هل «البلوجرز» قفزوا بالفتيات بعيداً عن الواقع؟

alarab
تحقيقات 07 مارس 2021 , 12:35ص
هبة فتحي

أماني كمال: ابنتي بدأت تتأثر بنوعية الحياة والمظاهر الخداعة

تسنيم راجح: متابعة الفتيات للمشاهير على «إنستجرام» تنقص تقدير الذات

من السهل جداً أن تُغلق عينيك وتُسخّر خيالك ليذهب بك إلى عوالم أخرى عن واقعك فتبدأ بأن تنمق سكنك كما تتمنى، وتسافر إلى هنا وهناك كما تأمل، وترتدي وتأكل كل ما تشتهيه نفسك، ولكن من الصعب على البعض أن يفيقوا من هذه الرحلة الخيالية وهم في حالة رضا عن واقعهم متعايشين معه مرة أخرى بسلاسة وراحة بال. 

ما صنعته مواقع التواصل الاجتماعي هو أنها نحت دور الخيال وقامت هي بذلك الدور، فأصبحنا نرى ما يحدث في حياة الآخرين بشكل يومي وكأننا معهم، وصارت الحياة بكل تفاصيلها مكشوفة، الداء ليس في كل هذا بل في حياة أولئك الفاشينيستات والبلوجرز؛ لأننا نسينا أنهم يتصنعون ذلك الدور الترويجي عن سلع وكماليات ليست واقعية عند الجميع طوال الوقت، فاستقبلت عقول بعض الفتيات هذا ورفعن سقف توقعاتهن لحياة حالمة.     

تأثير سلبي
قالت الأستاذة تسنيم راجح باحثة في مجال المرأة والإعلام: إن ما تعرضه «البلوجرز» و»الفاشينيستا» من صور للحياة المثالية التي تراها الفتيات بشكل يومي ومتكرر على وسائل التواصل الاجتماعي سواء «فيسبوك» أو «إنستجرام» له تأثير كبير جداً على النفس، موضحة أن هذا التأثير يبدأ من خلال المقارنة بين ما لديها وبين ما تراه لدى الغير.
وأضافت: أذهاننا ليست متزنة طوال الوقت، وبالتالي لا عجب حين تظن بعض الفتيات أن هذه الصورة التي تراها هي لحظة واحدة منمقة ومحسنة من حياة هذا المتصدر، إنما سيعمم الصورة كأنه يتخيل أن حياة هؤلاء خلال 24 ساعة و7 أيام في الأسبوع هي على هذا الحال المتكاملة المتناسقة، كأن الواحدة من هؤلاء الفاشنيستا تستيقظ دوماً في البيت المثالي مرتدية مستحضرات التجميل التي لم يخربها النوم، مع أطفال مرتبين مهذبين يصحون بابتسامة عريضة وتفاؤل بالحياة، كأنهم خارجون مباشرة من عالم سبيستون الكرتوني الذي لا يشبه الواقع اليومي. 
وأكدت أن الخطر لا يكمن في مشاهدة هذه الصور فحسب، إنما في تكرارها وكثرتها والتنافس الذي بات يجري على تقديمها من قبل رواد «إنستجرام» وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى الواقع بقولها:» فلنتخيل أنَّ امرأة تعيش في شقة ضيقةٍ جلست ترى فتاة في بيت فسيح تقضي عطلة في باريس وأخرى في سويسرا، ترتدي في كل لقطة ملابس جديدة، وتحسن كل صورة لتبدو ألوانها متناسقة ودقتها متناهية، ماذا سيكون شعور تلك الفتاة؟ وكيف إن كانت هذه الصور متكررة؟».
وتناولت  تسنيم راجح دراسة عام 2016 عن تأثير «إنستجرام» تحديداً على الرضا بالحياة وعلى تقدير الذات لدى الفتيات، ووجدت أن متابعة الفتيات للمشاهير على «إنستجرام» أنقصت الرضا وتقدير الذات بشكل ملحوظ بعد الدراسة، إضافة إلى ذلك ففي العام الماضي نُشِرت دراسة أجريت على 388 شخصاً في سنغافورة حول أثر استخدام «إنستجرام» على المقارنة الاجتماعية وعلاقتها بالقلق الاجتماعي، ووجدت الدراسة علاقة كبيرة بين استخدام «إنستجرام» وبين زيادة مقارنات الشكل الخارجي، والقدرات، والشعبية، والمهارات الاجتماعية مع المتصدرين على هذه المواقع، وكل ذلك ينقص تقدير النفس بشكل كبير إحصائياً، ويزيد القلق الاجتماعي بنسبة كبيرة.
وختمت حديثها قائلة: متابع مواقع التواصل الاجتماعي بشكل عام يشعر باختلافه عما هو طبيعي لدى المتصدرين، فيشعر أنه غريب ووحيد في هذا العالم، بينما الحقيقة هي أن هؤلاء المتصدرين هم القلة، وهم الذين خرجوا عن الطبيعي الذي يحتوي الخطأ والصواب والفقر والغنى والجمال والقبح والسعادة والحزن.

أنا.. وابنتي المراهقة
قالت أماني كمال: إن ابنتها فتاة في عمر المراهقة وتتابع أعداداً كبيرة ممن يطلقن على أنفسهن «البلوجرز»، وإن ابنتها بدأت تتأثر بنوعية الحياة والمظاهر الخداعة التي تراها من حيث الكماليات وشكل الحياة عموماً لتلك الفتيات، مؤكدة أنها قطعت شوطاً طويلاً مع ابنتها لتفسر لها ما تراه من كم الرفاهية، وأن هذا ليس الطبيعي.
وأشارت إلى أن حياة هؤلاء «البلوجرز» صنعت بالفعل حالة عامة من عدم الرضا عند البعض، ورفعت سقف الرغبات والتوقعات عند عدة فتيات؛ لأنهن يرغبن في حياة مماثلة سواء على مستوى الملبس أو السكن وحتى أماكن التنزه والسفر، ناصحة الفتيات بأهمية فهم طبيعة الحياة، وأنه ليس كل ما يراه الإنسان حقيقياً.