

أوضح فضيلة الشيخ عبدالله محمد النعمة خلال خطبة الجمعة التي ألقاها بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب أن من كمال هذا الدين وعلو شأنه وعظيم قدره، أنه نظم شؤون الناس وسلك بهم سبل السلام، وهيأ لهم العيشة الكريمة، ونظم لهم العلاقات فيما بينهم على أسس من العدل والمحبة وجلب المصلحة وتقديمها، وعلى أسس درء المفسدة ودفعها، ومن جملة ما عنيت به الشريعة الغراء في مجال العلاقات، ما يتصل بالعلاقة بين الرجال والنساء، وبخاصة بين الزوج وزوجته، وعلاقة الأب ببناته كيف يحسن إليهن؟ وعلاقته بأخواته كيف يرفق بهن؟ ولما كان النساء مخاطبات بالشرع لأنهن يتوقف عليهن كثيرا من الأمور، فقد حملهن الله سبحانه وتعالى الأمانة، ووجه الخطاب إليهن على وجه الخصوص في عدد من مواضع القرآن، ومن جملة ما يحسن التوقف عنده، تلك الوصايا الربانية العظيمة التي جاءت خطابا إبتدائيا لأمهات المؤمنين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهن، ولكن عباد الله هذا الخطاب يحمل في غضونه، وفي ضمنه مخاطبة عموم النساء إذا ما أردنا أن يرتقين إلى معارج الفضل ومقامات النبل التي تميز بها أمهات المؤمنين، فمن جملة تلكم التوجيهات التي أحاط الله بها بيت النبوة، ما جاء في سورة الأحزاب في قوله تعالى "يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن"، فهذه الآيات هي آداب وأخلاق أمر الله بها نساء النبي عليه الصلاة والسلام، وهي بمثابة وصايا قدمها النبي عليه الصلاة والسلام لزوجاته ونساء الأمة تبع لهن في ذلك.
وأضاف الخطيب أن أول تلك الوصايا في قوله تعالى "إن اتقيتن" ذلك أن تقوى الله هو المنطلق في تقرب العبد إلى ربه سبحانه، واتباع أمره، وهدي نبيه عليه الصلاة والسلام. ثم ذكر تلك الوصايا، ثم ذكر أول ما ذكر بعد تلك الوصية العظمى في تقوى الله ألا يخضعن بالقول فقال: "فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض"، وينبغي أن نلاحظ أن الذي خوطب ابتداء في هذه الآية أمهات المؤمنين فإذا لم يعصم من في قلبه مرض أن يطمع في أشرف النساء وأكملهن ومن هن بمنزلة أمهاتنا فما الحال إذن بغيرهن، فعلى المرأة المسلمة أن لا تلين ولا تتساهل بالحديث مع الرجال إلا في نطاق ضيق وللحاجة والضرورة، ثم أمرها الله بالقول المعروف الحسن وهو كناية عن حفظ اللسان من الغيبة والنميمة والوقوع في الأعراض والسب والشتم، قال علي رضي الله عنه " اللسان قوام البدن فإذا استقام اللسان استقامت الجوارح.
وأردف: والوصية الرابعة في هذه الآيات قوله سبحانه "وقرن في بيوتكن" ففيه استقرار للمرأة، والبيت والأولاد، ولهذا كانت عناية القرآن في نسب البيت للمرأة ينسبه إليها، كأنما هذه البيوت هي ملك لها، مع أن البيت ملكا للرجل، فقال سبحانه "وقرن في بيوتكن" وقال في آية أخرى "واذكرن ما يتلى في بيوتكن"، وفي موضع آخر قال سبحانه "لا تخرجوهن من بيوتهن" نسبت البيوت لهن لأنهن أكثر اختصاصا به، وأكثر تعلقا بإدارته، ورعاية شؤونه.
ولفت الخطيب أن من هذه الوصايا الربانية في بيت النبوة قوله تعالى "ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى" دعوة للحفاظ على نفسها من الفتن والزينة لغير المحارم، مما يظهر الفواحش، ويدعو للفساد، جاء في صحيح البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها قالت "لقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الفجر فيشهد معه نساء من المؤمنات متلفعات في مروطهن ثم يرجعن إلى بيوتهن ما يعرفهن أحد"، فالإسلام عباد الله دين الستر والصيانة، والعفاف والحشمة، حفاظا للمرأة، وصيانة للمجتمع كله، صيانة لهذا المجتمع من آثار التبرج والسفور الذي يؤدي إلى هلكة المجتمعات.
وذكر الشيخ عبدالله النعمة أنه سبحانه وتعالى لما نهاهن عن الشر جاءت الوصايا بالخير، وأمرهن سبحانه وتعالى بالصلاة والزكاة، وإطاعة الله ورسوله، وإقامة هذه البيوت على ذكر الله تعالى، فقال سبحانه "وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا واذكرن ما يتلى في بيوتكم من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا"، فجعل سبحانه وتعالى هذه الوصايا بمثابة الحصن الحصين لهذه البيوت، وحفاظا لها من التفكك والانحراف، وعلى رأسها إقامة الصلاة، والمحافظة عليها، ودعوة الأبناء لها، ومتابعة أمرها، فهي صلة العبد بربه، ثم طاعة الله في زكاة المال والصدقات، ففيها دفع للبلاء، ومرضاة للرب سبحانه، ثم طاعة الله ورسوله طاعة تامة عامة، مصحوبة بالرضا والتسليم .
وآخر هذه الوصايا هو إقامة ذكر الله وتلاوة آياته في هذه البيوت، جاء في الأثر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "إن البيت ليتسع على أهله وتحضره الملائكة وتهجره الشياطين ويكثر خيره أن يقرأ فيه القرآن وإن البيت ليضيق على أهله وتهجره الملائكة وتحضره الشياطين ويقل خيره ألا يقرأ فيه القرآن ".
وأكد الشيخ عبدالله النعمة أن صلاح المرأة صلاح للمجتمع والأمة وفسادها فساد للمجتمع والأمة، هذه وصايا النبي لنسائه فعلى المرأة المسلمة الاتباع والاقتداء.