خبراء ومواطنون يتساءلون عبر «العرب»: العقوبات المجتمعية.. هل تردع المخالفين لقوانين البيئة؟

alarab
محليات 10 مايو 2024 , 01:11ص
يوسف بوزية

دعا قانونيون إلى احترام قوانين البيئة المعمول بها في الدولة من خلال تعزيز الرقابة الذاتية والإحساس بالمسؤولية تجاه البيئة ومكوناتها، وعدم ارتكاب أي مخالفات تضر بسلامتها.
وأكدوا لـ «العرب» أن الدوائر القضائية بمختلف درجاتها تنظر في العديد من المخالفات البيئية المسجلة بحق أفراد أو مؤسسات، مثل رميّ النفايات الصلبة في أماكن غير مخصصة لها، أو سكب المواد السائلة المضرة كالزيوت في الشوارع، الدخول للمحميات الطبيعية بالمركبات، أو تجريف التربة وإتلاف النباتات النادرة التي شملها القانون بالحماية، وإتلاف الأراضي الزراعية، أو الإضرار بالمحميات الطبيعية، والتعدي على الحيوانات أو صيد الحيوانات النادرة أو قطع الأشجار النابتة وغيرها، مشيرين إلى أن نسبة الفصل في القضايا البيئية تعد الأعلى من بين القضايا المنظورة أمام المحاكم، مما يدل على سرعة الفصل فيها، لحماية البيئة ومكوناتها الطبيعية من التلوث والأضرار المحتملة.
وثمنوا دور الجهات المسؤولة في حماية المناطق البرية والبحرية، بما فيها دور المشرع في تغليظ العقوبات والإجراءات الرادعة التي تنفذها الجهات المختصة بهدف الحد من تشويه البيئة أو هدر مكوناتها والتقليل من المخالفات التي تقع بشأنها، منوهين بأنّ العقوبات تشمل الحبس والمصادرة والغرامة وإزالة المخالفة على نفقة المتسبب، كما أشاروا إلى الخدمة الاجتماعية والبيئية كواحدة من ضمن العقوبات البديلة لردع المخالفين، مؤكدين أن العقوبات البديلة موجهة نحو الحفاظ على البيئة وتشمل مشاريع تخدم المصلحة العامة البيئية في الدولة، من خلال تنظيف الشوارع والشواطئ والحدائق العامة، زراعة الاشجار، وصيانة البنية التحتية وغيرها من الأعمال تحت رقابة وتنسيق المؤسسات الحكومية المختصة.

الدكتور خالد المهندي: تعاون المجتمع في الرصد والتبليغ

قال الدكتور خالد عبدالله المهندي، المحامي بمحكمة التمييز والباحث بمكافحة الفساد والتنمية المستدامة وحقوق الإنسان: تعد علاقة الإنسان بالبيئة علاقة متوازنة ومنفعة متبادلة، مفادها أن من حق الإنسان العيش والاستمتاع ببيئة صحية ومحمية بالنظافة، ويقابل ذلك واجب على الإنسان الدفاع عن البيئة وحمايتها والحفاظ عليها، لاسيما بأن هذه الحقوق والواجبات دستورية، نص عليهم الدستور الدائم لدولة قطر بالماده 33 التي نصت على: تعمل الدولة على حماية البيئة وتوازنها الطبيعي، تحقيقاً للتنمية الشاملة والمستدامة لكل الأجيال، كما أسبغت عليها الحماية القانونية بالمرسوم بقانون رقم (30) لسنة 2002 بإصدار قانون حماية البيئة، مشيرا الى ان الحفاظ على البيئة والدفاع عنها حق للأجيال القادمة في التنمية المستدامة.
واضاف: في ظل توفر العديد من المناطق البرية المحمية بالقانون، تتناقل مواقع التواصل الاجتماعي بعض الصور من ناشطين أو من العامة ترصد بعض التعديات على البيئة، تتمثل أكثرها على ترك المخلفات ورميّ النفايات الصلبة في أماكن غير مخصصة لها، أو سكب المواد السائلة المضرة كالزيوت في الشوارع، أو دهس الروض من قبل المركبات، مما يتسبب في تدمير وإتلاف للتربة والاعشاب والاشجار، والتي تستغرق وقتاً طويلاً وتفاعلا بيئيا لكي تكون كما كانت عليه، وفي ذلك تفويت وإضرار جسيم بحق الانتفاع والتنزه من باقي المواطنين، وكذلك تشوية للمنظر الطبيعي، وتكاثر للحشرات الضارة.
وأوضح أنه على الرغم من الجهود التي تبذلها وزارة البيئة والتغير المناخي بما فيها رصد وضبط وتحرير من المخالفات وإحالة للنيابة العامة والقضاء على أثر رصد مخالفات والجرائم البيئية، إلا أن الاجراءات والعقوبات وحدها لن تكون حلاً مهما شددت، إلا من خلال وعي وإدراك وتحمل مسؤولية من العامة المرتادين لتلك المناطق، وتعاون المجتمع في الرصد والتبليغ عن أي مخالفات مع الأخذ بعين الاعتبار تشديد العقوبات وتغليظها لكي تكون رادعاً لكل من يتعدى على حقوق البيئة والمجتمع والأجيال القادمة.. والتنمية المستدامة.

