دعوات لاستخدام رشيد للأجهزة خلال الإجازة.. أصابع «عيالنا» أفصح من ألسنتهم

alarab
محليات 10 يوليو 2025 , 01:23ص
يوسف بوزية

تلاقت آراء المواطنين والخبراء المختصين في التحذير من انقطاع التواصل الاجتماعي بين أفراد الأسرة، بمن فيها الأطفال، خلال فترة الإجازة، في ظل انزواء كل طفل في غرفته أو في عالمه الخاص، من خلال الجهاز الإلكتروني الذي يغنيه عمن حوله، من دون توفر الفرصة أو الرغبة للتواصل والحوار والأنشطة المشتركة التي توثق الروابط الأسرية أو الاجتماعية. وأكدوا لـ «العرب» أن الإفراط في استخدام الأجهزة الذكية يعزز من الفرقة بين أفراد الأسرة الواحدة، فضلاً عن تأثيرها السلبي في العلاقات الاجتماعية للأبناء.
وحذروا الأهل من أضرار الأجهزة الذكية على أطفالهم، بما فيها العزلة الذهنية والاجتماعية، العدوانية، الاكتئاب، اضطرابات النطق، ضعف القدرة على التواصل مع تراجع المهارات الاجتماعية لدى المراهقين.
ودعوا إلى مساعدة الأطفال على التخلص من الإدمان على الأجهزة الذكية خلال الإجازة، من خلال المقاربة التدريجية عبر الترشيد ووضع قوانين وأوقات متفق عليها، بهدف الوصول إلى استخدام مقنن ومرشد للأجهزة.

د. لطيفة النعيمي: الأجهزة فرصتهم للانفراد بأنفسهم

قالت الكاتبة والأكاديمية د. لطيفة شاهين النعيمي، إن التواصل بين أفراد الأسرة بات «شبه معدوم» في ظل انزواء كل فرد في غرفته للتواصل مع الآخرين، من خلال الجهاز الإلكتروني الذي يحمله، الأمر الذي يعزز من الفرقة بين أفراد الأسرة الواحدة.
وأكدت أن التكنولوجيا الحديثة أصبحت تؤثر بشكل سلبي على العلاقة بين الأهل والأبناء مباشرة، حيث إن العديد منهم يخسر الصلة الرابطة بينهم، نتيجة الانشغال الدائم بالأجهزة الإلكترونية، باعتبار أن الأهل يُلهون الأولاد بها، فيبتعدون عنهم ولا يمضون الأوقات معهم، في حين أن الأبناء يجدون في هذه الأجهزة الفرصة للانفراد، فتتكوّن لديهم منذ الصغر الشخصية الانعزالية، فلا يجيدون التعامل مع الآخرين.
وأضأفت: في اعتقادي أن التحولات التكنولوجية الحديثة، أفرزت تفاعلات جديدة للعلاقات الأسرية وأدت إلى تعزيز العُزلة والتنافر بين أفرادها، وتلاشي قيم التواصل الأسري، واستبدل الأبناء الإنترنت بآبائهم كمصدر للمعلومات، وفقدوا الترابط الأسري والتصقوا بالحوار مع الغرباء لدرجة الشعور بالغربة على مستوى الأسرة الواحدة، بالرغم من أنّ السبب الحقيقي وراء انتشار وسائل التكنولوجيا هو جعل التواصل أمرًا أبسط، ولكن للأسف فمعظم مستخدمي التقنية يعتبر رأيهم مخالفًا بعض الشيء، لذلك فقد ساهمت التقنية في عزلنا عن بعضنا اجتماعيًا، فالتكنولوجيا تحيط بنا من كل جانب ولم يبق لنا مكان للتواصل الحقيقي.
وأشارت إلى ما نعانيه بعد أن تركنا أطفالنا فريسة سهلة للألعاب الإلكترونية التي تخطف عقول أبنائنا، وتساعد على التنمر الذي انتشر في الآونة الأخيرة بكثرة بين الأطفال، إذ تؤكد الكثير من الدراسات أن إصابة الأطفال في السابعة من العمر بمشكلات في الانتباه والتركيز تزداد بزيادة أوقات مشاهدتهم للألعاب الإلكترونية، كما أنها تؤثر سلبًا على صحة الطفل؛ فتُضعف بصره بشكل كبير، إلى جانب أن تلك الألعاب بما تحويه من مشاهد عنف وقتل ودماء تصنع طفلًا عنيفًا؛ يفتقد الرحمة والعطف والتسامح، ورغم كل ذلك ما زلنا نترك أطفالنا بالساعات أمام هذه الألعاب.
وأوضحت أن التنشئة الإلكترونية هي العلاج الوحيد والفعال لحماية الأطفال من مخاطر التكنولوجيا الحديثة، مع الوضع في الاعتبار أن التنشئة السليمة للأبناء إلكترونيًا تختلف من مرحلة عمرية إلى أخرى، ففي حالة الفئات العمرية التي تتراوح ما بين (3 إلى 5) أعوام لا بد أن يكون هناك توجيه كلي من جانب الأسرة على الألعاب والتطبيقات، وهو أمر يختلف بالنسبة للأطفال في سن العاشرة الذين يكونون في حاجة للمتابعة والتوجيه من دون أن يكون هناك تدخل مباشر من الأسرة في المحتويات التي يتعاملون معها.
وأضافت أن ارتباط الطفل بوسائل التكنولوجيا قبل دخول المدرسة يرجع إلى الأسرة باعتبارها المؤثر الأول في سلوكياته، كما أن تدخل أولياء الأمور بالمنع المباشر والكلي للوسائل التكنولوجية يكون دافعًا للإدمان والتعلق بها بشكل أكبر في مراحل عمرية لاحقة، وبحسب إحدى الدراسات العلمية الحديثة أن الأطفال الذين يقضون خمس ساعات أو أكثر على الإنترنت هم معرضون بنسبة 71 بالمائة للإصابة بالاكتئاب أو التفكير الانتحاري، وأن عوامل خطر الانتحار بين المراهقين ترتفع بشكل ملحوظ عند قضاء ساعتين أو أكثر على الإنترنت.

