

زيارة وفد لجنة رياضة المرأة إلى مدرسة مريم.. الصدفة التي غيّرت مسار حياتها وجذبتها لدنيا اللعبة
مدربة مريم طلبت منها مرافقة أختها إلى التمرين.. فكانت بداية غرامها هي الأخرى بتنس الطاولة
أسعى إلى أن أكون اللاعبة القطرية والخليجية والعربية الأولى
لم تكن العائلة التي نشأت فيها لاعبة التنس مها علي عبد العزيز وأختها مريم عائلة رياضية ولا متابعة للرياضة، فلم يكن الوالد الموظف ولا الأم التي تعمل مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة يمارسان الرياضة ولا يعتبرانها مهمة في حياتهما، إلى أن جاء اليوم الذي زار فيه وفد من لجنة رياضة المرأة القطرية المدرسة التي تنتسب إليها مريم والتي كان عمرها آنذاك سبع سنوات، لاختيار فتيات للعب تنس الطاولة.
أجرت اللجنة يومها اختباراً للفتيات من أجل التأكد من قدرتهن على ممارسة اللعبة، وكانت مريم من بين الفتيات اللواتي خضعن للاختبار، وتم ترشيحها للعب ضمن فريق صغريات تنس الطاولة، وكان الانضمام وبعده بدأ المشوار الذي جر الأخت الكبرى مها للانضمام إلى نفس الفريق، لتعرف الرياضة طريقها إلى بيت علي عبدالعزيز من خلال تنس الطاولة.
«العرب» التقت الأختين مها ومريم لتعرف قصة مشوار نجاحهما في الحياة والرياضة.
أصغر لاعبة بالفريق الوطني
لم تكن الطفلة مريم (سبع سنوات) تعرف عن الرياضة شيئاً غير ما تمارسه في ساعة التربية البدنية في المدرسة، إلى أن جاء اليوم الذي حضرت فيه ممثلات عن لجنة المرأة القطرية لانتقاء فتيات يشاركن في فريق تنس الطاولة، وأخضعت ممثلات اللجنة فتيات المدرسة إلى اختبار بسيط وهو أن تضرب كل فتاة الكرة بالمضرب ثلاث ضربات دون إسقاطها، وكانت مريم الطفلة الشقية كثيرة الحركة من بين الخاضعات للاختبار، إلا أنها لم تحافظ على كرتها التي سقطت من مضربها بعد الضربة الثانية، لكن نظرة الخبرة والحنكة التي كانت تمتاز بها ممثلات اللجنة رأت أن مريم فتاة موهوبة وقادرة على تحقيق الكثير في هذه اللعبة، رغم إخفاقها في الاختبار، فتم اختيارها لتكون ضمن فريق فتيات قطر لتنس الطاولة، لتكون بذلك أصغر لاعبة بالفريق، واستطاعت مريم أن تبرهن على أنها لاعبة صاحبة إرادة ولها فكر مختلف في اللعبة وتتميز بإصرار كبير.
حوارنا مع مريم -التي وصلت حالياً لعمر 15 عاماً- لم يكن سهلاً، فهي كثيرة الحركة، مشغولة بكراتها ومضربها طوال الوقت، وكأنها تأبى أن تضيع أي لحظة من وقت التمرين أو أن تفارق طاولتها وتبتعد عن كراتها.
كانت مريم تجيب عن أسئلتنا لكن عينيها على زميلاتها من اللاعبات اللواتي يتمرن، كأنها تطلب منا اختصار الأسئلة، لتعود إلى تمارينها التي قالت إنها أهم شيء في حياتها.
تقول مريم علي: أصبحت تنس الطاولة جزءاً مهماً من حياتي لا يمكنني التخلي عنها، أعتبر أن التنس هواية ومستقبل، فمنذ انضمامي إلى الفريق الوطني وبعد أن أصبحت أصغر لاعبة في الفريق وأنا أحمل أكبر الطموحات في قلبي، وأسعى أن أكون اللاعبة القطرية والخليجية والعربية الأولى، أتمرن بجد وباستمرار وبصفة يومية، حيث أحضر للعب كل يوم وأحرص على التدرب لمدة ساعتين. أحس عندما أتلاعب بالمضرب والكرة تتحرك بسرعة، ذهاباً وإياباً، باستمتاع كبير. أحب اللعب مع الكبار، ومن هم أعلى مستوى مني، فعلى مدار ثمانية أعوام استطعت أن أحجز لنفسي مكاناً خاصاً بين لاعبات تنس الطاولة الأكبر مني سناً.