علي الحنزاب: رفع الوعي والإحساس بالمسؤولية

دعا الناشط البيئي علي الحنزاب، صاحب «مبادرة علي الحنزاب للتشجير ومكافحة التصحر» المواطنين إلى المشاركة في حماية البيئة والموارد الطبيعية لضمان استدامتها حفاظًا على حقوق الأجيال القادمة.
وأكد على ضرورة عدم التهاون مع المخالفين الذين ما زالوا يرتادون البحر أو البر خصوصاً في عطلة نهاية الأسبوع، مع تشديد الرقابة لحماية المناطق البرية من التعديات وتغليظ العقوبة على المخالفين، مشيراً إلى أن الجدية في رصد المخالفات من شأنها ردع المستهترين والتزام الجميع بالشروط والقوانين.
واقترح وجود نقاط ثابتة لدوريات الحماية البيئية للحد من التجاوزات التي يشهدها البر بشكل مستمر، سواء من قبل الأفراد مثل أصحاب العزب او الشركات وسائقي الشاحنات، والمرور على مواقع العزب بشكل يومي للتأكد من التزام اصحابها بالاشتراطات والقوانين البيئية لحماية خيرات المناطق البرية، داعيا المواطنين إلى تقدير القيمة التراثية والبيئية للأشجار والحفاظ عليها لأنها تمثل موروثاً هاماً. 
ونوه بضرورة أن تكون حملات التوعية التي دأبت عليها- مشكورة - وزارة البيئة والتغير المناخي مقرونة بزيادة التوعية بأهمية الحفاظ على البيئة - والتي تتضمن شرحا لتأثير الممارسات الخاطئة على الحياة الفطرية، ودعا سائقي الشاحنات والشركات الى احترام المناطق البرية وعدم سكب النفايات إلا في الأماكن المخصصة لها.
وأكد أهمية التوعية البيئية لأنه لا شيء يمنع التجاوز سوى الوعي والإدراك والإحساس بالمسؤولية، مشيرا إلى أن التوعية يجب أن تتم بالشكل الصحيح من خلال شرح تأثير هذا الفعل. كما أشار إلى ضرورة تنفيذ العقوبات بحق المخالفين بما فيها الخدمة الاجتماعية والبيئية مثل تنظيف الشوارع والشواطئ والحدائق العامة، وزراعة الاشجار، وصيانة البنية التحتية وغيرها من الأعمال تحت رقابة وتنسيق المؤسسات الحكومية المختصة.

