

المجتمع تخلّى عن ممارسات وعادات لم يسبق أن مرّ عليه رمضان دون حضورها
المدفع.. صوته كان يبعث الراحة والبهجة في نفوس الصائمين بعد أن تخلى عن وظيفته القتالية المعتادة
صلاة التراويح.. الغائب الأبرز عن المشهد
مجالس توقّفت عن استقبال زوّارها واقتصرت التجمعات على أبناء البيت الواحد
فرضت الظروف المرتبطة بجائحة كورونا نفسها على المشهد الرمضاني، من حيث التخلي عن بعض العادات والتقاليد الاجتماعية والرمضانية الراسخة في الشهر الفضيل، بما فيها صلاة التراويح، ومدفع الإفطار، وموائد الرحمن، والمجالس الرمضانية العامرة، والغبقة، والخيم الرمضانية، وغيرها من مظاهر الشهر الفضيل.
وتعد صلاة التراويح في المساجد الغائب الأبرز في ليالي شهر رمضان المبارك لهذا العام، فقد كانت تبث الحياة والأجواء الروحانية في أرجاء الأحياء، ويحرص على أدائها الرجال والنساء والأطفال جماعة في المساجد؛ ليشنفوا آذانهم بالتلاوات العطرة، ويتقربون إلى الله تعالى بالصلاة والدعاء.
الغبقة والمناسبات
ومن الأمور المفتقدة التي كانت تميز ليالي شهر رمضان هي تلك الاجتماعات الصاخبة ما بين وجبتي العشاء والسحور على ما يسمى الغبقة الرمضانية، والتي كانت العائلات تحرص على إقامتها والاجتماع على مائدة رمضانية تزخر بالعديد من الأكلات الشعبية والحلويات، ويتسامرون حتى وقت متأخر في جو اجتماعي تسوده الألفة والمحبة. كما غاب الاحتفال بليلة القرنقعوه حيث كان الأطفال يحرصون في منتصف شهر رمضان المبارك على ارتداء أبهى الحلل والدوران على المنازل المجاورة، وهم يرددون بعض الأهازيج، ويحملون معهم أوعية لحمل الحلوى والمكسرات التي يحصلون عليها من سكان الحي، فتملأ ابتساماتهم وضحكاتهم أرجاء المكان.
هكذا أصابت الظروف الحالية المرتبطة بجائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد - 19) ضمن ما أصابت في قطر، مظاهر كانت مرتبطة بأجواء هذا الشهر الكريم، ومعتادة بشكل سنوي، وأدت إلى غيابها بشكل ملحوظ، بسبب الإجراءات الاحترازية التي كان لها دور بارز في هذا الغياب.
المدفع.. والأطفال
صورة رمضانية أخرى محفوظة في ذاكرة «هل قطر» كانت تأبى الاندثار أو النسيان.. غابت «قسراً» عن المشهد الرمضاني بسبب الإجراءات الاحترازية: وهي مدفع الإفطار، والذي كان يتم استحضاره بشكل رمزي من قبل أربعة أفراد من الشرطة، في ساحة جامع الإمام، محاطاً بالحواجز الأمنية والحرس ضماناً لأمن وسلامة الأهالي وأطفالهم الذين يتحلقون حوله لمشاهدة رجال الشرطة وهم «يحشون الطلقات» في فوهة المدفع قبيل الأذان، وكلهم «آذان صاغية» لصوته. حيث يبعث صوته الراحة والبهجة في نفوس الصائمين، بعد أن تخلى عن وظيفته القتالية المعتادة.. وتحلى بإشاعة البهجة والفرحة.
وقد ارتبط صوت المدفع في الذاكرة الشعبية بالدفء الأسري والحنين دوماً إلى رمضان ولياليه مع الأهل والأصدقاء، وتقول الحكاية المروية إن «خو شقدم» والي مصر في العصر الإخشيدي كان يجرب مدفعاً جديداً أهداه له أحد الولاة، وتصادف ذلك وقت غروب الشمس في أول يوم من شهر رمضان، ومع توافد العلماء وأهالي القاهرة على قصر الوالي لتناول الإفطار، انتهزوا الفرصة ليعبروا عن شكرهم بتنبيهه لهم بإطلاق مدفع الإفطار، وعلى ما يبدو أن الوالي قد أعجب بالفكرة؛ فأصدر أوامره بإطلاق مدفع الإفطار يومياً وقت أذان المغرب في رمضان.