مريم المالكي: تكليف الأبناء بمهام أسرية ومنزلية

قالت مريم المالكي: من وجهة نظري أن الاجهزة الذكية تسبب العزلة الذهنية والجسدية للمدمنين على استخدامها، خاصة الأطفال، حيث اصبحت الاجهزه الذكية تسود مجتمعنا ولا يمكن القيام بعمل دونها، ونوهت بضرورة معالجة الصمت الأسري الذي فرضته الاجهزة الذكية، من خلال تقليص فترة استعمالها وجعل (بيانات التجوال) صالحة للاستخدام لفترة محدودة، مثلاً أن يكون الإنترنت متاحا من الساعة الرابعة عصرا وحتى الساعه الثامنة مساءً، او عن طريق تكليف الابناء بمهام منزلية تقلل من فترة استعمالهم للاجهزة، وكذلك الخروج معاً في نزهات ترفيهية او ثقافية لتحفيز الابناء على التفاعل الأسري والاجتماعي والتفكير خارج الصندوق الرقمي خاصة خلال فترة الاجازة، بالاضافة الى التجمع مع الابناء وسرد احد الوالدين لبعض القصص الدينية، مثل قصص الانبياء التي تحتوي على العديد من الاحكام والعبر، وغيرها من الوسائل والبدائل المفيدة.

روضة عمران القبيسي: الحوار الأسري تراجع بنسبة 65.5 %

قالت الأستاذة روضة عمران القبيسي، خبيرة تنمية بشرية، إن التكنولوجيات الجديدة بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي لها تأثير كبير على أفراد المجتمع بما تحمله من تفاعل داخل المجتمع وما تحتويه من تأثير على أفراد الأسرة الواحدة، بما فيها العلاقة بين أفراد البيت الواحد مما تسببه من حالات عزلة اجتماعية وانطوائية على الذات بسبب الإدمان على الإنترنت، وهذا ما ينتج للمجتمع جيلًا فاشلًا دراسيًا ومكتسبًا لعادات أخلاقية سيئة.
وأكدت أن علاقة الأسرة بالمدرسة سابقًا كانت عبارة عن علاقة تكاملية تبادلية تسهم في تكوين مدارك الإنسان وثقافته وتسهم في تشكيل القيم والأخلاق التي يتمسك بها ويتخذها كمقومات للسلوك الاجتماعي بما فيها علاقات الآباء بالأبناء، أما اليوم فقد انتقل جزء كبير من هذا الدور إلى شبكات الإنترنت والهواتف المحمولة، الأمر الذي حل محل الحوار والمحادثة بين أفراد الأسرة الواحدة، وأدى إلى توسيع الفجوة والصراع بين الآباء والأبناء، وسبّب قصورًا في واجبهم تجاه أبنائهم وبناتهم في التربية والتوجيه، كما تسبب في انشغال الأبناء والبنات بوسائل التواصل وتقصيرهم مع والديهم في البر والطاعة، ولذلك فإن المشكلات الواقعة حاليًا سببها ظروف الحياة ومتغيراتها الاقتصادية المؤثرة عليها، ولكن لا شك في أن لهذه الوسائل دورًا مهمًا في تنامي تلك المشكلات بفعل تهيئتها الأرضية المناسبة وسُبُل التواصل المسيء لروابط التواصل الاجتماعي بين أفراد الأسرة.
وأشارت إلى أن العديد من الدراسات الاجتماعية التي دارت حول تأثير شبكات التواصل الاجتماعية على الأسرة، أظهرت نتائجها أن من تأثيراتها السلبية أنها تقلل من الحوار البيني التفاعلي بين أفراد الأسرة بنسبة 65.5% وأن استخدام مواقع التواصل الاجتماعي من قبل الأبناء يؤدي إلى تغيير سلبي في سلوكهم بسبب عزلتهم بنسبة 60%، وقضاء الأطفال والمراهقين أوقاتًا طويلة في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يؤثر على دور الأسرة في نقل ثقافة المجتمع إليهم، وإكسابهم المهارات المختلفة، وتنمية سلوك الأبناء، وغرس القيم والأخلاق لديهم، كما يؤثر على دور الأسرة في مراقبة ومتابعة الأبناء، أيضًا يؤثر من خلال متابعة الأطفال للمشاهد العنيفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بما تزرعه من الخوف على نفوسهم، فهي تزيد من المشاكل السلوكية كالعدوانية وهذا يؤثر سلبًا على تواصله مع أفراد أسرته.