عبدالهادي الشناوي: نشر الوعي البيئي في أوساط الطلاب

نوه الاستاذ عبدالهادي الشناوي بمبادرات حماية البيئة لأن البيئة تتعرض أصلا لقساوة المناخ وتحتاج إلى الاهتمام بينما عدم الاهتمام بها يعني أننا لن نجد متعة في البر، مشيرا الى مشاركة الطلاب في المبادرات البيئية وزياة المسطحات الخضراء والتي تساهم في بناء شخصيتهم وتوعيتهم مبكراً بالقضايا البيئية وتعزيز انتمائهم لقطر، وأكد أن المبادرات البيئية تساهم في رفع الوعي لدى الطلاب على زيادة الرقعة الخضراء بالدولة.وأكد على ضرورة نشر الوعي البيئي في أوساط الشباب ولا سيما طلبة المدارس بشكل ممنهج وبالتنسيق مع الادارات المدرسية والمؤسسات المعنية وذلك لغرس مفهوم الثقافة البيئية في نفوس النشء وحمايتها.
 واشار الى ضرورة زرع المفاهيم التي تشجع على احترام الشجرة وتربيتها في ثقافة مجتمعاتنا، وتشجيع الحركات والمبادرات التي تنادي بالحفاظ على البيئة والأشجار. مؤكدا على أهمية شيوع ثقافة مسؤولية الفرد والمجتمع تجاه احترام الحياة البرية ونظافة البيئة، ورفع مستوى الوعي البيئي بين مرتادي المناطق البرية للمحافظة على البيئة الطبيعية، والحياة الفطرية في بر قطر.

المحامي عدنان الخايلي: العقوبات البديلة.. رادعة

قال المحامي عدنان الخايلي إن سياسة التجريم والعقاب في المجال البيئي في قطر تسعى إلى إلزام أفراد المجتمع بالسلوكيات التي تضمن الحفاظ على البيئة، والوعي بمخاطر التغيرات التي تفرضها طبيعة المناخ الصحراوي للبلاد وآثار الاستنزاف العالمي لمكونات البيئة، مشيرا الى أن التشدد في العقوبة وإن كان آلية للردع، لكنه ليس حلا مناسبا لنشر الثقافة البيئية وحماية البيئة من مظاهر التعدي، لافتا ان المخالف الذي يحكم عليه بعقوبة حبسية لن يساهم تنفيذه لتلك العقوبة في إزالة الأذى الذي لحق بالبيئة، كما أن الغرامة المالية التي سيدفعها لن تعيد الجزء المتضرر من البيئة كما كان. واقترح الخايلي، من أجل تكريس وعي حقيقي بقيمة المجال البيئي، إلغاء العقوبات التقليدية المعمول بها بشكلها الحالي، مثل عقوبة الحبس، والحكم بدلا من ذلك على الجاني بقضاء مدة معينة لا تقل عن شهر في القيام بأعمال مفيدة مثل الزراعة، التشجير، العمل بمحمية برية وغير ذلك من الأعمال التي ستعود بالنفع على البيئة.  أضاف الخايلي: كما نرى ضرورة إعادة النظر في تجريم بعض السلوكات مثل دهس السيارات للروض والمناطق البيئية، وأن يصبح التجريم مقتصرا فقط على السائقين الذين ثبت قصدهم الجنائي بالقيام بذلك، أو الذين كانوا في حالة قيادة برعونة واستهتار، مع إقرار عقوبات خاصة في حقهم مثل فرض غرامات مالية يكون وجه صرفها المباشر ترميم ذلك الجانب المتضرر من البيئة، أو فرض خصم رمزي من رواتبهم، أو أي أموال لديهم على مدى الحياة، يودع مباشرة في حسابات الدولة المخصصة للاستثمار في المجال البيئي.

