قيمة الأضرار قد تتجاوز الـ 5 مليارات دولار

انفجار المرفأ يعمق الأزمة المالية اللبنانية

لوسيل

أحمد فضلي

مأساة إنسانية واجتماعية جديدة تضاف إلى الأزمة الاقتصادية التي تعيش على وقعها الجمهورية اللبنانية، بعد الانفجار الذي وقع أول أمس بميناء بيروت، واهتزت له لبنان وكل العالم نظرا لحجم الخسائر المسجلة في الأرواح والجوانب المعنوية، بالإضافة إلى الخسائر المالية والاقتصادية التي ستتكبدها لبنان، ليس فقط على مستوى تدمير البنية التحتية للميناء البحري الشريان الاقتصادي النابض لبيروت ولبنان وإعادة تأهيلها لعودة النشاط حيث ستتطلب إعادة تهيئة الميناء وحده ما لا يقل عن مليار دولار أمريكي، إنما كذلك على مستوى تعطل الحركة التجارية والاقتصادية نتيجة توقف نشاط الميناء الذي يغطي ما لا يقل عن 70 بالمائة من الأنشطة التجارية والاقتصادية للجمهورية اللبنانية، ويوفر العديد من التدفقات المالية والنقدية التي تؤمن جزءا من الحسابات المالية للجمهورية اللبنانية.

وتشير التقديرات الأولية إلى أن إجمالي الخسائر الإجمالية للانفجار قد تتجاوز مستوى 5 مليارات دولار أمريكي على المدى القريب وقد تصل إلى 10 مليارات دولار أمريكي على المدى المتوسط والبعيد، حيث تتضمن تلك التقديرات الأولية الخسائر المتعلقة بالبنية التحتية واللوجستية للميناء، بالإضافة إلى السلع والبضائع التي أتلفت نتيجة الانفجار، تضاف إليها الخسائر والأضرار المادية للمنشآت العمومية والممتلكات الخاصة من مطاعم ومقاهٍ محيطة بالمرفأ، بالإضافة إلى الكم الهائل من المباني السكنية التي تضررت بشكل كبير وعلى وجه الخصوص التي تقع في منطقة الميناء، كما لن تقف الخسائر المالية والاقتصادية على المستوى الحكومي التي ستتحمل الجزء الأكبر من تلك الخسائر، بل إن الخسائر ستطال كذلك الشركات والمؤسسات المختلفة في الدولة، وفي مرحلة أولى الشركات التجارية التي تعمل في قطاع الاستيراد والتصدير، بالإضافة إلى التجار وأصحاب البضائع التي كانت إما موجهة للتصدير أو للاستيراد والتي أتلفت في الميناء، لتنتقل تلك الخسائر في مرحلة ثانية إلى شركات التأمين وإعادة التأمين والتي ستتولى دفع التعويضات التأمينية لمستحقيها من الشركات وأصحاب البضائع والسيارات وغيرها من الأصول والمنقولات التي تضررت نتيجة الانفجار، مع العلم أن الثقل الأكبر سيكون على شركات التأمين اللبنانية وبدرجة أقل شركات التأمين وإعادة التأمين الأجنبية العاملة في لبنان.

تحد حقيقي للبنوك والمصارف اللبنانية

ولن تقف الخسائر عند هذا الحد بل من المتوقع أن تتجاوز ذلك، فمن المتوقع أن تمتد موجة الخسائر إلى البنوك والمصارف اللبنانية التي ستكون في مواجهة تحد حقيقي وهو توفير السيولة وتأمينها لجمهور العملاء بعد أزمة المصارف التي سجلت خلال الأشهر الماضية، ودفعت مختلف البنوك العاملة في لبنان إلى اتخاذ جملة من الإجراءات للمحافظة على المستويات المطلوبة من السيولة، وقد تم وصف تلك الإجراءات بالقاسية خاصة فيما يتعلق بالتحفظ على ودائع العملاء وخاصة بالعملات الأجنبية وفي مقدمتها الدولار الأمريكي واليورو، بعد التراجع الحاد في أسعار الصرف للعملة اللبنانية، حيث تراجعت الليرة اللبنانية إلى مستويات منخفضة جدا، ومن المتوقع أن تسبب الخسائر الناجمة عن الانفجار خلال الأيام المقبلة ضغوطات قد ترفع من مستوى الانخفاض المسجل على تداولات العملة اللبنانية في مقابل العملات الرئيسية ومنها الدولار الأمريكي وعملة المنطقة الأوروبية أي عملة اليورو، بالإضافة إلى تأثر الأسواق المالية وعلى وجه التحديد أسهم العديد من الشركات التي ستتأثر بشكل مباشر وغير مباشر نتيجة الخسائر الناجمة عن تعطل سلسلة التصدير والاستيراد وتلف العديد من البضائع المخزنة في الصوامع والمخازن المخصصة لحفظ المواد الأساسية في الميناء.

