارات المستقبل.
نماذج فكرية
وفي ورقته العلمية، تناول الأستاذ الدكتور إبراهيم محمد زين مفهوم الوعي الحضاري من خلال نماذج فكرية تمثلت في العامري وابن خلدون وإسماعيل الفاروقي، مشيرًا إلى أن الحضارة الإسلامية قامت في أصلها على وحدة المعرفة وتكامل العلوم، وأن هذه النماذج الفكرية تمثل محطات مهمة في تطور الفكر التكاملي في الحضارة الإسلامية.
وأوضح أن العامري قدم رؤية متكاملة للعلاقة بين العلوم الشرعية والعلوم الحكمية، فيما ربط ابن خلدون بين المعرفة والعمران البشري، بينما مثل الفاروقي نموذجًا معاصرًا لإعادة بناء العلاقة بين الأصالة والمعاصرة في إطار مشروع التكامل المعرفي.
جسور علمية
من جانبه، ناقش الدكتور عبدالله عصام العبيد في ورقته العلمية موضوع «أصول الفقه وأصول التاريخ: هوامش الالتقاء لتجديد التساؤلات»، متوقفًا عند أوجه التقاطع المنهجي والمعرفي بين الحقلين، وإمكانية بناء جسور علمية بينهما على المستوى النظري والمفاهيمي والمنهجي.
وأشار إلى أن التطورات المعاصرة وما تفرضه من تحديات معرفية معقدة تستدعي تعزيز التكامل بين العلوم الإنسانية والشرعية، مؤكدًا أهمية إعادة النظر في الحدود التقليدية بين التخصصات العلمية لصالح رؤى أكثر قدرة على فهم الواقع وتحليل الظواهر الاجتماعية والثقافية.