الحماية مسؤولية مشتركة

تسعى وزارة البيئة والتغير المناخي من خلال إدارة العلاقات العامة إلى إشراك الجماهير في مسؤولية الحفاظ على البيئة من خلال الرسائل التوعوية التي توجهها الإدارة للجماهير، والتنويه بالممارسات الخاطئة والتي تلحق الضرر بالحياة الفطرية وتعيق دورة نمو النباتات، كما تسن القوانين والقرارات التي تحمي البيئة والحياة الفطرية، وينص القانون رقم 19 لسنة 2004 بشأن حماية الحياة الفطرية ومواطنها الطبيعية على حظر إتلاف أو نقل أو تحطيب النباتات الكائنة في المحمية الطبيعية، ومنع تلويث تربة أو مياه أو هواء المحمية الطبيعية بأي شكل من الاشكال، كما منع القانون اقامة المباني أو المنشآت أو شق طرق أو تسيير المركبات أو ممارسة أي أنشطة زراعية أو صناعية أو تجارية أو رعوية أو غيرها في المحميات الطبيعية، ومنع اقتلاع أو قطع الكائنات الفطرية أو أجزائها أو جمع بذورها إلا إذا كان ذلك للأغراض العلمية المصرح بها، كما حظر اقتناء الكائنات الفطرية أو قتلها. وحظر صيد أو نقل أو قتل الكائنات البرية أو البحرية أو القيام بأي أعمال من شأنها القضاء عليها أو الإضرار بها، كما حظرت نقل أو الإضرار بأي كائنات أو مواد عضوية كالصدفيات والشعاب المرجانية طبيعية وصناعية لأي غرض من الاغراض.
كما قامت وزارة البيئة والتغير المناخي بالتعاون مع إدارة أمن السواحل والحدود بوزارة الداخلية، بحملة توعوية وتفتيشية على قوارب الصيد بالمياه الإقليمية لعدة مناطق بالدولة، وذلك لرصد أي مخالفات بيئية، وتوعية الصيادين ومرتادي البحر بأهمية الحفاظ على البيئة البحرية والعمل على حمايتها.
هدفت الحملة التي قامت بها إدارة الحماية البحرية إلى التعريف والتوعية بقرارات وقوانين الدولة الصادرة بهدف حماية الحياة البحرية، والتأكيد على أهمية استخدام وسائل ومعدات الصيد الآمنة، والتي تحافظ على التنوع الحيوي والشعاب المرجانية بدولة قطر.

ضمان حماية البيئة.. محور اهتمام المؤسسات

في حين تحرص الجهات المسؤولة على ضمان استمرارية حماية البيئة، باعتبارها من ركائز التنمية البيئية وضمن رؤية قطر الوطنية 2030، فقد كانت حماية البيئة من المخالفات، محور أحد طلبات المناقشة العامة الذي تقدم به عدد من أصحاب السعادة أعضاء مجلس الشورى، حول مخالفات بعض الأفراد والشركات وتأثيرها على البيئة البرية. حيث نبهوا إلى خطورة التعديات على البيئة وعلى الروض والحياة الفطرية فيها، عبر إلقاء مُخلفات البناء والنفايات، أو الرعي الجائر، وغيرها من الممارسات المُضرة بالبيئة، على الرغم من وجود قوانين وتشريعات تجرّم تلك السلوكيات، وتضمنت مقترحاتهم تسوير الروض بسياج يمنع دهسها، إقامة العزب الجوالة بعيدًا عن الروض بعد أن نجمت عنها آثار سلبية على البيئة، وكذلك التوسع في منح خاصية الضبط القضائي للمختصين في البيئة حتى يتمكنوا من مهامهم على الوجه المطلوب، مع ضرورة تحسين رواتب العاملين في الضبط القضائي والمفتشين البيئيين. 
كما اقترح عدد من الأعضاء تكوين لجنة مؤقتة تناقش موضوع البيئة البرية وترفع توصياتها لمجلس الشورى، بعد أن تستمع إلى آراء المختصين في البيئة وتضمّن آراءهم في تقريرها للوصول إلى رؤية واضحة بشأن معالجات البيئة التي وصفوها بأنها إرث للأجيال المقبلة.
كما تضمنت المقترحات وضع ضوابط للرعي في المناطق البرية بما أن الرعي الجائر وقطع الأشجار جعل الكثير من المناطق قاحلة تفتقر للغطاء النباتي.
إلى جانب تعزيز التعاون بين الجهات الأكاديمية والبحثية في الشأن البيئي لكون هذا النوع من التعاون يجد حلولًا للكثير من المشكلات البيئية، وتغليظ العقوبة لمرتكبي مخالفات البر والتدمير الذي يحدث في الروض بالمناطق البرية عقب الأمطار وما بعدها بقطع الأشجار وحرقها لأنها تصرفات غير مسؤولة تنتج من جهل العواقب التي تنعكس على البيئة البرية.