

لم يبدأ طريق محمد ناصر حسين بالحظ ولا بالفرص، بل باليُتم والمعاناة. ورغم قسوة البدايات، قادته الرعاية والدعم والعزيمة إلى أن يحوّل ضعفه قوة، ومعاناته أملاً، وحياته قصة نجاح تستحق أن تُروى.
وُلد محمد ناصر في 28 يوليو 1995 بمديرية تاكورغون في بنغلاديش. وفي سن الثانية فقط، تعرّضت حياته لصدمة مؤلمة بوفاة والده محمد منصور علي—المزارع البسيط ومعيل الأسرة الوحيد—في عام 1997. وبرحيله اختفت آخر مظلة أمان للأسرة، تاركًا زوجة وطفلًا صغيرًا بلا مصدر دخل ولا حتى أساسيات الحياة.
واجهت والدة محمد ناصر، السيدة نسيمة خاتون، وهي ربة منزل ليس لديها دخل ثابت، معاناة هائلة للتكيف مع الفقد المفاجئ والمسؤوليات الساحقة؛ حيث أصبح تأمين الغذاء والمأوى والتعليم لابنها الصغير تحدياً يفوق طاقتها.
في دار الأيتام
في عام 2001، وفي خضم القلق وضبابية المستقبل، التحق محمد ناصر بدار خُبيب للأيتام في رانغبور، التي تُدار بدعم من قطر الخيرية—وكان ذلك القرار بداية تحول مصيري. فقد تحوّل المكان الذي قصدته أسرته بحثًا عن الأمان إلى بيئةٍ تُنبت الطموح والانضباط والأحلام.
في دار الأيتام، تلقّى محمد ناصر الطعام والملبس والمأوى، لكنه حصل أيضًا على ما هو أثمن: تعليمٌ نوعي، وتوجيهٌ أخلاقي، ودعمٌ عاطفي. ساعده النظام التربوي على بناء الثقة بالنفس، وتنمية قدرته على مواجهة الحياة بروحٍ ثابتة.
يقول ناصر ممتنًا: «قطر الخيرية لم تساعدني ماليًا فقط… لقد منحتني مستقبلًا حين بدا كل شيء مفقودًا.»
التفوق الأكاديمي
ورغم الجراح العاطفية والضائقة المالية التي واجهها منذ طفولته، برز محمد ناصر كتلميذٍ مجتهد وطموح. فقد حقق معدلًا مميزًا 5.00 من 5.00 في امتحان الصف العاشر (SSC) عام 2012 – فرع علمي، ثم معدل 4.80 من 5.00 في شهادة الثانوية العامة (HSC) عام 2015.
هذا التفوق أوصله إلى التعليم الجامعي في الهندسة، حيث حصل على بكالوريوس العلوم في الهندسة الكهربائية والإلكترونية (EEE) من جامعة جاشور للعلوم والتكنولوجيا (JUST) عام 2019، متخرجًا بمعدل 3.48 من 4.00.
الأعمال التطوعية
اليوم، يشغل محمد ناصر حسين منصب مساعد المدير العام في مجلس كهربة الريف في بنغلاديش. حيث يساهم عبر هذا الدور في تنمية المجتمعات الريفية من خلال مهام تقنية وإدارية وخدمي عبر دعم توفير الكهرباء ورفع جودة الحياة في المناطق المحرومة.
وبجانب مسيرته المهنية، يواصل محمد ناصر التزامه بالأعمال التطوعية والاجتماعية. فقد شارك خلال سنوات الجامعة مع منظمة «بدهان» وهي منظمة تطوعية للتبرع بالدم، وغيرها من المنظمات في حملات التبرع بالدم والأنشطة الإنسانية—وما تزال روحه التطوعية حاضرة حتى اليوم.
كلمات الشكر والامتنان
يقول محمد ناصر وهو يسترجع مسيرته: «لو لم تدعمني قطر الخيرية في أكثر لحظاتي ضعفًا، لما وصلت إلى ما أنا عليه الآن. لقد وثقوا بي قبل أن أتمكن من الثقة بنفسي.
أما والدته نسيمة خاتون فتقول: «بعد وفاة زوجي شعرت بالعجز. وقفت قطر الخيرية بجانب ابني كوليّ الأمر. لقد رفعوا عني حملًا ثقيلًا ومنحوا ابني فرصة ليعيش بكرامة.»
ردّ الجميل
وبينما يتذكّر بداياته الصعبة، يتمسّك محمد ناصر برسالة ردّ الجميل لمن يمرون بما مرّ به. فهو يشارك بانتظام في مبادرات مجتمعية، ويتعاون مع أصدقائه لدعم الأطفال المحتاجين.
يقول محمد ناصر: «أحلم بأن أقف إلى جانب الأطفال الذين يواجهون ما واجهته. أريد أن أكون لهم مصدر، كما كانت قطر الخيرية لي.»
إن رحلة ناصر حسين—من طفلٍ يتيم بلا سند مالي إلى مهندس بارز ومسؤول يخدم مجتمعه—تكشف الأثر العميق لكفالة اليتيم على المدى البعيد، لتؤكد أن الرحمة والتعليم والدعم المستمر قادرون على تحويل الضعف إلى قوة، واليأس إلى أمل، والطفل المحروم إلى إنسانٍ فاعل يغيّر حياة الآخرين.