تعمق العجز المالي في موازنة لبنان

كما ستكون الحسابات المالية للجمهورية اللبنانية متضررة بشكل كبير، وعلى وجه التحديد الموازين المالية، وفي مقدمتها تعمق العجز المالي في موازنة لبنان، بالإضافة إلى تأثر الحساب الجاري للدولة ومن ثم ميزان المدفوعات بوجه عام خاصة أنه من أبرز مكونات ميزان المدفوعات هو حساب فارق الميزان التجاري أي فارق حساب إجمالي الصادرات فوب مقابل حساب إجمالي الواردات من فئة فوب، وبالتالي بعد توقف حركة الصادرات والواردات نتيجة تضرر الميناء الذي يؤمن ما لا يقل عن 70 بالمائة من حركة التجارة وبالتالي من المتوقع أن ينخفض حساب ميزان المدفوعات وحساب الميزان التجاري، بما يعادل تقريبا 70 بالمائة على اعتبار عمليات النسبة والتناسب، وبالتالي تحول الميزان التجاري ومن ثم ميزان المدفوعات إلى عجز ومنطقة سالبة مقابل باقي دول العالم.

3 أزمات اقتصادية ضخمة

إلى ذلك، فإن العديد من الخبراء تشير توقعاتهم إلى أن انفجار مرفأ بيروت الذي تم تدشينه منذ أكثر من 100 عام سيخلف 3 أزمات اقتصادية ضخمة تضاف إلى الأزمات الاقتصادية التي يشهدها الاقتصاد اللبناني والتي جعلته على مقربة من إعلان الإفلاس الكلي بعد عجز الحكومة اللبنانية مطلع العام الجاري عن الإيفاء بالتزاماتها تجاه كبار الدائنين وأن لبنان دخلت في مفاوضات معهم لإعادة جدولة تلك الديون والقروض الضخمة خلال السنوات المقبلة على أمل تخفيف الضغوطات على الاقتصاد اللبناني. أما على مستوى الأزمات الاقتصادية التي من المتوقع أن تنشأ خلال الفترة المقبلة هي تأجيل تعافي السياحة حتى بعد أزمة كورونا، وصعوبة إبرام اتفاقية التمويل مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وباقي المنظمات المالية والنقدية الدولية المانحة إما لجدولة الديون أو في إطار طلب ديون وقروض أخرى لبناء ميناء جديد أو على الأقل إعادة تأهيل المرفأ الحالي الذي تضرر بنسبة كاملة، على أن تكون تلك التمويلات والقروض السيادية بأسعار فائدة مرتفعة جدا نتيجة لتردي الوضع المالي للجمهورية اللبنانية وعجزها عن سداد التزاماتها السابقة وتبعات ذلك على التصنيف الائتماني السيادي الخاص بها والذي تراجع بشكل كبير إلى مستويات متعثرة، وتشكيل مزيد من الضغوط على سعر صرف الليرة المنهارة.