الحلم الأولمبي
تؤمن مريم أن الطريق الذي اختارته ما زال مُمتداً، وكذا أحلامها لم تُحقق بعد «أحلم بإحراز ميدالية أوليمبية لنفسي ولبلدي»، تلك التي ترى أنها ستؤهلها لخوض مستقبل حافل: النجاح الذي أحققه في تنس الطاولة هو مستقبلي، لا يجب اختصار النجاح في الطب أو الهندسة، فأنا أنوي أن أدرس وأتخصص في الرياضة حتى أتمكن من البقاء قريبة من شغفي، لست متفوقة في دراستي وأعترف أن تفكيري كله ينصب على التنس، وهو وحده ما يشغل بالي وتفكيري، والحمد لله أهلي يتفهمون ذلك، فأمي تتفهم إخفاقاتي في الدراسة وتعذرني، ورغم أنها تنصحني بأن أوازن بين دراستي وبين تنس الرياضة وتحاول منعي من التمرين في بعض الأحيان، لكنها تتغاضى كثيراً عن عدم انصياعي لأوامرها، عندما يتعلق الأمر بمنعي من التمرين، فكثيراً ما خرجت مع أختي مها للتمرين رغم أنها تنبهني إلى البقاء في البيت للدراسة، وأعوض ما فاتني من الدروس في وقت غير وقت التمارين.
ارتباط قوي
تلعب مريم تنس الطاولة منذ ثماني سنوات ارتبطت فيها ارتباطاً قوياً مع الطاولة والمضرب والكرة، واستطاعت أن تحقق الكثير من النتائج الإيجابية مقارنة بسنها الصغير، فحصلت على المرتبة الثانية في الزوجي في بطولة العرب بالأردن، كأصغر لاعبة قطرية في الفريق الوطني، وأصبحت بعدها بطلة المدارس في قطر حيث حصلت على المرتبة الأولى لأعوام متتالية، شاركت في عدة بطولات ودورات، والكثير من المعسكرات التي كانت تقام في الصين، ورغم سنها الصغير لكن حب اللعبة وإدمانها عليها كان يحفزها على الاستمرار والجد والتركيز في اللعب، ويجنبها بعض الأحاسيس التي كانت تشعر بها رفيقاتها أثناء المعسكرات من اشتياق وفقد.
وهنا تقول مريم: كانت أغلب صديقاتي تبكين أثناء سفرنا سواء في المعسكرات التدريبية أو خلال المنافسات، لكنني كنت دائماً صلبة قوية، لأنني كنت أذهب لتحقيق هدف، سواء الفوز أو التمكن من اللعبة أكثر. أعلم أن مشواري في اللعبة ما زال طويلاً وأحلامي كبيرة وطموحاتي أكبر، لكنني مصرة على تحقيقها كاملة غير منقوصة، وسأبذل قصارى جهدي في اللعب والتمرين لتحقيق الألقاب التي أحلم بها، ولذلك أنا حريصة على التمرن كثيراً، فحتى في فترة الحجر الصحي الذي كنا نعيشه بسبب فيروس كورونا كنت أتدرب بصفة دورية في الاستراحة مع أختي مها، وكنا نقضي ساعات في التمرين، لنحافظ على لياقتنا ومستوانا.

مها تتكلم
حديثنا مع مريم قادنا إلى أختها مها لاعبة فريق سيدات قطر لتنس الطاولة والتي بدأت اللعب في عمر الحادية عشرة عندما انضمت أختها مريم إلى الفريق الوطني لتنس الطاولة، فتواصلت معها مدربة الأخت الصغرى وطلبت منها مرافقة أختها إلى التمرين وتجربة اللعبة لعلها تحبها وتقرر الانضمام إلى الفريق، وهو ما حدث فعلاً، حيث صاحبت مها أختها مريم إلى التدريب، وجربت اللعبة التي لم تكن تعرف عنها شيئاً من قبل، لكنها بمجرد أن جربتها أغرمت بها، وأصبح المضرب صديقها والكرة حبيبتها.
