ناقش أحدث تقرير لمجموعة بنك قطر الوطني /كيو ان بي QNB/، تغيرات السياسة النقدية في الأسواق الناشئة الرئيسية في العالم، متوقعا انحسار الضغوط التضخمية خلال الأرباع القليلة المقبلة، وذلك على الرغم من أنها لاتزال مرتفعة في الأسواق الناشئة التي تتسم بمعدلات كبيرة من الإنفاق ومستويات قليلة من الإنتاجية.
وأعاد تقرير المجموعة الأسبوعي الصادر اليوم، السبب في انحسار الضغوط التضخمية خلال الأرباع القليلة القادمة، إلى تراجع العوامل المرتبطة بأسعار العملات الأجنبية والسلع، مشيرا إلى أن الأسواق الناشئة الآسيوية التي تتسم بارتفاع مستويات الادخار والإنتاجية، لا تزال تشهد انخفاضا في ضغوط الأسعار.
وتوقع التقرير أن تؤدي الأوضاع العالمية إلى تراجع توقعات النمو على المدى القصير، وتخفيف قيود معروض السلع. وقال يبدو أن هناك فرصا محدودة لزيادة أسعار الفائدة في الأسواق الناشئة في المستقبل القريب، وذلك على الرغم من أن فترة انخفاض أسعار الفائدة في الأسواق الناشئة الرئيسية ربما تكون انتهت .
وأضاف أن إنعاش الاقتصاد كان هو نقطة التركيز الرئيسية في الاقتصاد العالمي منذ أن رد صناع السياسات بقوة على الصدمة غير المسبوقة الناتجة عن جائحة كورونا /كوفيد - 19/، ويشار عادة إلى عمليات إنعاش الاقتصاد بأنها فترات من تزايد النشاط الاقتصادي وارتفاع أسعار الأصول بفعل سياسات التحفيز، ويمكن أن يكون لها تأثير إيجابي كبير على جهود استئناف النشاط الاقتصادي بعد فترة من التراجع الحاد. ولكنها قد تنتج أيضا تأثيرات جانبية سلبية، لا سيما عندما يتسبب الإفراط في التحفيز في حدوث اختلالات في الاقتصاد والسوق.
ورأى التقرير أن الاختلالات الناجمة عن إنعاش الاقتصاد بعد الجائحة أدت في الأشهر الأخيرة، إلى ضغوط تضخمية، كما أدى اقتران النمو القوي في الطلب بقيود إمدادات السلع نتيجة للجائحة إلى ارتفاع كبير في أسعار المستهلكين والمنتجين. وقد حدث ذلك في العديد من البلدان، بما في ذلك الأسواق الناشئة الكبيرة.
وقال في الواقع، اضطرت بالفعل بعض البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة بسبب ارتفاع توقعات التضخم في الأسواق الناشئة. وتعد البرازيل وروسيا والمكسيك من أهم الأمثلة على البلدان التي اتخذت فيها البنوك المركزية خطوات لتشديد السياسة النقدية. كما أن بعض الأسواق الناشئة الأخرى في طريقها لاتخاذ خطوات مماثلة، فيما يمكن أن يكون تحولا رئيسيا في فترة امتدت لعدة سنوات من انخفاض أسعار الفائدة .
وفرق التقرير الأسبوعي الصادر عن /كيو ان بي QNB/، بين نوعين من الأسواق الناشئة، أولهما الأسواق الناشئة الآسيوية التي تتسم بمعدلات عالية من المدخرات والإنتاجية، والثاني هو الأسواق الناشئة التي تتسم بمستويات عالية من الإنفاق وقدر أقل من الإنتاجية.
وقال التقرير إنه على الرغم من أن فترة التحفيز القوي عبر السياسة النقدية ربما تكون انتهت في معظم الأسواق الناشئة خلال التعافي الحالي الذي أعقب الجائحة، إلا أن بعض الأسواق الناشئة التي تتسم بمستويات عالية من الإنفاق وقدر أقل من الإنتاجية بدأت بالفعل في رفع أسعار الفائدة. لكننا لا نتوقع رؤية المزيد من التشديد في معظم الأسواق الناشئة، على الأقل ليس خلال الأشهر العديدة القادمة. وهناك ثلاث نقاط تدعم وجهة نظرنا هذه .
أولا، كان الارتفاع السريع في تضخم أسعار المستهلك يمثل مشكلة للأسواق الناشئة التي تتسم بإنفاق كبير وإنتاجية قليلة، والتي تعتبر أكثر حساسية تجاه العوامل الخارجية التي تؤدي إلى ارتفاع الأسعار، مثل قيمة العملات الأجنبية وأسعار السلع. وهذا يشمل الأسواق الناشئة الكبيرة، مثل البرازيل وروسيا والهند والمكسيك وجنوب إفريقيا. ولكن هناك أدلة تشير إلى احتمال تراجع ضغوط الأسعار حتى في هذه البلدان. فالعملات المحلية آخذة في الاستقرار، وبدأت أسعار السلع الرئيسية غير المرتبطة بالطاقة في الانخفاض، وتشهد اختناقات الإمداد تراجعا، مما يضع سقفا لتوقعات التضخم. ولذلك من المرجح أن يكون لدى صناع السياسات حيز أكبر للانتظار وترقب تطورات الأسعار أو تجميد برامج التشديد النقدي أو حتى إيقافها لفترة من الوقت.
ثانيا، يكون التضخم عادة ضعيفا في الأسواق الناشئة الآسيوية التي تتسم بقدر كبير من المدخرات والإنتاجية، على الرغم من نموها القوي وتعافيها السريع من الوباء. فلا تزال القوى الانكماشية سائدة في هذه البلدان، لأن الانخفاض النسبي في الاستهلاك المحلي وارتفاع معدلات الاستثمار والادخار يعوضان عن التأثير الناتج عن الطفرة التي أعقبت الجائحة والقيود في معروض السلع، نظرا لأن تضخم أسعار المستهلك على المستوى الإقليمي يتراوح بشكل مريح بين 1% و2.5%، فإن البنوك المركزية في الأسواق الناشئة الآسيوية الرئيسية ليست في عجلة من أمرها للبدء في رفع أسعار الفائدة.
ثالثا، تشير الأوضاع العالمية، المدفوعة بالاقتصادات المتقدمة مثل الولايات المتحدة ومنطقة اليورو واليابان، إلى أن التحفيز والتعافي قد بلغ ذروته بالفعل. وبالتالي، فإن الاقتصاد العالمي في طريقه للتباطؤ، مع تراجع توقعات التضخم بشكل عام. ومن المرجح أن يوفر ذلك مزيدا من الطمأنينة للبنوك المركزية في الأسواق الناشئة التي تتعرض حاليا لضغوط لرفع أسعار الفائدة، مما سيجعلها تفضل الانتظار والترقب.