عقل: الخسائر متشعبة ومعقدة وتطال مجالات عديدة

يجمع الخبراء الاقتصاديون والمحللون الماليون على أنه في المرحلة الحالية لا يمكن تقييم الخسائر ماليا إنما لا بد من القيام بمجموعة من الأعمال التحقيقية ومن ثم القيام بجرد كامل لمختلف الخسائر، سواء كانت خسائر مباشرة أو غير مباشرة، بالإضافة إلى تقدير الأضرار والتعويضات التي سيتم تأمينها لمستحقيها، من ثم توفير الأرصدة والسيولة اللازمة لدعم الشركات والمؤسسات المتضررة لعودة النهوض من الأزمة التي ألمت بهم نتيجة انفجار مرفأ بيروت فقدان أطنان البضائع والسلع الأساسية والحيوية، إلى جانب تعطل العديد من العقود التجارية والاتفاقيات التجارية التي من المتوقع أن يتم تنفيذها في إطار عمليات تصدير واستيراد خلال الأشهر المقبلة.

وفي هذا الإطار، يقول المحلل المالي والخبير الاقتصادي أحمد عقل إن اثار الانفجار ستكون له العديد من الآثار سواء على المستوى الإنساني والاجتماعي أو المالي أو التجاري، وتابع قائلا: العديد من الآثار المترتبة عن هذا الانفجار، وهنا لابد من التعبير عن حزن كبير وتعزية لجميع الضحايا وتمنيات بالشفاء لجميع المصابين وعودة لبنان إلى ما كان عليه سابقا.

وأوضح في حديثه لـ لوسيل أن الخسائر لا يمكن حصرها في يوم واحد أو يومين، لأن الخسائر متشعبة ومعقدة وسنراها تطال العديد من المجالات، مشيرا إلى أن 70 بالمائة من التبادل التجاري مع دول العالم يتم من خلال المرفأ حتى خلال كورونا كان هو شريان الحياة الاقتصادية، ثانيا الميناء كان مصدرا للدخل الأساسي للدولة من خلال الإيرادات الجمركية وغيرها وبالتالي هذا الدخل سيتوقف إلى حين إعادة تهيئة الميناء واستعادة نشاطه، كما حجم مصاريف إعادة التأهيل التي ستكون كبيرة، وثالثا ستكون متعلقة بخسائر المواد والسلع المخزنة في الميناء وعلى وجه الخصوص المواد الإستراتيجية والتي تكلفت أموالا طائلة خلال شرائها أو تخزينها واليوم تلفت نتيجة الانفجار، ومن ثم الأموال التي سيتم رصدها لتعويض ذلك المخزون الإستراتيجي، وتابع قائلا: من المعلوم كانت هناك بضائع وشركات وسفن وبالتالي خسائر مباشرة للتجار وللمواطنين وبالتالي تضرر العديد من القطاعات الأخرى، حتى الأشخاص الذين لديهم تأمين فإن الخسائر سوف تسحب على شركات التأمين. وأوضح أن التحدي الجديد هو مدى قدرة التجار على استيراد منتجات جديدة خلال الفترة المقبلة بعد الخسائر التي تكبدوها خلال أزمة كورونا والآن الانفجار، مشيرا إلى أن الضغط الآخر سينسحب على مستوى الاقتصاد اللبناني وعلى وجه الخصوص الليرة اللبنانية التي قد تؤثر على مستويات سعر الصرف وتهوي بالعملة اللبنانية، كذلك مدى قدرة البنوك والمصارف اللبنانية على توفير السيولة اللازمة لتغطية احتياجات التجار من السيولة لتغطية خسائر، مضيفا: كذلك هناك من التجار والشركات التي حصلت على تمويلات بنكية لشراء تلك السلع أو الدخول في شراكات تجارية، وبالتالي أمام هذه الخسائر قد تدفع بالتجار إلى العجز عن سداد التزاماتهم المالية تجاه الدائنين.

وقال عقل إن الوضع اليوم يحتم على الجميع التكاتف والتلاحم حتى يستطيع الشعب اللبناني النهوض كطائر الفينق على حد تعبيره يعود إلى سالف نشاطه وحياته الطبيعية متجاوزا الأزمة التي مر بها لبنان سواء فيما يتعلق بالاقتصاد أو الأزمة الاجتماعية. ونوه إلى الدعم القطري الذي تم الإعلان عنه لفائدة الجمهورية اللبنانية من خلال توجيه مستشفيات ميدانية للبنان، مشددا على أن هذا ليس بغريب عن دولة قطر التي طالما وقفت إلى جانب لبنان والشعب اللبناني من أجل مواجهة كافة التحديات التي تواجهه.