تقول مها: أصبحت تنس الطاولة شغفي الأول ولا يمكنني التوقف حالياً عن ممارستها، خصوصاً بعد أن وصلت إلى منتخب الأدعم، ومثلت قطر في أكثر من محفل دولي. في بداياتي كانت اللعبة جديدة في قطر خصوصاً بالنسبة للإناث، فقد كنت رفقة زميلاتي التشكيل الأساسي لأول فريق سيدات وطني، وكنا وما زلنا نلعب ونتدرب بروح عالية لتحقيق الألقاب للوطن، وعرف مشواري العديد من المشاركات في بطولات وتربصات مختلفة، وتعرفت على أجواء المنافسات الدولية.
وتضيف: ورغم أنني في البدايات لم أحصل على أي استحقاق، لكن الاحتكاك بلاعبين محترفين في حد ذاته كان فرصة طيبة، لتقييم مستوانا خصوصاً أننا كانت تنقصنا المنافسة نظراً لأننا الفريق الأول، لكن رغم السفر والتربصات إلا أنه لا أحد من أهلي عارض أو وقف في وجه طموحاتي، فقد كانت عائلتي منذ البداية السند والدافع، وما زالوا إلى اليوم، فوالدي لم يرفض يوماً ولم يعارض أبداً رغبتي في الانضمام إلى الفريق الوطني أو ممارسة الرياضة، فقد كانا دوماً ومنذ طفولتي يعتمدان أسلوب الحوار والتشجيع، وحتى عندما كنت أخفق أو أتعثر في دراستي كان والدي دوماً هما من يعيدان لي الثقة بنفسي، ويجعلاني أقف من جديد لأكمل مشواري ويحولان إخفاقاتي إلى حوافز للنجاح والتحقيق، ويطلبان مني أن أركز على الأهداف والإنجازات، واستطعت بفضل توفيق من الله ودعم من الأسرة واجتهاد مني أن أحصل على شهادة الثانوية العامة والتحقت بالجامعة، حيث أسعى للتخصص في التربية الرياضية، لأتمكن من الدراسة وفي الوقت نفسه أمارس شغفي وهوايتي في لعبة التنس.

المعسكرات.. والمدارس
تعلمت مريم الكثير من المعسكرات التي انضمت إليها، أكثر مما تعلمه من المدارس، فهناك بعيداً عن الديار لم تكن الوالدة ولا الوالد موجودين، وكان تحمل المسؤولية عنوان المرحلة، فكان عليها الصبر على البعد عن الوطن وفراق الأهل والصبر على التمارين الصعبة والمستمرة والمتعبة، بالإضافة إلى الالتزام التام بالمواعيد وتحمل مسؤولية النفس، كل ذلك تقول مها إنه صقل شخصيتها وجعلها أكثر صلابة وثقة وتحملاً للمسؤولية، وهو ما يجعلها عقلانية توازن بين تدريباتها ودراستها.
المعسكرات التدريبية في الصين علمت مها عدة قيم أخرى، فقد كانت مديرة البعثة تطبخ للفتيات بنفسها، وتقوم على خدمتهم وهو ما جعل مها تتعلم إيثار الغير، ومدى أهمية التعاون، والعطاء والكثير من القيم الإنسانية الجميلة.
تعطي مها علي التدريبات حقها ولا تبخس دراستها شيئاً، فحتى في ظل الجائحة التي أوقفت كل النوادي والمباريات، إلا أن مها حاولت أن تجد لها مخرجاً حتى تحافظ على لياقتها. وعن برنامج تدريباتها في ظل أزمة جائحة «كورونا»، تقول: في الاستراحة كانت لدي طاولة تنس، وكما هي العادة كنت أقوم بحصص تدريبية مع أختي مريم، والحجر المنزلي فرصة للتعلّم وتصحيح الأخطاء وكذلك تدارك بعض التأخير في الدراسة.
طموحاتي ممكنة التحقيق
تتمرن مريم يومياً، تلعب مع أعمار مختلفة لتتعرف على تقنيات أكثر ولترفع من مستواها، تشارك في المعسكرات التدريبية داخل وخارج الدولة، كل ذلك لأنها تطمح وتحلم بتمثيل قطر في الأولمبياد والظفر بالميدالية الذهبية. ورغم أنها تعلم أن طموحاتها لا زالت بعيدة الأفق، إلا أنها تراها ممكنة التحقيق بفضل جدها وإصرارها عليها، فهي التي كانت لها رفقة زميلاتها استحقاقات خليجية وعربية، واليوم تطمح لإنجازات آسيوية وأخرى عالمية.