تصنع من الحرير وخيوط الذهب والفضة  

كسوة الكعبة تتجاوز تكلفتها 25 مليون ريال

لوسيل

خاص - لوسيل

من مظاهر العناية التي تشهدها الكعبة المشرفة أعمال الترميم والصيانة لها والتحسينات المستمرة كل وقت وحين، مرورا بتجديد كسوة الكعبة كل عام.

وفي العصور القديمة كان رفع الكسوة يعد بمثابة وسيلة للإعلان عن اقتراب موسم الحج، ودلالة على دخول وقت الشعيرة، واستقبال ضيوف الرحمن.

ومن ضمن الأعمال التي تشهدها الكعبة المشرفة وتسبق موسم الحج كما جرت عليه العادة السنوية، رفع الكسوة بارتفاع 3 أمتار، التي عادة ما تتم في منتصف شهر ذي القعدة بإشراف من الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي.

يرفع ثوب الكعبة، بهدف حماية الكسوة من التلف أو التمزق نتيجة الزحام الشديد حول الكعبة المشرفة، ولمنع بعض الحجاج أو المعتمرين من قطع الثوب للحصول على قطعة منه طلبًا للذكرى أو البركة.

وتتجاوز قيمة الكسوة 25 مليون ريال سعودي، وتصنع من الحرير وخيوط الذهب والفضة، ويأخذ تصنيعها 10 أشهر.
وتستبدل الكعبة المشرفة كسوتها مرة واحدة كل عام، وقد جرت العادة أن تبدأ مراسم استبدال الكسوة عصر يوم عرفة من كل عام أثناء موسم الحج وبعد أن يتوجه الحجاج إلى صعيد عرفات.

ويتم تغير كسوة الكعبة المشرفة في الأول من شهر محرم كل عام.
تفاصيل تقريبية للتكلفة:

الحرير الطبيعي: حوالي 670 كيلوغرامًا.

الذهب الخالص عيار 24: نحو 120 كيلوغراما.

الفضة: حوالي 100 كيلوغرام.

ويشارك في إنجاز هذه العملية مجموعة من الكوادر الوطنية الفنية المتخصصة تعمل وفق أعلى المعايير يساندهم في ذلك أحدث الأجهزة والآليات، بحسب وكالة الأنباء السعودية واس .

تقاليد كسوة الكعبة الممتدة لمئات السنوات

يرتبط التاريخ الإسلامي وآثاره التاريخية ارتباطًا وثيقًا مع تاريخ منطقة الخليج العربية، حيث يتم إيلاء عناية خاصة واهتمام كبير بجميع الأشياء المتعلّقة بموسم الحج والكعبة الشريفة.

وتمتلك المكتبة التراثية في مكتبة قطر الوطنية مجموعة دائمة من المقتنيات، أبرزها جزء من كسوة الكعبة يتجاوز عمره المائة عام، وبالتحديد الحزام المطرّز في وسط الكسوة التي تغطي الكعبة المشرفة، وهو ضمن مواد المعرض الدائم بمكتبتنا التراثية. ويعود تاريخ صنع هذا الجزء المعروض في المكتبة إلى الفترة التي كانت كسوة الكعبة تُنقل فيها من مصر إلى مكة المكرّمة في قافلة تقليدية تسمى المحمل .

ويعود تاريخ صناعة الكسوة التي ينتمي إليها الجزء المعروض في المكتبة إلى بداية عشرينيات القرن الماضي وصنعت حينها بأمرٍ من الملك فؤاد الأول، ملك مصر، في نفس الورشة التي دأبت على صناعة كسوة الكعبة منذ بدايات القرن التاسع عشر. وكانت كسوة الكعبة تُصنع في مدينة القاهرة منذ فترة الدولة المملوكية في القرن الثالث عشر، حيث يطرّز الحزام بخيوط من الفضة والذهب على شكل آيات قرآنية، وكانت البلدان المسلمة تساهم في دفع تكاليف صناعة الكسوة حتى منتصف القرن الماضي عندما انتقلت صناعة الكسوة بشكلٍ دائم إلى مدينة مكة المكرّمة.

ويعود الخط العربي المطرّز على الحزام في شكل آيات من سورة البقرة إلى عبد الله الزهدي الخطاط المشهور في آواخر فترة الحكم العثماني. وتوفي الزهدي في عام 1879 إلا أن عمله بقي حيًا ويُحتفى به من خلال استخدام الخط الذي أبدعه.

ويعود تقليد كسوة الكعبة إلى فترة ما قبل ظهور الإسلام، وحينها كانت الكسوة مصنوعة من قماشٍ مصري - وفي بعض الأحيان يمني - أبيض اللون، وتغيّر لون القماش بعد ذلك إلى الأحمر، ثم الأخضر، ليتحوّل إلى قماشٍ حريري أسود اللون، وبقي بهذا الشكل إلى يومنا هذا.

ومن المواد النادرة في مكتبتنا التراثية صورة فوتوغرافية يُعتقد بأنها أقدم صورة معروفة عن الكعبة والكسوة التي تغطيها في ذلك الوقت، وقد التقطها مصوّر فوتوغرافي عربي، يُعتقد أنه الطبيب عبد الغفار ابن عبد الرحمن البغدادي، ويعود تاريخها إلى عام 1886 أو 1887، حينما كان يعمل مع المستشرق الهولندي كريستيان سنوك هرخرونيه خلال زيارة هذا الأخير لمكة المكرمة خلال تلك الفترة. وتُظهر الصورة، التي تحمل عنوان منظر للمسجد من الداخل أثناء إقامة صلاة الجماعة العديد من المعالم المعمارية التي لم تعد موجودة الآن.

نقل الكسوة

وكانت التقاليد في عشرينيات القرن الماضي، فترة صناعة الكسوة المعروضة في مكتبتنا التراثية، تتمثل في نقل الكسوة إلى مدينة مكة ضمن قافلة الحجيج، وكانت مناسبة سنوية مهمة بالنسبة للمدن التي تمرّ القافلة عبرها. وتؤكّد الصورة واللوحة المعروضة في مجموعة مكتبتنا التراثية أهميّة هذه المناسبة التي نشأ حول رحلتها السنوية نشاطٌ اقتصادي متكامل. وأعرق تلك الصور تعود إلى عام 1802، ورسمها بالحبر والألوان المائية الفنان تشارلز لويس بلزاك بعنوان موكب المحمل عبر شوارع القاهرة ، ويحتوي الرسم على المئات وربما الآلاف من الحجاج الذين سيرافقون الكسوة إلى مدينة مكة المكرمة. والتقط الصورة الثانية مصورٌ مجهول في بدايات القرن العشرين وتحمل عنوان وصول المحمل إلى مدينة مكة .

الكسوة هي واحدة من أقدس القطع الفنية الإسلامية، وإنه لشرف كبير لمكتبة قطر الوطنية أن تكون قادرة على عرض هذه القطعة والحفاظ عليها لجيلنا الحالي والأجيال القادمة. إن التقاليد التي نشأت حول الكسوة لمدّة قرونٍ من الزمن تشير إلى ديمومة الإسلام ومحبة المسلمين في جميع أنحاء العالم لله سبحانه وتعالى وإيمانهم الراسخ برسالة نبيّه محمد صلى الله عليه وسلم. ولتخليد الكسوة حتى تتمكن الأجيال القادمة وباقي العالم من رؤيتها، قامت مكتبة قطر الوطنية برقمنتها - وهو إنجاز تقني رائع بالنظر إلى حجم الكسوة، ومن خلال إنشاء صورة رقمية لها ستبقى الكسوة خالدة لمئات السنوات القادمة.