صدفة
وتقول رواية أخرى إن المصادفة لعبت دوراً مهماً، حيث كان محمد علي باشا، مؤسس حكم الأسرة العلوية في مصر، مهتماً بتحديث الجيش وبنائه بشكل قوي، يتيح له الدفاع عن مصالح البلاد، وأثناء تجربة قائد الجيش أحد المدافع المستوردة من ألمانيا، انطلقت قذيفة المدفع مصادفة وقت أذان المغرب في شهر رمضان، وكان ذلك سبباً في إسعاد الناس الذين اعتبروا ذلك أحد المظاهر المهمة للاحتفاء والاحتفال بهذا الشهر المبارك، واستخدم المدفع بعد ذلك في التنبيه لوقتي الإفطار والسحور.
ظن الناس أن الحكومة اتبعت تقليدًا جديدًا للإعلان عن موعد الإفطار، وصاروا يتحدثون بذلك، وقد علمت الحاجة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل بما حدث، فأعجبتها الفكرة، وأصدرت فرمانًا يفيد باستخدام هذا المدفع عند الإفطار والإمساك وفي الأعياد الرسمية.
بدأت الفكرة تنتشر في أقطار الشام أولاً، القدس ودمشق ومدن الشام الأخرى، ثم إلى بغداد في أواخر القرن التاسع عشر، وبعدها انتقل إلى مدينة الكويت، حيث جاء أول مدفع للكويت في عهد الشيخ مبارك الصباح، وذلك عام 1907، ثم انتقل إلى كافة أقطار الخليج قبل بزوغ عصر النفط، وكذلك اليمن والسودان، وحتى دول غرب أفريقيا، مثل تشاد، والنيجر، ومالي، ودول شرق آسيا، حيث بدأ مدفع الإفطار عمله في إندونيسيا سنة 1944.
ذخائر «فشنك»
استمرت عملية إطلاق المدفع بالذخيرة الحية حتى عام 1859م لكن ومع ظهور المتغيرات والتحولات ظهر جيل جديد من المدافع التي تعمل بالذخيرة «الفشنك» غير الحية أو الحقيقية، ليتم بذلك الاستغناء عن الذخيرة الحية، والتي كانت تسبب الكثير من المشاكل، وتثير القلق والخوف للأحياء السكنية المجاورة للمنطقة التي يقع فيها المدفع، ويتولى المدفع عدد من رجال الأمن، ويقومون بإعداد البارود كل يوم مرتين خلال شهر رمضان المبارك، لحظة الإفطار والإمساك.
وقد أدى اتساع الأماكن، وكبر حجم العمران، وكثرة السكان -بالإضافة إلى ظهور الإذاعة والتلفزيون- إلى الاستغناء تدريجياً عن هذا المدفع، كما أنه توقف في بعض الأعوام عن الإطلاق بسبب الحروب، كما تم الاكتفاء عنه بتسجيل طلقات حتى يتم الاستماع إليها من الإذاعة والتلفزيون، مما أدى إلى إهمال عمل المدفع.
والمدفع عبارة عن ماسورة من الصلب ترتكز على قاعدة حديدية تتوسطها عجلة لتحريك ماسورة المدفع، وترتكز من ناحية على الأرض، ومن ناحية أخرى على محور حديدي يتوسط عجلتين كبيرتين من الخشب تساعدان على تحرك المدفع من مكان لآخر إذا لزم الأمر.
واحتفظ مدفع الإفطار بمكانة خاصة في وجدان المسلمين كتقليد تم الحفاظ عليه في معظم الدول العربية، بل إنه بجانب معانقة ذكريات الكبار وطفولتهم مع رمضان، فهو يتغلغل في ذاكرة الأجيال الجديدة بنفس الروح الأصيلة، بعد أن بدأت مظاهر مثل الفانوس الرمضاني والمسحراتي تتوارى خلف المتغيرات والتقنيات الحديثة.